في خطوة وصفتها بـ”التنكيل المتعمد” رغم صدور عفو رئاسي سابق، أدانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قرار الدائرة الأولى بمحكمة الجنايات، برئاسة المستشار محمد الشربيني، الصادر في 18 نوفمبر الجاري، بتجديد إدراج المحامي الحقوقي محمد الباقر على قوائم الإرهابيين لمدة خمس سنوات جديدة بناءً على طلب النيابة العامة.
وبالرغم من حصول “الباقر” في يوليو 2023 على عفو رئاسي بعد الحكم بسجنه من محكمة جنح أمن الدولة طوارئ في ديسمبر 2021 أربع سنوات بتهمة “نشر أخبار كاذبة” في القضية رقم 1228 لسنة 2021، فإن الحكم لم يسقط القضية التي ألقي القبض عليه بموجبها (رقم 1356 لسنة 2019 – أمن دولة عليا)، ولا القضية الثالثة رقم 1781 لسنة 2019 التي أُدرج على إثرها على قوائم الإرهاب، بحسب ما أكده بيان المبادرة.
استهداف قانوني مستمر

وأوضحت المبادرة المصرية أن القرار لا يستند إلى أية أدلة، ويؤكد استمرار السلطات في التنكيل بالمدافعين عن حقوق الإنسان فقط بسبب نشاطهم السلمي والقانوني في المجال الحقوقي، استنادًا إلى القانون المعيب رقم 8 لسنة 2015 بتنظيم قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين، ضمن طائفة من القوانين “سيئة السمعة” التي صدرت على مدى الأعوام العشرة الماضية بهدف تعطيل الحماية الدستورية للحق في حرية التعبير والتنظيم والتجمع.
لم يلبث محمد الباقر أن بدأ يتحسس خطاه نحو بداية جديدة لحياة عملية وأسرية، يمكنه من خلالها تعويض ما فاته من سنين قضاها خلف أسوار السجن، حتى صدمه قرار جديد بمد إدراجه على قوائم الإرهاب لمدة 5 سنوات أخرى، في آخر يوم قبل سقوط المدة الأولى.
وكان قد ألقي القبض عليه في 29 سبتمبر 2019 من مقر أمن الدولة العليا، أثناء حضوره للدفاع عن المدون علاء عبد الفتاح، ليتحول من محامي دفاع إلى متهم في نفس القضية رقم 1356 لسنة 2019، حيث واجه تهم الانتماء إلى جماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة من شأنها زعزعة الأمن القومي، واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي لارتكاب جرائم نشر وتمويل جماعة إرهابية.
بل وفي استمرار للتنكيل به، تم التحقيق مع الباقر في أغسطس 2020 -أثناء وجوده بالسجن- في قضية رابعة هي القضية 855 لسنة 2020 حصر أمن دولة عليا، وصدر قرار بإخلاء سبيله بشأنها مع قرار رئيس الجمهورية بالعفو عنه قبل عامين.
حياة طبيعية مع إيقاف التنفيذ
يتساءل الباقر: “على أي أساس تم تجديد إدراج اسمي في تلك القوائم بالرغم من حصولي على عفو رئاسي؟ وإزاي رغم العفو الرئاسي معرفش!”.
ويضيف في منشور كتبه عبر صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي، معبرًا عن مدى غضبه وتأثير القرار على حياته المهنية والأسرية والاجتماعية: “فلا جواز سفر ولا سفر، ولا حساب بنكي، ولا شهر عقاري، ولا بيع ولا شراء، وصعوبات تجديد الرخص إلخ.. حياة طبيعية مع إيقاف التنفيذ”.
وكان الباقر أسس “مركز عدالة للحقوق والحريات” عام 2014 للعمل على العدالة الجنائية والتعليم وحماية وتعزيز حقوق الطلاب واللاجئين والمهاجرين.

محاولات قانونية ومخاوف أممية
وفق المبادرة، فإن محكمة الجنايات (الدائرة 28 جنوب القاهرة) برئاسة المستشار حسن فريد، أصدرت في 19 نوفمبر 2020 قرارًا بإدراج الباقر على قوائم الإرهابيين، ضمن 28 من النشطاء الحقوقيين والسياسيين، لمدة خمس سنوات، في الطلبين رقمي 1 و2 لسنة 2020، في شأن القضية رقم 1781 لسنة 2019 (حصر أمن الدولة العليا).
ومع انقضاء السنوات الخمس، تقدم الباقر في يوم 23 نوفمبر الجاري بطلب للنائب العام لرفع الآثار المترتبة على الإدراج، تم قيده برقم 1445900 لسنة 2025 (فحص مكتب فني)، ثم تمت إحالته لمكتب الكيانات الإرهابية برقم 1126 لسنة 2025 بدفتر عرائض الإرهاب.
وبحسب المبادرة، يرتب الإدراج على قوائم الإرهابيين -والذي تصدره المحكمة دون منح الشخص المطلوب إدراجه الحق في المثول أمام المحكمة لتقديم دفاعه أو الرد على طلب النائب العام، بل دون إخطاره أو علمه- عددًا من الآثار القانونية المقيدة لطائفة من الحقوق الدستورية.
ويترتب على الإدراج: المنع من السفر، وسحب جواز السفر أو إلغاؤه ومنع إصدار جواز جديد، وفقدان شرط حسن السمعة والسيرة اللازم لتولي الوظائف والمناصب العامة أو النيابية، وتجميد الأموال والأصول المملوكة للشخص، وحظر ممارسته أنشطة أهلية، وحتى وقف عضويته في النقابات والشركات والأندية والاتحادات الرياضية؛ ما يعني منع الباقر من ممارسة مهنة المحاماة طوال فترة الإدراج.
وأشارت المبادرة في بيانها إلى أن الأمين العام للأمم المتحدة قد أدرج في تقريره السنوي الصادر عام 2024 بشأن الأعمال الانتقامية بحق المدافعين عن حقوق الإنسان -والذي قدمه للجمعية العامة للأمم المتحدة- قضية “محمد الباقر، المحامي الحقوقي من مركز عدالة للحقوق والحريات”، مشيرًا إلى أنه رغم الإفراج عنه بعفو رئاسي “لا يزال اسمه مدرجًا على قائمة الإرهاب (القضية رقم 1781/2019)، مما يُعرّضه لخطر حظر السفر ووضعه على قوائم انتظار الوصول، واحتمال سحب جواز سفره أو إلغائه دون إمكانية الحصول على جواز سفر جديد، وتجميد أمواله”.
وفي يوم 23 نوفمبر 2024، كانت الدائرة الثانية “جنائي بدر” بمحكمة جنايات القاهرة قد أصدرت قرارًا بخصوص القضية 620 سنة 2018، بإنهاء إدراج 716 اسمًا من قوائم الإرهابيين من أصل 1524 شخصًا مدرجين على القضية ذاتها، ولم يكن اسم محمد الباقر من بينهم. وقد صدر القرار برئاسة المستشار وجدي عبد المنعم، بناء على طلب النائب العام المستشار محمد شوقي.
وبحسب بيان أصدرته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإن المحكمة استندت في قرارها إلى آخر محضر تحريات تكميلية أجراها قطاع الأمن الوطني في 14 أكتوبر 2024 بشأن القضية.
نجاد البرعي: مفارقة العفو والاتهام
ويؤكد المحامي الحقوقي نجاد البرعي، لـ فَكّر تاني، أن السلطة القضائية أصبحت تتعامل بأريحية شديدة مع تعبيرات كانت في السابق تثير القلق.

وعما يحدث في مرفق العدالة، قال البرعي إن إدراج شخص على قوائم الإرهاب للمرة الثانية يعني أنه يشكل خطورة كبيرة على الأمن القومي، وأنه على صلة بجماعات إرهابية، متسائلًا: “إذا كانت أجهزة الدولة تعلم أن محمد الباقر بهذه الخطورة، فلماذا منحه رئيس الجمهورية عفوًا رئاسيًا؟”.
ويضيف: “هناك احتمالان: إما أن الرئيس لم تكن لديه المعلومات الكافية، أو أن هناك جهات تقوم بتلفيق التهم ضد الباقر”.
ويوضح البرعي، في حديثه، أنه عندما يُدرج شخص على قوائم الإرهاب بهذا الشكل، فذلك يعني أنه شخص “خطير جدًا”؛ وبالتالي يجب على النيابة العامة، التي طلبت إدراجه بناءً على تحريات من أجهزة أمنية، أن تفتح تحقيقًا حقيقيًا وتوضح أسباب هذا الإدراج للرأي العام، مؤكدًا أن السبب المحدد وراء هذا القرار لا يزال غير معلن.
ويقول: “القضية لا تقتصر على محمد الباقر وحده، فهناك حالات أخرى مثل الناشط هيثم محمدين الممنوع من السفر في قضية أخرى”.
وفي رأيه، يشير البرعي إلى أن الحكومة، رغم كل تصريحاتها، تنظر بريبة للعاملين في مجال حقوق الإنسان وتعتبرهم خطرًا عليها لسبب غير معلوم، مضيفًا: “الوحيد الذي يمكن أن يعتبرهم خطرًا هو من ينتهك حقوق الإنسان، ومن المفترض أن تعتبر الحكومة هؤلاء النشطاء حلفاء لها لأنهم يكشفون جرائم يرتكبها موظفون يسيئون لسمعة البلد”.
ضريبة كشف الانتهاكات
ويعتبر البرعي التعامل بهذه القسوة مع المنظمات الحقوقية والنشطاء هو أمر صعب جدًا، ولا يجد تفسيرًا له إلا أن الحكومة المصرية لا تزال تعتبر أن من يعمل في مجال حقوق الإنسان يمثل خطرًا عليها لأنهم يكشفون الانتهاكات التي تحدث، واصفًا ذلك بـ”أغرب تهمة يمكن أن توجه لأحد”.
ويختتم حديثه قائلًا: “إذا كان إدراج محمد الباقر ومنع حقوقيين آخرين مثل جمال عيد وكريم عنارة من السفر هو بسبب كشفهم للانتهاكات، فهذا شرف لا ندعيه وتهمة لا ننكرها. نعم، نحن نكشف الانتهاكات. إنه لأمر بائس أن يدفع إنسان ثمن تهمة مُختلقة تعطل حياته بالكامل، ولكن الحمد لله أنه خارج السجن، فهذه نعمة في حد ذاتها”.
