من جحيم الحرب إلى فخّ الأمان: رحلة اللاجئات من السودان إلى مصر

لم تكن “غاية” – الشابة السودانية العشرينية – تتخيل أن عبور الحدود إلى مصر سيكون بهذه المشقة، حيث استغرقت رحلتها يومًا كاملًا في الطريق، وحيدةً وسط الصحراء، محاطة برجالٍ لا تعرفهم ولا تثق في نواياهم.

على الحدود، واجهت الشابة العشرينية تحرشًا لفظيًا من بعض المهربين الذين ظنّوا أنها قد تقايض الأمان بمقابلٍ جنسي. تقول غاية: “في النهاية تُركت دون أذى لكني شعرت بعدم الأمان حتى وصلت إلى أسوان حيث وجدت الوضع أكثر اطمئنانًا وراحة”.

من أسوان إلى القاهرة، تقول “غاية” بابتسامة متعبة: “كنت أعتقد أن الجزء الأصعب هو الرحلة نفسها.. لكن القاهرة كانت امتحانًا آخر”.

في رحلة الهروب من نيران الحرب في السودان، كانت النساء يحملن ما استطعن من حقائب صغيرة وذكريات ثقيلة، ويبدأن رحلة الهروب التي كثيرًا ما تحولت من فرار من الموت إلى مواجهة مع الاستغلال.

من الحدود السودانية حتى الجنوب المصري، تكررت القصص ذاتها: ابتزاز على الطريق، تحرش من المهربين، أسعار خيالية للمواصلات والسكن، ونظرات لا ترحم في المدن التي لجأن إليها بحثًا عن الأمان.

في هذا التقرير، نرصد رحلة عددٍ من اللاجئات اللاتي فررن من جحيم الحرب بحثًا عن الأمان، لكنّ طريق النجاة كان محفوفًا بالمخاطر. فبين الحدود والمعابر، وبين أيدي المهربين والمجهولين، لم تسلم كثيرات منهنّ من أشكالٍ مختلفة من الاستغلال والابتزاز، لتتحوّل رحلة الهروب من الموت إلى سلسلةٍ جديدة من الانتهاكات.

استغلال لنيران الحرب في قلب العاصمة

في العاصمة، بدأت رحلة غاية في البحث عن سكن. استعانت بمجموعات على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” ووجدت مصريات رحبن بإقامتها معهن، لكنها لم تشعر بالراحة في ذلك البيت. ثم واجهت سماسرة يطلبون مبالغ تفوق الإيجار الحقيقي بأضعاف. وعندما وجدت أخيرًا شقة مناسبة، رفض المالك تأجيرها لها لمجرد أنها “سودانية”.

اضطرت “غاية” للانتقال إلى سكن مشترك آخر، لكن مالكة الشقة كانت ترفع الإيجار كل شهر بلا مبرر وكان الرد دائمًا: “يا تدفعوا يا تمشوا”. وعندما اكتشفت أنها تُستغل بسبب غياب أوراق الإقامة الرسمية، قررت الرحيل. تقول: “كثير من السودانيين مضطرون للسكوت.. لأننا بلا أوراق، نخاف من الشكوى، فنُستغل”.

الأمان مقابل الاستغلال

في هذا السياق، رأى حليم حنش، المحامي الحقوقي والاستشاري في منصة اللاجئين، أن اللاجئين في مصر يواجهون سلسلة من المشكلات المتفاقمة، في مقدمتها ندرة السكن، إذ يخشى كثير من الملاك تأجير وحداتهم لهم بسبب التعقيدات القانونية المرتبطة بالإجراءات الرسمية.

وأضاف أن ارتفاع الأسعار والضمان المالي يمثلان عقبة أخرى، مشيرًا إلى أن بعض أصحاب الشقق يستغلون أوضاع اللاجئين ويرفعون الأسعار بشكل مبالغ فيه، لتصل في بعض المناطق إلى 10 أو 12 ألف جنيه شهريًا، رغم سوء ظروف السكن، إذ تضطر أكثر من أسرة في كثير من الأحيان إلى مشاركة شقة واحدة بسبب الغلاء والاستغلال.

وطالب حنش الدولة بالتدخل العاجل لحماية اللاجئين وإنقاذهم من أشكال الاستغلال التي يتعرضون لها يوميًا، مؤكدًا أن المسؤولية لا تقع على المواطنين، بل على الملاك الذين يستغلون حاجة اللاجئين للسكن، مضيفًا: “ملاك الوحدات السكنية هم المسؤولون عن الاستغلال الذي يتعرض له اللاجئون، ولو الدولة تدخلت، ستنتهي كل هذه الأزمات”.

تجربة غاية خلال رحلتها لم تختلف كثيرًا عما تعرضت له “س-م” – الثلاثينية، وأم لثلاثة أطفال – والتي لم تكن تتخيل أن طريق النجاة من الحرب سيكون طريقًا آخر نحو الخوف.

تجلس اليوم في غرفة صغيرة داخل أحد الأحياء الشعبية بالقاهرة، وتستعيد بصوتٍ خافت رحلتها من السودان، وتقول: “كان قرار الرحيل هو الأصعب في حياتي. تركنا بيوتنا وكل ما نملك، حملت أطفالي وخرجت من تحت القصف والتهديد. قلنا نمشي لمكان آمن… بس ما كنا نعرف إن الطريق نفسُه هيبقى حرب”.

تتذكر “س-م” رحلتها ومعها عائلتها وسط الصحراء، وتقول: “قعدنا تلاتة أيام في الخلاء، بنستخبى من الشرطة، وبنحاول نحمي عيالنا. كنا بنتعامل كأننا مش بشر… كأن الرحمة خلصت من الدنيا”.

كانت تشرب ماءً ممزوجًا بالجاز، فقط لتبقى على قيد الحياة. “ما كان في مية نظيفة. كنا بنشربها عشان نروي العطش، حتى لو طعمها نار” – تقول “س-م”.

حين اقتربت الرحلة من أسوان، توقفت السيارة فجأة، فإذا بالسائق المصري الذي كان يقلّهم ينظر إليهم بحدة ويقول مهددًا: “اللي معاها دهب وفلوس، تطلعه دلوقتي وإلا هسلمكم للشرطة”. تتابع: “زوجي حاول يكلمه بهدوء، لكن رفع عليه ساطور. خفنا على أولادنا واضطرينا نديله اللي معانا”.

وصلت الأسرة إلى أسوان منهكة، تبحث عن مأوى ولو لليلة واحدة. لكنّ السمسار الذي لجأوا إليه قال بلا تردد: “الليلة بسبعة آلاف جنيه”. تقول “س-م”: “ظننا أننا هربنا من الحرب إلى الأمان، لكن حتى المبيت ليلة واحدة بقى حلم”.

في اليوم التالي، قررت العائلة مواصلة رحلتها حتى وصلت إلى القاهرة، حيث ظنت العائلة أن التعب قد انتهى، لكن كان للاستغلال رأي آخر. تقول “س-م”: “استأجرت أول شقة بـ9 آلاف جنيه، وبعد أيام قليلة جاء المالك يطالب بزيادة الإيجار إلى 12 ألف. قال لنا يا تدفعوا يا تخرجوا”.

المفوضية أمل اللاجئين الزائل

في محاولةٍ من “س-م” للبحث عن أي دعم يخفف من وطأة الظروف التي فُرضت عليها منذ لحظة وصولها إلى القاهرة، لجأت إلى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أملاً في الحصول على المساعدة أو الحماية القانونية، لكنها لم تتلقَّ أي استجابة – بحسب “س-م”.

في ظل أزمة تمويل غير مسبوقة، أعلنت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تعليق جميع أشكال العلاج الطبي المقدّم للاجئين في مصر، باستثناء الحالات الطارئة المنقذة للحياة، وذلك بسبب نقص الموارد المالية وعدم اليقين بشأن مساهمات المانحين.

هذا القرار ترك نحو 20 ألف مريض لاجئ في مواجهة مصيرٍ غامض، من بينهم مصابون بالسرطان وأمراض القلب والمصابون بأمراض مزمنة كالسُّكّري وارتفاع ضغط الدم، الذين باتت حياتهم مهددة مع توقف الدعم الطبي.

ويُعد اللاجئون السودانيون من بين الفئات الأكثر تضررًا من هذا القرار، إذ لجأ إلى مصر أكثر من 1.5 مليون سوداني منذ اندلاع النزاع المسلح بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، وهو أكبر عدد تستقبله دولة واحدة في المنطقة. من بين هؤلاء، نحو 670 ألفًا مسجّلون رسميًا لدى المفوضية، بينما يعيش الباقون بلا دعم أو غطاء قانوني واضح.

وفي مواجهة العجز المالي المتزايد، تركز المفوضية السامية لشؤون اللاجئين جهودها المحدودة حاليًا على الأنشطة المنقذة للحياة ودعم الفئات الأكثر ضعفًا، مثل الأطفال غير المصحوبين بذويهم، والناجين من العنف الجنسي والتعذيب. غير أن هذه البرامج نفسها أصبحت مهددة بالتوقف في حال عدم تأمين تمويل عاجل، ما يعني أن آلاف اللاجئين قد يُتركون دون حماية أو دعم أساسي في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب البدائل المحلية.

كيف ساهم ضعف الوعي والإعلام في الأزمة؟

يرى الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع، أن هناك ممارسات إيجابية تساعد اللاجئات السودانيات على التكيف مع الحياة في مصر، أبرزها شبكات الدعم المجتمعية وبعض الجمعيات الأهلية التي توفر خدمات أساسية مثل المساعدة في السكن والتعليم والدعم النفسي.

لكنه يشير في المقابل إلى عوائق حقيقية تحدّ من اندماج اللاجئات، منها الخطاب الإعلامي السلبي أحيانًا تجاه اللاجئين، والمنافسة المتزايدة على فرص السكن والعمل، إلى جانب ضعف الوعي المجتمعي بحقوق اللاجئين سواء لدى أصحاب العمل أو الملاك أو حتى بعض المؤسسات الرسمية.

ويصف صادق العلاقة بين النساء السودانيات والمصريات بأنها “مزيج من التعاون والتوتر”، موضحًا أن هناك أحياءً تشهد تضامنًا وتبادلًا للخدمات اليومية، بينما تعاني أحياء أخرى من عزلة وصدامات اجتماعية بسبب التنافس على الموارد المحدودة.

ويتوقع الخبير الاجتماعي أن استمرار الحرب في السودان سيؤدي إلى مزيد من الضغط على الخدمات الأساسية في مصر، وربما يدفع العديد من الأسر السودانية إلى الانتقال إلى مناطق سكنية أقل أمانًا وأكثر هشاشة.

في الخاتمة قدّم صادق مجموعة من التوصيات لتحسين أوضاع اللاجئات، من بينها: “توفير برامج تدريب مهني وتصاريح عمل رسمية للاجئين. دعم المشروعات الصغيرة مثل المطابخ المجتمعية التي تتيح للنساء فرص دخل آمنة. تنظيم سوق الإيجارات ومنع الطرد التعسفي للاجئين من مساكنهم. ضمان الوصول إلى التعليم، والرعاية الصحية، والدعم النفسي. إطلاق حملات توعية مجتمعية لتعزيز التفاهم والتقارب بين المصريين والسودانيين”.

قانون اللاجئين يزيد الأعباء

وسط الأزمات التي يعاني منها اللاجئون/ اللاجئات الفارون/ الفارات من ويلات الحرب، أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قانونًا جديدًا لتنظيم شؤون اللاجئين وطالبي اللجوء في 11 ديسمبر 2024، يقضي بإنشاء لجنة وطنية تتبع مجلس الوزراء لتتولى المهام التي اضطلعت بها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر منذ خمسينيات القرن الماضي بموجب تفويضٍ رسمي من الحكومة المصرية. وتشمل مهام اللجنة الجديدة تسجيل طالبي اللجوء، والبتّ في طلباتهم، وتحديد سبل الحماية المناسبة لهم.

وفي الوقت الذي يمنح القانون حقوقًا أساسية، مثل استخراج وثائق السفر، وحق العمل والتعليم والرعاية الصحية، بل وإمكانية الحصول على الجنسية المصرية، فإنه في المقابل ربط التمتع بهذه الحقوق باعتبارات “الأمن القومي والنظام العام”، دون توضيح معايير تلك الاعتبارات أو حدودها القانونية.

كما ألزم القانون طالب اللجوء بتسليم نفسه إلى الشرطة فور دخوله البلاد، وحرّم تقديم أي مساعدات إنسانية أو مأوى له دون إخطار قسم الشرطة المختص، محددًا عقوبة السجن والغرامة التي تصل إلى 100 ألف جنيه مصري (نحو ألفي دولار أمريكي) لكل من يخالف ذلك.

وبررت الحكومة المصرية إصدار القانون بما وصفته بتزايد موجات النزوح الإقليمي وارتفاع أعداد اللاجئين المسجلين لدى مكتب المفوضية في القاهرة، مشيرة إلى أن مصر احتلت المرتبة الثالثة عالميًا في استقبال طلبات اللجوء الجديدة خلال عام 2023. وأكدت أن الهدف من القانون هو وضع إطار وطني ينظم حقوق اللاجئين والتزاماتهم بما يتسق مع الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها مصر، وضمان وصول الدعم للمستحقين بالتعاون مع الجهات الدولية المعنية.

في السياق، حذرت منصة اللاجئين والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، من التداعيات الجسيمة المحتملة حال تطبيق قانون اللجوء الجديد رقم 164 لسنة 2024، خاصة مع غياب أي نصوص تتناول مرحلة الانتقال من النظام القانوني القائم إلى النظام الجديد. فنصوص القانون في شكلها الحالي تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات موسعة في ترحيل اللاجئين، وتقلل من مركزية مبدأ عدم الإعادة القسرية، وتكرّس بيئة قانونية وإدارية تجعل الوصول إلى الحماية والإقامة أمرًا بالغ الصعوبة، ما قد يفاقم من الأوضاع والأنماط المرصودة في السنتين الماضيتين، اللتين ظهر فيهما تحول غير مسبوق في سياسات الدولة تجاه اللاجئين والمهاجرين بشكل عام.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة