على أنقاض الجوع، ومن قلب قرية نائية في صعيد مصر، انطلق فتى -لم يتجاوز الرابعة عشرة- نحو المجهول، تاركًا خلفه حرمانًا ووباءً، متجهًا إلى أرض القاهرة التي ظنها جنة، ليجد نفسه لاحقًا في قلب جحيم “العلمين” حيث الموت رفيقًا دائمًا، وإن أبت الروح طعم الانكسار.
حرمان ووباء
انقسم المصريون في أوائل القرن الماضي إلى قسمين، إقطاعيين وفلاحين يعملون في أراضيهم، وكان معظم أهالي جنوب مصر يعملون ليلًا ونهارًا من أجل كسرة خبز وقطعة صغيرة من الجبن، ليس لديهم حق في التعليم أو العلاج، وفي عام 1928 ولد “كامل” في قرية كوم العرب، 450 كيلومترًا جنوب القاهرة، وكان أبوه شيخ الغفر لعمدة القرية.
“سجله باسم: كامل محمد عبد الكريم”؛ قالها شيخ الغفر لموظف السجلات، عندما أمسك بيد ولده الذي تخطى الرابعة من عمره وذهب به إلى مكتب السجل المدني للحصول على شهادة ميلاده، بعد أن مات له أكثر من طفل من قبل بفعل الحصبة الألمانية التي كانت تفتك بأطفال الصعيد ممن افتقروا إلى أقل مقومات العلاج، وتركوا للموت. لم يكن الأهالي يسجلون أولادهم في نفس عام الميلاد تحسبًا لاحتمالية فقدانهم في “الوبا”.
تمرد مبكر
رغم أن ظروف والده “شيخ الغفر” المعيشية أفضل من باقي أهل القرية، قرر “كامل” تمردًا على طريقته الخاصة. فتى لمعت في عينيه نبرة رفض هذا السجن الكبير بين مطرقة الفقر وسندان الجوع والفيضانات التي كانت تبتلع قريته سنويًا، فاتخذ قرار المغامرة أول ما اشتد عوده قليلًا ببلوغ الرابعة عشرة.
ربما كانت مغامرة غير محسوبة العواقب، لكنها حدثت. ركب القطار المتجه نحو الأرض التي كان يظنها الجنة، ونام وهو يحلم بما ينتظره في المحروسة.
يقول الحاج كامل البالغ من العمر سبعة وتسعين عامًا في حواره مع فكّر تاني: “صحيت في يوم الصبح بدري وقررت أركب القطر وأروح المحروسة بأي شكل”، كان لا يملك مبلغًا كبيرًا، بالكاد يكفي تذكرة القطار: “30 قرض حوشتهم بالعافية، قلت لأبويا أنا رايح مصر، أمي كانت ماتت من زمان، لو كانت عايشة مكنتش مشيت”.
أرض الأحلام
“وصلت القاهرة بعد 8 ساعات قضيتهم وأنا بحلم بأنوار الكهرباء، وكنت عايز اسمع الاختراع الجديد “الراديو” كنا سمعنا عنه في البلد بس لسه ماشفناهوش”، كانت وسائل التسلية في ذاك الوقت تتمثل في الحكواتية والمغنواتيه الذين كانوا يطوفون المقاهي لرواية السيرة الهلالية أو سيرة عنترة بن شداد وغيرها.
“بدأت أدور على شغل، دلوني الناس على مكان اسمه “البيكت” اللي بقى دلوقتي ميدان التحرير، لكن وصلت هناك واكتشفت إن المنطقة دي تابعة للاحتلال البريطاني، فسألت هناك عن شغل، فعاملني عسكري إنجليزي بلطف وأشفق على صغر سني ووافق على عملي معاهم في السرية “مساعد لنقل الطلبات”.
وكان يعمل مع عدة جنسيات منها الإيطالية والأمريكية، ويقول الحاج كامل: “الإنجليز كانوا بيتعمدوا إهانة الأمريكان، كانوا بيضربوهم ويشتموهم على أهون الأسباب”، حيث كان يعمل بعضهم عمال نظافة أو خدم، أما الإيطاليون فكانوا يعملون في المطابخ وإعداد الطعام في الغالب: “لكن وقتها مكنتش فاهم السبب، كان سني صغير”
أرض الجحيم
يستكمل الحاج كامل كلامه بعدما حدق في الفراغ لدقائق، كأنه يستجمع فيها تفاصيل حدثت في زمن بعيد: “نقلوا سرية الإنجليز لمدن القنال، وبعدين للعلمين، ‘أرض الجحيم والنار‘ مكنتش أعرف ايه مستنيني فيها، كنت بشوف كشافات الطيران الألماني بتنور الأرض كلها وكنت أجري بكل قوتي استختبر في قرية كانت قريبة من المعكسر” حيث أنهم كانوا يقصفون معسكرات الإنجليز فقط دون القرى التي يسكنها المدنيين.

“كنا كمصريين ننام بالليل في القرى سالمين، ونلعب مع الحياة لعبة النجاة من قصف الألمان، والأرض كانت تتهز تحت رجولنا”.
اعتدل في جلسته بصعوبة نظرًا لما فعله الزمن بمفاصل جسده وعظامه التي أصبحت تشكو وتئن مع كل حركة ثم قال: “لكن.. السبب الذي دفعني وغيري من المصريين للعمل الخطر هو: الجوع، الوحش اللي كان بيلتهم الروح بلا رحمة، كان الإنجليز أغنيا وأياديهم سخية، كنا نلاقي في مخلفاتهم معلبات وعيش وكانوا بيدونا فلوس كتيرة”.
مصريون في فوهة الحرب
“الإنجليز كانوا بيتعاملوا مع المصريين بإحترام وحب على عكس معاملتهم للجنسيات الأخرى، الألمان والأمريكان، جم لمصر أسرى حرب مُسخرين لخدمتهم كعبيد، وأنا تحديدا كنت مميز عندهم لصغر سني وغربتي عن أهلي، كنت وقتها 15 سنة بس”.
لكنه يؤكد، لو عاد به الزمن، ما كان يُعرض حياته للخطر، تحت أي ظروف: “أنا ربنا نجاني، شفت عمال مصريين كتير بيتقتلوا وتتمزق أجسامهم وتتطير في الهوا، بسبب قنابل الألمان”. لكن المجرم الحقيقي من وجهة نظر الحاج كامل، كانت في الملك وحاشيته.
“هم السبب إننا كمصريين نبيع أرواحنا بسبب جشعهم وسرقتهم لأراضينا ولقمتنا، غرقوا في ملذات الحياة وسابوا الإقطاعيين ينهبوا الشعب”، ففي ذاك الوقت، لم يكن الفلاحون وأهل الصعيد يمتلكون سوى الجلباب الذي يرتدونه حتى دون حذاء.
كوابيس وأحلام
انتهت الحرب العالمية الثانية بعد معركة العلمين عام 1942، “مفارقتش أحلامي.. كوابيس طول الوقت، أصوات الانفجارات ومشاهد الجثث، كنت لسه ابن 15”.
كبر الفتى الصغير وأصبح جنديًا في الجيش المصري: “حاربت في العدوان الثلاثي، وكانت حرب قوية طاحنة، شفت فيها ويلات يشيب لها الولدان، وفي يوم كنت سايق عربية مع ثلاثة من زملائي وقعت علينا قذيفة قسمت العربية نصين. طِرت في الهوا زي ريشة سقطت من جناح طائر”. سقط يومها على الرمال وهو يحاول أن يصدق، هل ما زال حيًا؟! نعم، وزملائه أيضًا.. أحياء يرزقون.
“لكن كنا جميعا بنعاني من كدمات شديدة. حياة كانت محفوفة بالمخاطر ويحاوطها الموت، كل يوم عشته في العلمين وقت الحرب العالمية التانية، وكل أيامي على الجبهة في بورسعيد، كنت بواجه الموت يوميا عشرات المرات، لكنه لم ينل مني رغم الرصاص والقصف ونيران المدافع، وانتصر الشعب المصري رغم كل الدمار الذي خلفته قوات العدوان، وبعدها قررت أن أبعد عن أي مرمى للنيران”.
يقول الحاج كامل، أن ما حدث في مدينة العلمين وقتذاك، ظل يطارده حتى رأى مؤخرًا على شاشات التليفزيون “مدينة العلمين الجديدة”، وكيف تحولت مدينة الموت والأشباح إلى منارة بديعة خالية من الألغام: “المدينة اللي عشت فيها قبل 80 سنة، مكنتش أتخيل تتحول التحول الكبير ده، حتى لو اجتمع سحرة فرعون لتحويلها إلى ما أصبحت عليه”.
حياة جديدة
اليوم.. يعيش الحاج كامل إلى قريته بكوم العرب، بعد أن زار وعاش في معظم مدن ومحافظات مصر بحثًا عن الرزق والمغامرة.
“رجعت أعيش الحياة اللي هربت منها، خلفت 10 عيال مات 2 والتمانية اللي فضلوا جابوا فوق الاربعين حفيد، بتمنى يحققوا اللي معرفناش نعمله، ويرجعوا مصر عالية، وكان حلمي أشوف هزيمة إسرائيل قبل ما أموت”.
