مليء بالأفخاخ.. معركتي اليومية مع الشارع

صعب أن تسير في شارع مليء بالأفخاخ دون أن يصيبك شيئًا، مهما كنت حريصًا وتحاول أن تتجاوز كل مناطق الخطر، وتنأى بنفسك عن الأماكن المشبوهة التي تملأها علامات الاستفهام.

هبوطي إلى الشارع كل يوم مع طفلين صغيرين ليس بشيء هين أو سهل؛ فهو أمر صعب بقدر صعوبة الأحوال التي نمر بها، وبقدر حاجتنا إلى فلترة الكثيرين ممن يظنون أن الشارع ملكًا لهم، وأن من يسيرون فيه أيضًا ضمن هذه الملكية.

الأمر شبيه بالمشي في حقل مليء بالألغام، رغم أنهما شارعين فقط يفصلان بيني وبين مدرسة الولدين، وهو الأمر الذي لا يأخذ وقتًا أكثر من عشرة دقائق أو خمسة عشرة ولا يزيد عن ذلك، ولكن بمجرد النظر إلى بعض الوجوه أعرف أن على أحيانًا أن أبدل طريقي.

في السابعة صباحًا يكون الشارع مليء بالأطفال المودعين منازلهم إلى المدارس، ومعهم ذويهم. وفي السابعة أيضًا يكون الوقت الذي يلتقي فيه الشباب من متعاطي المخدرات في الخفاء، في ركن بعيد من الشارع، وأحيانًا داخل سلالم العمارات. أسمع الأصوات ومعها أشعر بالقلق والخوف من أي تجاوز. أشد بيدي على الطفلين، ولا يبقى أمامي سوا أن أغير طريقي أو أسرع خطاي بهما.

مع غرابة الموقف تأتي أسئلة ابنتي لتزيل خوفي، يأكلها الفضول من هؤلاء الشباب، وهي ما تزال في العاشرة، ولماذا يضحكون بهذا الشكل، وما تلك الأشياء التي يتبادلونها؟ عادة لا تكون هناك إجابات محددة وواضحة، أحاول أن أتجاوز الأمر، وينصحني أحدهم بألا أسير في هذا الشارع ثانية فأغيره.

منذ أشهر وأنا أغير طريقي عند الذهاب معهما صباحًا.

في البداية المشي معهما في الصباح كان متعة لا يضاهيها شيء، مساحة للضحك والكلام، وطرح الكثير من الأسئلة عن هذا وذلك، ولكن مع الوقت بات الأمر نكتة سخيفة، وأصبح السائرون في الشارع مغيبون لا يدركون حقوق الشارع، وما عليهم فعله.

مجنون في الشارع!

أن نمر - نحن النساء - بواقع صعب هذا جائز ولكن أن تجد من يبرر ويدافع عن أشخاص مكانهم السجن فهذا هو الأمر المرفوض تمامًا. تقول صديقتي إن المتحرشين أصبحوا في كل مكان لدرجة أنها تخشى أن ينزلوا إليها من الحنفية، أضحك وأصدق على كلامها، وهذا ليس بجديد، فركوب الميكروباص بالنسبة لي أصبح من الأمور التي اتجنبها قدر الإمكان ولو كنت مضطرة.

في مرة كنت ذاهبة مع صديقة لي لخطوبة زميلة لنا ولم يكن الوقت قد تجاوز العاشرة مساء، ورغم ذلك قابلنا وقتها هذا الوجه الذي يبرر له الجميع ما يرتكبه بقولهم "دا راجل مجنون"، اضطررنا وقتها أن نمر من أمام المجنون، كان يطلق لحيته ويجلس في ركن بعيد، وعندما رآنا أسرع ليجري وراءنا، كان الموقف مرعبًا، نجري ونسرع الخطى وتمسك كل منا بيد الأخرى وهي تلهث مضطربة، ثم يأتي أحدهم ليبرر له ويدافع عنه، مؤكدًا أنه ليس في وعيه، ولم أعرف أبدًا لماذا يلقون علينا المجانين في الشوارع ولا يضعوهم في العباسية.

لم تذهب تلك النوعية الخاصة من المجانين أبدًا للعلاج، ولم يخلو منها الشارع، ومع الوقت أصبحت أشكالهم تتغير، ونظراتهم تتحول إلينا لتصبح مخيفة.

ليس شارعنا

من وأنا صغيرة وأنا أعيش في قريتي أسمع ان المرأة مكانها البيت وأن الشارع هو مكان الرجل، ويبدو أن هذا حقًا ما يظنه هؤلاء. يدفعون بنا دفعًا حتى نختفي ونبقى بعيدًا عن شارعهم الذي أصبح مع الوقت ملكًا لهم، ورغم صراعاتنا المستمرة للتواجد والاستحقاق إلا أن وجودنا غير مطمئنا ولا مؤمنًا اعترفنا بذلك أم لم نعترف.

في كثير من الأحيان ندخل في صدامات يومية، أشارك فيها حتى مع صديقة أو جارة أعرفها. ينتهي النزاع بلا شيء، هذه النزعة الذكورية المبتذلة المستمرة منذ سنوات مازالت حية وأصبحت موحشة، ذهب كل إحساس الحياء والخجل وأصبح الآن صوت العنف تجاهنا هو الأقوى والأعلى دون أن نعرف سببًا لذلك.

في الشارع الرجل يتحرش بالمرأة، ويسبها، ويمد يده عليها لأي سبب وبدون سبب، ودون أي تدخل من أحد، الشارع أصبح مكانًا لمنعدمي الأخلاق الذين يبررون لأنفسهم كل شيء، ويمدون أيديهم وأعينهم ثم يقولون: "لماذا لا تجلس في منزلها".

رغم كل تلك القوانين التي تدافع عن حقوق المرأة وتحميها إلا أنها لم تستطع أبدًا أن تنزع عنها عباءة الخوف وهي تسير في الشارع وتلتفت هنا وهناك لتنظر قبل أن تمر، وتسأل قبل أن تدخل، وتفكر قبل أن تقرر، وتعيد السؤال على نفسها، ثم تلام عند حدوث أي موقف في حين أنه يجب الدفاع عنها دائمًا.

تلك القوانين الرادعة لم تستطع أن تغير تفكير الرجل الذي يسير في الشارع، وهو يلقي بنفسه على المرأة ويهاجمها بعينيه ويعتقد كل الاعتقاد أن هذا حق له مكتسب لا تستطع أي قوانين أن تحرمه منه، ولا يوجد ما يمنعه، فلا يمتثل لشرع ولا يخيفه قانون.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة