الجمعة, يناير 16, 2026
spot_img

العالم أمامنا والعولمة خلفنا (3)| التعاون العالمي: إنجاز التكنولوجيا في مقابل التشرذم الجيوسياسي

إن مدى فعالية التعاون العالمي في معالجة تغير المناخ والأزمات الصحية -كمجالات أساسية- أمرٌ معقد، إذ يُمثل ازدواجيةً بين الإنجازات التكنولوجية العميقة التي يعززها التعاون، في مقابل قيودٍ صارمةٍ يفرضها التشرذم الجيوسياسي والمصلحة الذاتية. وبينما تُظهر التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي والتقنيات الخضراء قدرة التعاون على ابتكار حلول، فإن التنفيذ الفعلي لسياسة عالمية منسقة لتخفيف المخاطر لا يزال مُقيّدًا بشدةٍ بتصاعد التوترات الدولية، وانتشار السياسات الانعزالية، والتفاوتات الاقتصادية المتجذرة.

التعاون العالمي في مواجهة تغير المناخ

إن معالجة تغير المناخ تتطلب مستويات غير مسبوقة من التعاون العالمي، نظرًا لأن التهديد تراكمي ويؤثر على جميع الدول. إن فعالية جهود التعاون الحالية قابلة للقياس من حيث الاستجابات المؤسسية والانتشار التكنولوجي السريع.

ينبع أحد أهم مجالات النجاح من التبني السريع لتقنيات الطاقة النظيفة وتوسيع نطاقها، مدفوعًا إلى حد كبير بسلاسل التوريد العالمية والابتكار التنافسي. على سبيل المثال، أحدثت الصين ثورة في التقنيات الخضراء مثل الألواح الشمسية والبطاريات والمركبات الكهربائية من خلال الدعم السخي والمنافسة، مما أدى إلى هيمنتها على إنتاجها العالمي. وقد أدت هذه الهيمنة إلى طرح تكنولوجيا أرخص في جميع أنحاء العالم، مما ساعد في جهود إزالة الكربون في إنتاج الكهرباء والنقل البري.

الأمر الحاسم هو أن التوجه العالمي نحو الطاقة المتجددة حفز ابتكارات كبرى في مجال تخزين الطاقة، الذي اعترفت به وكالة الطاقة الدولية باعتباره أسرع تكنولوجيا للطاقة نموًا.

يشهد تخزين الطاقة على نطاق الشبكة ازدهارًا كبيرًا لمعالجة الطبيعة المتقطعة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والتي يمكن أن تشكل الآن نصف أو أكثر من سعة التوليد في بعض الأسواق.

وتتم تلبية هذه الضرورة التكنولوجية من خلال القوى الاقتصادية العالمية، مثل الطاقة الفائضة الصينية في تصنيع البطاريات؛ مما أدى إلى انخفاض كبير في أسعار بطاريات الليثيوم، ودفع مصنعي البطاريات في آسيا إلى البحث عن مشترين جدد في سوق تخزين الشبكة. وبحلول عام 2025، من المتوقع أن يصبح الجمع بين توليد الطاقة الشمسية الكهروضوئية وتخزين البطاريات أرخص من الطاقة التي تعمل بالفحم في الصين ومحطات الطاقة الجديدة التي تعمل بالغاز في أمريكا.

علاوة على ذلك، يؤدي الابتكار الدولي إلى بدائل واعدة لبطاريات الليثيوم التقليدية، مثل أنظمة تخزين أيونات الصوديوم، والغاز المضغوط التي يتم تطويرها في أماكن مثل الصين وأمريكا وسويسرا وإيطاليا. وتسلط هذه الجهود الضوء على شكل قوي، وإن كان تنافسيًا، من أشكال المشاركة التكنولوجية العالمية الضرورية للتخفيف من آثار تغير المناخ.

من المؤشرات المهمة الأخرى لفعالية التعاون مسارات الانبعاثات العالمية. فقد ذكرت هيئة الأمم المتحدة المعنية برصد علوم المناخ أن الانبعاثات العالمية يجب أن تبلغ ذروتها بحلول عام 2025 للحفاظ على فرصة جيدة لتحقيق أهداف اتفاقية باريس للمناخ المتمثلة في الحد من ارتفاع درجات الحرارة إلى 1.5-2 درجة مئوية.

وفي حين أن الدول الغربية الغنية فصلت إلى حد كبير النمو الاقتصادي عن الانبعاثات وأبلغت عن أرقام متناقصة لعقود من الزمن، فإن مسار بعض الدول الكبرى مثل الصين أمر بالغ الأهمية.

أظهرت الصين، أكبر مصدر للانبعاثات في العالم (إذ تنتج 30% من إجمالي انبعاثات الكوكب)، علامات محتملة على بلوغ الحد من انبعاثاتها في عام 2023، وهو تغيير هائل من شأنه أن يغير المسار العالمي. ومع ذلك، فإن الاحتفال بهذا لا يمثل سوى البداية؛ إذ لا تزال هناك حاجة إلى المزيد من التخفيضات الصارمة وإزالة الكربون لتحقيق الاستقرار المناخي.

القيود المؤسسية والجيوسياسية

ورغم هذه النجاحات التكنولوجية ونجاحات الحد من الانبعاثات، فإن التعاون العالمي يواجه عوائق شديدة على المستويين المؤسسي والسياسي.

تشير التقارير إلى وجود نقص صارخ في القدرة المؤسسية التعاونية للتعامل مع التدخلات المناخية الناشئة مثل الهندسة الجيولوجية الشمسية (SG). يقترح بعض خبراء المناخ تبريد الكوكب عن طريق عكس ضوء الشمس إلى الفضاء، مما قد يوقف ارتفاع درجة الحرارة.

ومع ذلك، فإن هذا الأمر محفوف بالمخاطر الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية، بما في ذلك تغيير الدورة الهيدرولوجية وزيادة المخاطر المحتملة إذا تم اختيار مستويات التعديل فقط من قبل الدولة التي لديها أكبر رغبة في ذلك.

لم يتم تصميم اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) من أجل التعامل مع قضايا مثل الهندسة الجيولوجية الشمسية (SG)، ولم تظهر أي اهتمام بالتكيف مع المهمة. تُتيح اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير البيئي لأغراض عسكرية أو أي أغراض عدائية أخرى (ENMOD) نقطة انطلاق محتملة للنقاش، إذ يلتزم الموقعون عليها “بالتعاون الاقتصادي والعلمي الدولي في الحفاظ على البيئة وتحسينها واستخدامها السلمي”.

إن الحاجة إلى أن يبدأ الأمين العام للأمم المتحدة مناقشةً تسلط الضوء على الفشل الحالي للمنتديات العالمية القائمة في إدارة هذه التكنولوجيا الحيوية بشكل استباقي.

علاوة على ذلك، فإن المناخ الجيوسياسي العام، الذي يتسم بتصاعد التوترات الدولية وعودة السياسات الانعزالية، يقوض بشكل مباشر العمل المناخي العالمي الشامل. على سبيل المثال، تُعرف إدارة دونالد ترامب بازدراء التحالفات والسياسة الخارجية القائمة على المعاملات، وهي سياسات من شأنها أن تؤدي إلى تآكل مصداقية الالتزامات الأمريكية وتسريع الفوضى على مستوى العالم. سياسته في مجال الطاقة تعطي الأولوية للوقود الأحفوري وتهدد بعرقلة قانون خفض التضخم (أو الانبعاثات).

وعلى الرغم من الزخم الذي يحظى به الاستثمار في الطاقة النظيفة، فإن عدم اليقين السياسي هذا يقلل من إجمالي الاستثمار العالمي في التحول في مجال الطاقة.

إن الفشل في التعاون بشكل فعال يعني قبول العواقب الوخيمة، بما في ذلك عقود من ارتفاع درجات الحرارة، وموجات الحر القاتلة، والجفاف، وتلف المحاصيل، وزيادة الفيضانات، وانخفاض الإنتاجية الذي يضر بالاقتصادات النامية. من الصعب بالفعل جمع التمويل اللازم للتكيف مع تغير المناخ على المستوى المحلي والدولي في مناطق مثل أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

التعاون العالمي في معالجة الأزمات الصحية

إن التعاون العالمي عنصر حاسم في معالجة الأزمات الصحية، ويتجلى بشكل أكثر فعالية من خلال التعاون العلمي، لكنه يواجه عقبات كبيرة في تقديم الخدمات والاستعداد للأوبئة.

إن المجال الواعد لفعالية التعاون هو الابتكار في مجال الأدوية، والذي يتم تعزيزه بشكل متزايد من خلال التكنولوجيا، متجاوزًا الاختناقات التنموية التقليدية.

بدأ الذكاء الاصطناعي في تحقيق الوعد بجعل اكتشاف الأدوية أسرع وأقل تكلفة، مما يشكل تحديًا لقانون “إيروم” (الذي ينص على أن تكلفة تطوير دواء جديد تتضاعف كل تسع سنوات تقريبًا).

يعمل الذكاء الاصطناعي على تحسين فهم الأمراض من خلال تحليل مجموعات البيانات الضخمة، وتحديد الجزيئات الواعدة، ويمكنه حتى تصميم جزيئات جديدة تمامًا للاختبار. أفادت إحدى الشركات الناشئة باستخدام الذكاء الاصطناعي في تحديد هدف الدواء وتصميم جزيء مناسب للتجارب البشرية في 18 شهرًا فقط وبتكلفة 2.7 مليون دولار، وهو جزء بسيط من الوقت والتكلفة النموذجية.

في عام 2025، من المتوقع أن يُسرّع الذكاء الاصطناعي من وتيرة الإنجازات، مع توقع نتائج التجارب السريرية للمرحلة الثانية لأكثر من نصف دزينة من الأدوية المستوحاة من الذكاء الاصطناعي، ومن المرجح أن تنخفض تكلفة المراحل التالية باهظة الثمن.

وعلى نحو مماثل، تعتمد الاختراقات في مجال لقاحات السرطان على التقدم العلمي والتكنولوجي التعاوني. فباستخدام التقنيات والطب الشخصي، يمكن تصميم اللقاحات لتلائم الطفرات المحددة للمريض من خلال الاستفادة من الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالعلامات الجزيئية الأكثر احتمالًا لتحفيز الجهاز المناعي. يمكن إنجاز هذه العملية المعقدة لتصنيع اللقاح، في غضون ستة أسابيع.

إن هذا التقدم العلمي هو بمثابة اعتراف بجهود عقود من الزمن، ويُظهر أن التعاون العلمي الدولي والتبادل التكنولوجي عاملان قويان في مكافحة الأمراض الخطيرة.

القيود المفروضة على الصحة الشاملة

ورغم هذه التطورات الطبية، فإن التعاون العالمي يفشل في مجال تقديم الرعاية الصحية بشكل عادل والاستعداد القوي للأوبئة.

إن أهداف الرعاية الصحية الشاملة التي حددتها الهيئات الدولية لا يتم تحقيقها. على سبيل المثال، لن يتحقق هدف منظمة الصحة العالمية المتمثل في توسيع نطاق الرعاية الصحية الشاملة ليشمل مليار شخص إضافي على مستوى العالم. من المتوقع أن تفشل دول مثل نيجيريا والهند في تحقيق أهداف الإنفاق الخاصة بها أو تواجه خططًا متعثرة للأنظمة الشاملة.

تتعرض أنظمة الرعاية الصحية على مستوى العالم لضغوط هائلة بسبب شيخوخة السكان ونقص الموظفين. ففي حين أن الإنفاق الصحي الإلزامي آخذ في الارتفاع، فإن الإنفاق العالمي الإجمالي (بنسبة 10% تقريبًا من الناتج المحلي الإجمالي) انخفض عن مستوياته المرتفعة خلال الجائحة، مما يشير إلى عدم كفاية تعبئة الموارد. علاوة على ذلك، فإن العلاجات المتقدمة، مثل أدوية السمنة والسرطان الجديدة، باهظة الثمن، مما يشكل تحديًا كبيرًا لإمكانية الوصول إليها عالميًا.

لعلّ أخطر إخفاق في التعاون يتعلق بالاستعداد للأوبئة. تشير التوقعات العلمية إلى أن الفترة الفاصلة بين الأوبئة الكبرى من غير المرجح أن تكون طويلة، مما يجعل الاستعداد أمرًا ملحًا.

لقد قامت منظمة الصحة العالمية بالفعل بتحديث قائمتها لمسببات الأمراض ذات الأولوية، مسلطة الضوء على فيروسات الإنفلونزا كمرشح محتمل للوباء العالمي القادم. إن القلق بشأن الأمراض المعدية يدفع الحكومات إلى الضغط من أجل توقيع معاهدة الأوبئة التي تأخرت أكثر مما ينبغي.

تشير المؤشرات إلى أن العالم لا يزال غير مستعد بشكل مؤسف للاضطرابات الناجمة عن الأحداث الطبيعية مثل الانفجارات البركانية، وأن احتمال حدوث جائحة عالمية أخرى مرتفع. إن الإرادة السياسية المطلوبة لإبرام الاتفاقيات الصحية الدولية الملزمة وتقاسم الموارد غالبا ما تتخلف عن تلبية الضرورة العلمية المباشرة.

باختصار، تعتمد فعالية التعاون العالمي في معالجة تغير المناخ والأزمات الصحية بشكل كبير على المجال المعني. ففي المجالات التي تعتمد على الابتكار العلمي والتكنولوجي -مثل اكتشاف الأدوية باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتطوير اللقاحات، وتوسيع نطاق تقنيات الطاقة الخضراء منخفضة التكلفة- يكون التعاون قويًا وفعالًا للغاية، مما يؤدي إلى تقدم ملموس يُسهم في معالجة التحديات العالمية الحرجة.

ومع ذلك، تشير التقارير إلى أن مدى التعاون العالمي الفعال في تنفيذ السياسات المنسقة والحوكمة المؤسسية محدود للغاية. فالتوترات الجيوسياسية، التي تتجلى في عودة دونالد ترامب ونهجه القائم على المعاملات في التحالفات، تقوض البيئة التعاونية اللازمة لاستدامة سياسات المناخ، والأمن الجماعي، والتجارة العالمية القابلة للتنبؤ.

تواجه الأطر المؤسسية صعوبة في التكيف مع التهديدات الجديدة، سواء فيما يتعلق بإدارة الهندسة الجيولوجية الشمسية أو تأمين الالتزامات المتعلقة بالرعاية الصحية الشاملة والاستعداد للأوبئة.

في جوهره، يعمل التعاون العالمي كمحرك علمي سريع، ينتج الأدوات اللازمة للبقاء (التكنولوجيا الخضراء، والطب المتقدم)، لكنه يفشل كدفة دبلوماسية موحدة، وغير قادر على توجيه العالم بعيدًا عن التفتت السياسي والاقتصادي الجماعي الذي يهدد بجعل تلك الأدوات غير متاحة أو غير كافية لحجم الأزمات.

قد يُنظر إلى الوضع الراهن للتعاون العالمي على أنه أشبه بناقلة نفط عملاقة مزودة بأنظمة ملاحية متطورة للغاية (تمثل حلولًا تكنولوجية كالذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء)، لكن يقودها طاقم منقسم يركز على النزاعات الداخلية والمكاسب قصيرة الأجل التي تحكمها الاعتبارات الجيوسياسية والمصلحة الوطنية الذاتية. قد تعرف الأنظمة التكنولوجية بدقة أين تتجه وكيف تتجنب الكارثة، لكن عجز الطاقم عن الاتفاق على المسار، أو حتى الثقة بالأنظمة، يعني أن السفينة لا تزال تسبح في بحرٍ خطير.

التعليقات

موضوعات ذات صلة