تقرير: 495 جريمة عنف منزلي في النصف الأول من 2025

كم مرة دفعت النساء والفتيات ثمن عنفٍ ممن يُفترض أن يكونوا خط دفاعهن الأول: الأب، والأخ، والزوج… أو أي قريب منهن؟ تتكرر المآسي لتفضح هشاشة منظومة الحماية القانونية والاجتماعية في مصر، لتؤكد أن “المنزل الآمن” قد تبدد لدى الكثيرات.

فما حدث من محمود شحاتة 28 عامًا من المنوفية، بحق زوجته وطفلهما في محافظة المنوفية ليست مجرد حادثة عابرة، بل هو حلقة جديدة في مسلسل العنف الأسري المُميت، حيث تُترك النساء في مواجهة مصيرهن دون آليات إنذار مبكر أو حماية حقيقية تحول دون الكارثة.

كما اعتدى عامل من القناطر الخيرية بالضرب على ابنة أخيه تحت تهديد السلاح ومُبرره التأديب. لتشير هذه الواقعة إلى خطر السلطة العائلية وكيف تصبح أداة إيذاء بدلًا من الحماية. ضرب ابنة أخيه -التي يتولى تربيتها- وخلّف كسورًا وسحجات. اعتداء مكتمل الأركان على الفتاة التي لم تُكمل الثامنة عشر من عمرها بعد.

وتواصل جهات التحقيق فحص ملابسات مقتل العروس 19 عامًا، على يد زوجها بعد شهر من الزواج في كفر الشيخ الشهر الماضي.

الذي اعترف في تحقيقات النيابة أنه بعدما نشأ بينهما خلاف حول حقوقه الشرعية أي ما يُعرف بـ “الاغتصاب الزوجي”، وصل إلى طعنها بسكين أدى إلى وفاتها فورًا، وتم نقل الجثمان لمستشفى الحامول المركزي ثم إلى مشرحة مستشفى كفر الشيخ العام للدفن.

وفي إيتاي البارود نوفمبر الماضي، أيضًا، دهس أب ابنته الرضيعة بقدمه وانهال عليها بالضرب لأنه “مش عايز خلفة البنات” فتحطمت عظامها وفارقت الحياة.

هذه الجرائم حدثت جميعها في شهر نوفمبر 2025 فقط، وهي ليست إلا جزءًا من منظومة تتطلب مساءلة فورية من الدولة والمجتمع: كيف يستمر هذا النمط من العنف المُميت؟ ولماذا لا تزال الاستجابة الرسمية حبيسة ردود الأفعال المتأخرة التي لا تنقذ أرواحًا؟ يبدو أن القوانين الحالية لا تحمل قوة الردع الكافية لوقف جرائم قتل النساء.

وفي أكتوبر الماضي صدر تقرير عن مؤسسة إدراك للتنمية والمساواة، يُظهر 495 جريمة عنف ضد النساء والفتيات في مصر خلال النصف الأول من عام 2025، في الفترة من يناير إلى يونيو. عن طريق متابعة وتوثيق ما نُشر في الصحف المصرية وبيانات النيابة العامة.

تصدرت جرائم القتل أعلى معدلات العنف في التقرير بواقع 156 جريمة، منها 120 جريمة قتل نتيجة لعنف أسري على يد أحد أفراد الأسرة أو الزوج أو الشريك، سواء كان حاليًا أو سابقًا، أي حوالي 89.5%، ولوحظ توزيع جغرافي متباين بين المحافظات، ما يعكس اتساع نطاق العنف الأسري في مختلف أنحاء البلاد.

سجل التقرير حوالي 14 جريمة قتل على يد غرباء أو أفراد من خارج الأسرة، مع تسجيل 9 حالات في المحافظات المركزية، كما رصد طرق متعددة لقتل النساء منها الطعن، والشنق، والتعذيب. وأحيانًا، استهداف الأطفال للتغطية على الجرائم أو الانتقام، ما يبرز خطورة واستمرار العنف ضد النساء في مصر بشكل يومي ومقلق.

جذور كراهية الإناث

“هذا الفكر متأصل في عادات قديمة تربط “الرجولة” بالقوة والسيطرة وتنظر للبنات باعتبارهن ‘عبء‘ حتى تتزوج، فهي لن تحمل اسم العائلة”.. بحسب هدير أحمد المحامية والباحثة في حقوق المرأة، لـ فكّر تاني.

وتضيف أن هذا الفكر يفرض صور نمطية على النساء وأنها بحاجة “للرقابة والحماية”، ما يجعل ربط شرف العائلة بسلوكها، والخوف من أي “فضيحة”، وهو فكر مدمر ومؤذٍ للغاية.

وتتابع هدير أحمد أن الخطاب الديني الشعبوي، الذي يركز على الطاعة والخضوع ويتجاهل قيم المساواة والرحمة، يغذي فكرة “دونية المرأة” عند البعض. كما أن التعليم لا يشجع الفتيات على الاستقلال، والإعلام يصور المرأة دائمًا كضحية أو تابعة، يرسخ نظرة سلبية بدلًا من تمكينها. هذه الرسائل السلبية تظهر باستمرار في حياة المرأة اليومية ومحيطها الاجتماعي، وتحاصرها.

وهذا ما تدعمه دراسة “تحليل الوضع للأطفال والمراهقين في مصر 2024″ الصادرة عن يونيسف مصر، حيث يُظهر التقرير أن الفتيات في مصر ما زلن يواجهن تمييزًا جندريًا منذ الطفولة، يتجلى في فرص تعليم أقل، وضغط اجتماعي أعلى، وتفضيل الذكور في الأسرة. كما يسلط الضوء على الفوارق بين الجنسين في الصحة والحماية، مؤكدًا أن بعض الأسر تميل إلى تفضيل الذكور عند التخطيط للإنجاب، ما يعكس استمرار ممارسات اجتماعية مرتبطة بـ”كراهية إنجاب الإناث” وتأثيرها المدمر على الفتيات.

في كتاب الصحفية والكاتبة منى الطحاوي الصادر بعنوان “الحجاب وغشاء البكارة: لماذا يحتاج الشرق الأوسط إلى ثورة جنسية؟” الصادرة في 2015، تركز فيه على “كراهية النساء” في المجتمع العربي والإسلامي. وتُشير إلى أن العنف الأسري، وتزويج الأطفال، وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث، وجرائم الشرف ليست سوى مظاهر لقمع المرأة تحت ذرائع “العفة والشرف”. وتؤكد، بعض الآباء يحصرون “الشرف” في الحجاب وغشاء البكارة فقط، متجاهلين شخصيتها وحريتها، واحتياجاتها الإنسانية. وهو ما يعكس سيطرة ذكورية متجذرة وثقافة تحط من شأن النساء والفتيات.

وتُبرز الكاتبة كيف أن القوانين والأنظمة الثقافية والاجتماعية تعمل على تقييد حرية المرأة وتحويل جسدها إلى أداة للسيطرة الذكورية. وتعتبر أن “الثورة الجنسية للنساء -أو تمكين المرأة من السيطرة الكاملة على جسدها” هي وحدها القادرة على تحقيق حريتهن وتمكينهن. وتشدد على أن غضب النساء المتزايد اليوم قد يصبح القوة المحركة لتغيير جذري في عالمنا، إذا ما مُنحن منصات للتعبير عن حقوقهن وحرياتهن وتم الاستماع إليهن بجدية.

العدالة ناقصة

أثار الحكم الصادر من محكمة جنايات مستأنف دمنهور ضد الأب الذي قتل ابنته الرضيعة دهسًا جدلًا واسعًا. فقد أيدت المحكمة عقوبة السجن 10 سنوات بدلًا من الإعدام، وهو ما يعد تخفيفًا غير مبرر مقارنة بجسامة الجريمة وبشاعتها.

التصميم عن مؤسسة إدراك للتنمية والمساواة

فتصاعد الجدل بين الحقوقيين والمتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، وتساءلوا عن جدوى العقوبات المخففة في جرائم قتل الأطفال والعنف الأسري، ومدى قدرة القانون الحالي على حماية النساء والأطفال داخل الأسرة بشكل فعلي.

“يميل القانون المصري في قضايا العنف الأسري إلى التخفيف عن المعتدي، ويمارس تحيزًا واضحًا ضد المرأة، خصوصًا فيما يُسمى بـ “جرائم الشرف”.. كما تقول المحامية هدير أحمد، وتوضح، أن الأحكام تستند الأحكام إلى ظروف الجاني النفسية أو العمرية -أو في بعض الأحيان- بتنازل الأسرة عن الحق المدني.

هذا ما يجعل المرأة ضحية مرتين، أولًا بفقد حياتها أو تعرضها للعنف، وثانيًا بعدم حصولها على حماية قانونية فعلية، كما تواجه صعوبات في إثبات الاعتداء بسبب تحيز القانون والمجتمع. ويتم استغلال القانون في بعض الأحيان لإباحة العنف، كما في المادتين 17 و 60 من قانون العقوبات المصري، وهو ما يعكس خللًا تشريعيًا يبرر العنف ضد النساء، وتشدد على ضرورة إصلاحه لحمايتها وضمان العدالة.

وتسطرد: “التعامل مع هذه القضايا كـ “حالات فردية” أمر خطير للغاية، لأن تكرار الجرائم بهذا الشكل يؤكد وجود مشكلة بنيوية عميقة تحتاج إلى تدخل شامل”، وتؤكد أن هذا التدخل يجب أن يشمل تشريعات واضحة، ودعمًا حقيقيًا للناجيات، وتغييرًا ثقافيًا جذريًا.

“وأول خطوة تكون بسن قانون موحد لمناهضة العنف ضد المرأة، يتضمن آليات واضحة للحماية والدعم، مع تغليظ العقوبات على الجرائم الأسرية. ويجب أن يرافق ذلك توعية مجتمعية حقيقية تعمل على تغيير النظرة إلى المرأة، وكسر دوائر الخوف والصمت”.

مؤكدةً على ضرورة تدريب الشرطة والنيابة العامة على التعامل مع الضحايا باحترام ودعم، دون لومهن أو تقليل حقهن: “يجب أن يدرك المجتمع أن أي عنف ضد المرأة هو جريمة كاملة لا يجوز التهاون فيها”.

وتشير أن الإعلام والتعليم يجب أن يلعبا دورًا فعالًا في تعديل الصور النمطية السلبية عن النساء، وتقديم دعم نفسي وقانوني مستمر للضحايا، لا مجرد التدخل وقت الأزمة. وتختتم بأن إشراك الرجل في جهود التغيير أمر حاسم، لأنه جزء لا يتجزأ من الحل. جميع هذه الخطوات يجب أن تسير جنبًا إلى جنب لتحقيق بيئة آمنة للمرأة وضمان العدالة الحقيقية.

مشروع قانون موحد لمكافحة العنف ضد المرأة

في عام 2022، أعدت مؤسسة المرأة الجديدة مشروع قانون موحد لمكافحة العنف ضد المرأة في البرلمان المصري، بالتعاون مع النائبة نشوى الديب. هذا المشروع هو المحاولة الثانية لتقديم قانون مماثل، بعد تجربة سابقة مع النائبة نادية هنري في البرلمان السابق. 

التصميم عن مؤسسة المرأة الجديدة

يهدف المشروع إلى توحيد التشريعات لمناهضة جميع أشكال العنف ضد النساء والفتيات، بما يتماشى مع الاستراتيجيات الوطنية كـ “الاستراتيجية الوطنية لمكافحة العنف ضد المرأة”، و”استراتيجية تمكين المرأة 2030″، و”الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان”.

يشمل القانون سبعة فصول تغطي تعريفات العنف، وإجراءات التقاضي، والجرائم الجنسية، والانتهاكات المتعلقة بالإجهاض، والخطف واستغلال النساء والأطفال، وجرائم العنف الأسري، بالإضافة إلى الوقاية والحماية. كما يوسع القانون نطاق الإبلاغ، ويخصص دوائر قضائية متخصصة، ويعزز حماية الشهود والمبلغين، مع توضيح آليات للتوعية المجتمعية والتعاون مع الإعلام والتعليم والفنون لتعزيز الحماية وتمكين المرأة.

إلى جانب دور مؤسسة المرأة الجديدة، لعبت العديد من المؤسسات النسوية المصرية الأخرى دورًا حاسمًا في دعم هذا القانون ومتابعة مسار تشريعه، مثل مؤسسة قضايا المرأة المصرية. التي شاركت هذه الجهات بفعالية في الدراسات القانونية، والتدريب، والتوعية المجتمعية، وتقديم الملاحظات على نصوص القانون لضمان شموليتها وحماية الناجيات.

من جانبه، يؤكد عبد الفتاح يحيى المحامي بالنقض، أن الحل في مشروع القانون الموحد، الذي يلعب دورًا محوريًا في مواجهة العنف النفسي الأسري، حيث يضع ضوابط وآليات واضحة تهدف لحماية النساء والفتيات دون الإضرار بصحتهن النفسية”. كما ينص على أن معالجة هذه الحالات تتم من خلال متخصصين ولجان استشارية مستقلة تابعة للمصحات الحكومية، لضمان دقة التقارير النفسية وخلوها من أي عوار.

مشيرًا في حديثه مع فكّر تاني، أن المؤسسات النسوية عملت بجد على فتح حوار مع البرلمان والمجتمع المدني لضمان وصول المشروع إلى مرحلة النقاش البناء داخل اللجان والجلسات العامة، مع متابعة مستمرة لتطبيقه عند إقراره. وتهدف هذه الجهود المشتركة إلى خلق بيئة قانونية ومجتمعية أكثر أمانًا للنساء، وتوفير آليات حماية فعلية تضمن العدالة والمساءلة لكل من يعتدي عليهن.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة