لويزا أندرسون.. الجراحة التي حاربت على جبهتين

قبل أيام قليلة، صادف يوم 15 نوفمبر ذكرى وفاة الجراحة والمناضلة الرائدة لويزا جاريت أندرسون عام 1943. ورغم مرور الذكرى، يظل هذا التاريخ محطة تستحق التوقف، لأنه يمثل تذكيرًا قويًا بروح الريادة النسائية التي غيرت مجرى التاريخ. 

هذه المرأة الاستثنائية، ابنة أول طبيبة في بريطانيا، لم تكتفِ باتباع خطى والدتها كطبيبة مؤهلة؛ بل خاطرت بسمعتها لتنضم إلى صفوف “السافراجيت”، مؤمنة بأن الطبيب يجب أن يكون فاعلًا في الشؤون العامة.

إنها قصة إصرار على تحقيق المساواة، في أروقة المستشفيات وأرض المعارك على حد سواء، حيث أسست أندرسون مستشفيات عسكرية نسائية بالكامل. وتستدعي ذكراها قصص نساء أخريات قمن بإنجازات غير عادية في ظروف غير مواتية، سواء كانت لويزا علانية أو دوروثي لورانس سرًا، مما يثبت أن إرثهن ما يزال حيًا وملهمًا لنا جميعًا حتى اليوم.

المناضلة لويزا أندرسون

في ظل ريادة والدتها

وُلدت لويزا جاريت أندرسون عام 1873، ونشأت في رعاية أسرة رائدة؛ فوالدتها هي إليزابيث جاريت أندرسون، أول طبيبة مؤهلة في بريطانيا، وهو ما غرس فيها روح التحدي. سارت لويزا على خطى والدتها، متسلحة بالإصرار لمواجهة الرفض المستمر لوجود النساء في مهنة الطب. التحقت بمدرسة لندن للطب للنساء، وأنهت مسيرتها الأكاديمية بنيل درجة دكتور في الطب عام 1900، ليكون هذا التأهيل المرموق بوابتها نحو مساهمات لا تُنسى في تاريخ الطب وحقوق المرأة.

الانخراط في النضال

لم تقتصر طموحات لويزا على النجاح المهني، فقد كانت ناشطة سياسية متحمسة، مؤمنة بأن الطبيب يجب أن يأخذ زمام المبادرة في الشؤون العامة. انضمت إلى “الاتحاد النسائي الاجتماعي والسياسي -WSPU”، واختارت أن تقدم دعمها من خلال العمل العلني. تجسد نضالها في مشاركتها بالمظاهرات، حتى وصل بها الأمر إلى ارتكاب فعل احتجاجي جريء؛ ففي عام 1912، حطمت نافذة تعبيرًا عن غضبها، وحُكم عليها بالسجن مع الأشغال الشاقة، وهي الحادثة التي سلطت الضوء على استعدادها للمخاطرة بكل شيء من أجل حقوق المرأة.

شراكة غيرت التاريخ

بسبب المواقف الرافضة لوجود النساء في المهنة، كان خيار لويزا المهني الوحيد هو العمل في مؤسسة نسائية. انضمت إلى “المستشفى الجديد للنساء”، الذي أسسته والدتها، وهناك بدأت شراكة مهنية محورية مع زميلتها الدكتورة فلورا موراي. قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، أسست الطبيبتان معًا “مستشفى النساء والأطفال”، لتوفير بيئة عمل داعمة للمرأة، وكانت هذه الشراكة أساسًا لمساهمتهما الأبرز في زمن الحرب.

رفض بريطاني.. وترحيب فرنسي

عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، أسست لويزا وفلورا “فيلق مستشفى النساء” (WHC)، وهو منظمة ذات طاقم نسائي بالكامل، وعرضتا خدماتهما على مكتب الحرب البريطاني، لكن طلبهما قوبل بالرفض الفوري لكونهما نساء. لم يكسر هذا الرفض عزيمتهما، بل حفزهما على تجاوز القيود. اتجهتا إلى الصليب الأحمر الفرنسي، الذي رحب بهما على الفور، معترفًا بالكفاءة التي تجاهلها البريطانيون.

الطبيبتان لويزا أندرسون وفلورا موراي

في غضون أسابيع، حولت لويزا وفلورا فندق “كلاريدج” الفاخر في باريس إلى مستشفى تديره النساء بالكامل. تحولت غرفة ملابس السيدات إلى غرفة عمليات، وأصبحت غرف النوم مستوصفات ومختبرات، ليثبت هذا التحويل السريع قدرة النساء على إدارة مؤسسة طبية معقدة بكفاءة عالية.

مواجهة أهوال الجبهة

في مستشفى كلاريدج، تولت لويزا منصب رئيسة الجراحين، وبدأ فريقها النسائي في علاج الجنود الجرحى القادمين مباشرة من الجبهة. كانت الإصابات التي واجهوها أكثر فظاعة مما يمكن تخيله، نتيجة للمزيج الفتاك من الجيوش الكبيرة والأسلحة الحديثة. ناضلت لويزا وفريقها ليلًا ونهارًا لإنقاذ الأرواح، واستمر هذا العمل الشاق رغم تهديد الجيش الألماني باقتحام باريس.

“إندل ستريت”.. اعتراف متأخر

بعد النجاح المذهل لمستشفياتهن في فرنسا، أُجبر مكتب الحرب البريطاني أخيرًا على الاعتراف بقدراتهن، وطُلب منهما العودة إلى إنجلترا لافتتاح مستشفى جديد. وفي مايو 1915، افتتحتا مستشفى “إندل ستريت” العسكري في لندن، ليكون إنجازًا تاريخيًا؛ المستشفى العسكري الوحيد في المملكة المتحدة الذي يُدار ويُشغَّل بالكامل من قبل النساء، ويخدم الجنود الذكور. شكّل هذا المستشفى اعترافًا رسميًا بدور الطبيبات، بعد أشهر قليلة فقط من رفضهن بسبب جنسهن.

تحت إدارة لويزا كرئيسة للجراحين، قدم مستشفى “إندل ستريت” العلاج لأكثر من 26,000 مريض. لم يكن عملها بارزًا من الناحية الطبية فحسب، بل لعب دورًا حيويًا في إزالة وصمة العار التي لحقت بسنوات النضال من أجل حق الاقتراع، ووضع الطبيبات على قدم المساواة مع زملائهن الذكور في نظر المؤسسة الطبية والعسكرية.

جندية سرية على الجبهة

في الوقت الذي كانت فيه لويزا تناضل علانية كطبيبة، كانت شابة إنجليزية أخرى تُدعى دوروثي لورانس تخوض نضالًا سريًا. كانت دوروثي يتيمة فقيرة تتوق لتكون أول مراسلة حربية، فقررت المجازفة للوصول إلى الجبهة. استعارت زيًا عسكريًا، وربطت صدرها، وقصت شعرها، وتجندت في الجيش متنكرة في زي جندي. عملت لمدة عشرة أيام تحفر الخنادق تحت نيران العدو، قبل أن تُصاب وتُكتشف هويتها، ليتم اعتقالها للاشتباه في كونها جاسوسة.

تمثل قصة دوروثي، جنبًا إلى جنب مع قصة لويزا، مثالًا على نساء حققن إنجازات استثنائية، لكن التاريخ نسيهن. كلتاهما، الجَرَّاحة الرائدة والجندية السرية، أشعلتا شرارة التغيير للمرأة اليوم، متحديتين التقاليد في وقت كان يُتوقع فيه من النساء البقاء في منازلهن.

إرث خالد

نتيجة لعملهما الريادي، مُنحت لويزا وفلورا وسام الإمبراطورية البريطانية عام 1917. وبعد وفاة شريكة حياتها الدكتورة فلورا موراي، عاشت لويزا سنواتها الأخيرة كناشطة في القضايا النسائية وقاضية صلح، مخلصة لإيمانها بأن على الطبيب التزامًا بالشؤون العامة. توفيت لويزا في 15 نوفمبر 1943، لكن إرثها كجَرَّاحة ومناضلة ومُصلِحة اجتماعية يظل خالدًا، كرمز للدور المحوري الذي لعبته في إعادة تشكيل مهنة الطب والموقف الاجتماعي تجاه المرأة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة