برلمان الأبناء ورجال المال.. ماذا ينتظر الطبقة المتوسطة في 2026؟

بعد إجراء المرحلة الأولى من انتخابات برلمان 2025، بدأت ملامح مجلس النواب القادم، في الظهور. وعكس مشهد الترشيح سيطرة رجال الأعمال وأبناء برلمانيين سابقين أو حاليين، وقرب ولادة ما أسماه البعض "برلمان الأبناء ورجال المال".

في هذا الإطار تسود مخاوف على حقوق ما تبقى من الطبقة المتوسطة في مصر، تحت قبة البرلمان المقبل، في ظل صعوبة حصول مرشحي "الغلابة" أو المرشحين الفرديين والمستقلين على مقعد في مجلس النواب، وفق مراقبين.

وبحسب سياسيين تحدثوا لـ"فكر تاني" فإن هذا المشهد يرسل رسائل واضحة تؤكد أي مصالح سيدافع عنها هذا البرلمان، وأي قوانين تُسن، ولمصلحة من؟

صورة للوضع القائم

يقول مدحت الزاهد رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، والرئيس السابق لمجلس أمناء الحركة المدنية، في حديثة لـ فكّر تاني، أن هذا البرلمان يعكس صورة للوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي القائم، ولا يمكن أن يتجمل عن الصورة التي نراها ونعرفها.

ويوضح الزاهد، أن هذا الوضع بكل ما ينطوي عليه من مصادرة للحقوق السياسية ووغلق المجال العام، لا ينتج حركات أو جماعات تغيير قوية، ولا يتيح فرصًا لقيادات من أجيال جديدة، أو حتى للأجيال القديمة، لتكون قادرة على مواصلة رسالتها.

مدحت الزاهد رئيس مجلس أمناء الحركة المدنية الديمقراطية- تصوير إسلام يحيى - فكر تاني
مدحت الزاهد رئيس مجلس أمناء الحركة المدنية الديمقراطية- تصوير إسلام يحيى - فكر تاني

بل على العكس، وفق الزاهد، ينتج أشكالًا من العصبيات ويعزز التوجه القبلي والعصبوي والشللي، وهيمنة رأس المال ورجال الأعمال وبيروقراطية الدولة على المجالات السياسية والاقتصادية عامة.

ويضيف الزاهد أنه "في المجال الاقتصادي كذلك"، فإن السياسات والانحيازات المستمرة للمستثمرين ورجال الأعمال ورأس المال الأجنبي، والاستثمارات المتدفقة بمساعدة وكلاء محليين مصريين، كل ذلك يفتح الطريق منذ سنوات وربما عقود لتحالف رأسمالية المحاسيب، التي هي في كنف السلطة، مع رجال الحكم ورجال الدولة.

ونتيجة لهذا أيضًا، كما يشير الزاهد، يؤدي الوضع إلى ركود سياسي طويل، فعلى الرغم من التعددية الحزبية الشكلية والصورية، فإن الأمور تسير في اتجاه إحكام القبضة، والبلاد محكومة في جوهرها بقبضة أمنية شديدة الوطأة.

بحسب الزاهد، فإن المشكلة أن كل هذا يحدث في وقت تحتاج فيه مصر إلى تغيير عميق وامتصاص للتوتر والاحتقانات، لأن تراكم مخزون الغضب يستوجب إجراء هذا التغيير، في الحد الأدنى، ولو كان لدى دوائر صنع القرار قدر كافٍ من التفاعل والتعامل مع هذه التطورات الاجتماعية والاقتصادية، هو أن تتيح مساحة وتفسح مجالًا لوجود معارضة مستقلة، على الأقل لقطع الطريق على الانفجارات، من منطلق أن يرى الناس أبواب أمل في أصوات ترتفع معبرة عن مصالحهم، ويرون في المجالس النيابية متنفسًا لهم. لكن هذه الافتراضات نظرية، لأن البرلمان في الحقيقة هو صورة للوضع الحاصل.

جرس انذار

هكذا يرى الزاهد المشهد وبحسب ما قال: "الوضع في الحقيقة بائس، وينذر بكوارث خطيرة، وأصعب ما في المشهد ليس ما حصل عليه المستقلون أو المعارضة، بل أن تكون هذه هي طريقة إدارة مشهد في وضع على وشك الإنفجار"، مستكملًا أن هذا الوضع الذي تتجه فيه البلاد إلى حافة الهاوية والكارثة، هو ما يحتاج إلى جرأة كبيرة في أن نفتح المجالات ونوافذ الأمل والزنازين والأبواب، لنرى تيارات تطرح بدائل للسياسات الحالية، فتساعد بهذه البدائل على تجاوز الأزمة.

كما يشير إلى حتمية إخراج المشهد بهذا الشكل في ظل "التوريث"، وغياب حركات منظمة أو ديمقراطية أنشأت كتلًا سياسية، فلا يوجد مجال لظهور قيادات شابة واعية. وبالطبع، ورغم وجود من يحفر في الصخر ويسبح ضد التيار ويقوم باختراقات مهمة تستحق كل التحية، إلا أن المشهد العام في النهاية هو مشهد طارد لكل هذه المحاولات.

ويشبه الزاهد برلمان 2025، نتيجة المعطيات السابقة، بصورة أخرى من برلمان 2010 الذي كان يمهد للتوريث. وهذا البرلمان يمهد أيضًا للتمديد، وهو ليس أقل خطرًا من التوريث بل أشد، وبالتالي، نحن نسير في هذا الطريق الذي ستكون فيه القبائل والعشائر ورأسمالية المحاسيب والمليارديرات والشخصيات النافذة وأبناء النواب والوزراء، مما يرسم مشهدًا بالغ الخطورة، وفق تقديره.

 برلمان 2025 أحد أشكال الفساد

يوضح الدكتور عمرو هاشم ربيع مستشار مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية وعضو مجلس أمناء الحوار الوطني لـ فكّر تاني، أن هناك اتجاهان، الأول هو التقليدي والمقبول، ويتمثل في وجود عائلات سياسية ارتبط وجودها بالبرلمان، فمن المتعارف عليه أن تتفق العائلة على اختيار أحد أبنائها لتمثيلها، ويتم تداول هذا المقعد بين أفراد العائلة بالاتفاق، وهذا الشكل نادرًا ما يحدث حوله اختلاف.

الدكتور عمرو هاشم ربيع مستشار مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية عضو مجلس أمناء الحوار الوطني - تصوير هاجر نور الدين - فكر تاني
الدكتور عمرو هاشم ربيع مستشار مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية عضو مجلس أمناء الحوار الوطني - تصوير هاجر نور الدين - فكر تاني

كما يعتبر ربيع الشكل الجديد للبرلمان، فهو أحد أشكال الفساد، والمتمثل في التوريث المباشر "كأن نجد مسؤولًا وابنه في القائمة الأساسية والاحتياطية معًا الأول يُسمى "العائلات في البرلمان"، أما الثاني فهو "التوريث"، وهو يختلف كليًا عن فكرة تمثيل العائلات، حيث إن الأول يعتمد على وجود ممثل للعائلة، بينما الثاني هو توريث مباشر للمنصب.

ويضيف ربيع أن مسالة وجود عائلات في البرلمان أمر موجود منذ زمن، أما حالات مثل وجود أبناء شخصيات عامة في القوائم الانتخابية، فهذا هو التوريث الذي نقصده، وهو الظاهرة المستجدة والخطيرة.

في رأيه، يجد ربيع أن هذا الشكل التقليدي لا يثير بالضرورة وضعًا سلبيًا "وجود عائلات بالبرلمان" ففي حالة تمثيل العائلات، يكون الممثل غالبًا شخصية سياسية بالفعل ويمثل عائلة كبيرة لها ثقلها. لكن في حالة التوريث، نجد أنفسنا أمام أشخاص يسعون لتحقيق مصالح شخصية، وقد لا يملكون الخبرة السياسية الكافية، فماذا يفهم نجل هذا المسؤول أو ذاك في السياسة لكي يتم الدفع به إلى البرلمان؟.

ويرى ربيع أن هذه الظاهرة "التوريث" مرتبطة بالفساد بشكل مباشر، الخطر يكمن في أنه لو غابت هذه الشخصيات النافذة عن المشهد، سيحل محلها أبناؤهم الذين قد لا يملكون أي خبرة أو فهم للعملية السياسية، ما يشكل خطرًا حقيقيًا على مستقبل الحياة الديمقراطية في البلاد.

 منزوع السياسة والفعالية الحقيقية

يحلل أكرم اسماعيل عضو مؤسس بحزب العيش والحرية "تحت التأسيس" قضية التوريث، خلال حديثه مع فكّر تاني، فهو يراها ظاهرة منتشرة بقوة في مصر حاليًا ولا تقتصر على السياسة فحسب، بل منتشرة بين لاعبي كرة القدم والفنانين وغيرهم ففكرة التوريث، في المجتمعات التي تعاني من تفاوت طبقي هائل، تُعد آلية للحفاظ على الامتيازات الطبقية، فنجد المهندس يرغب في أن يصبح ابنه مهندسًا، والطبيب الكبير يريد لأبنائه أن يكونوا أطباء، وهكذا، إنها ثقافة سائدة في المجتمعات التي يغيب فيها الصعود الطبقي القائم على المهارة أو الكفاءة أو التعليم أو الاجتهاد.

ويوجه اسماعيل نقده للنظام السياسي واصفًا إياه بأنه: "يُعطل السياسة ويستبعدها"، حيث تصبح أسوار الدخول إلى البرلمان عالية للغاية، ويتطلب الوصول إلى مقعد برلماني أموالًا طائلة ونفوذًا وعلاقات مع الأجهزة المختلفة، ولتحقيق ذلك، لا بد من امتلاك امتياز طبقي كبير، وبالتالي بحسب اسماعيل، فإن الشخص الذي يمتلك هذا الامتياز يتساءل: "لماذا لا أورث مقعدي لابني؟"، فالمسألة لم تعد مرتبطة بالسياسة، بل بالامتياز الطبقي والمكاسب التي تحصدها عائلات معينة، خصوصًا في الأرياف، وهذا يفسر وجود أبناء وبنات شخصيات معروفة في البرلمان، بغض النظر عن تاريخهم أو كفاءتهم السياسية.

رأيي الشخصي، يقول اسماعيل، أن البرلمان الحالي أصبح "مُهندسًا بالكامل"، بمعنى أنه مُسيّر وخارج عن دوره الحقيقي.

تاريخيًا، كان البرلمان في مصر يضم تمثيلات سياسية متنوعة، وإن كانت تحت رعاية الدولة، فكان هناك مساحة لتسرُّب بعض الأصوات اليسارية أو الإسلامية. أما الآن، فالعملية أصبحت محكومة بالكامل، والمطلوب هم فقط أصحاب النفوذ المرتبطون بالولاء المطلق.

يؤكد اسماعيل "لقد أصبحنا أمام برلمان منزوع السياسة والفعالية الحقيقية، وغير قادر على مناقشة مستقبل البلاد أو تشريعاتها بجدية، إنه تأكيد على الامتياز الذي يحكم العملية الانتخابية بالكامل".

يحذر اسماعيل من تبعات، أن الدولة تصبح بلا مؤسسات حقيقية، فعندما توجد مؤسسات فاعلة ذات توازن سياسي وتمثيل حقيقي للمواطنين، يصبح البرلمان مساحة للتفاوض الاجتماعي، على سبيل المثال، يتفاوض ممثلو العمال مع رجال الأعمال داخل البرلمان للوصول إلى تشريعات متوازنة.

ويشدد مؤسس حزب العيس والحرية، على وجوب أن يكون البرلمان ساحة تعكس توازنات القوى في المجتمع بناءً على تمثيل جغرافي وطبقي واجتماعي حقيقي، لكن عندما يفتقد البرلمان لهذه التمثيلات الحقيقية، فإنه يفتقد للسياسة ذاتها، ويتحرك وفق أجندات مُعدة سلفًا، ما يجرد العملية التشريعية من مضمونها.

"شبه برلمان"

"مشهد بائس للغاية، إذا كانوا يتحدثون عن "شبه دولة"، فهي تتحول بالفعل بما يصنعونه بأيديهم".. هكذا وصفت المحامية والقيادية بالحزب الاشتراكي المصري وجبهة حق الناس ماجدة رشوان في حديثها مع فكّر تاني، موضحةً أن الدولة الحقيقية لها برلمان حقيقي، والمال السياسي يُستخدم على الملأ وبمنتهى الفجاجة، رغم أن الدستور في المادة 87 يمنع ذلك. وتتسائل: "أين تطبيق الدستور الذي دفع الشباب ثمنه من دمائهم؟ للأسف، المشهد محزن، والهدف هو تكريس الفقر، فهم يريدون أن يظل الناس فقراء ليسهل السيطرة عليهم وعلى أصواتهم".

ماجدة رشوان
ماجدة رشوان

وتؤكد ماجدة أن الذين يدفعون هذه الملايين للأحزاب، أو من يمثلون توريثًا سياسيًا كأبناء رجال الأعمال وأبناء مرشحين سابقين، يدخلون البرلمان بهدف التشريع لمصالحهم الخاصة، ومن غير المتوقع أن تصدر عنهم قوانين تخدم الفقراء أو الطبقة الوسطى التي تآكلت وتضررت بشدة خلال الدورتين البرلمانيتين السابقتين.

تقول عضوة الحزب المصري الاشتراكي، أننا أصبحنا "مجتمع النصف بالمئة"، تمامًا كما كان الحال في أيام الاحتلال، هؤلاء النواب يسعون لتحقيق مصالح ضيقة جدًا تخص هذه النخبة الصغيرة، وقد ظهر ذلك جليًا في قوانين مثل قانون الإيجارات وقانون الإجراءات الجنائية، حيث كان هناك انعدام تام للانحياز لمصالح الناس، فما بالنا بالمجلس القادم الذي يضم من دفع 70 مليون جنيه، بالإضافة إلى أبناء رجال الأعمال والمرشحين السابقين؟ إنها التركيبة ذاتها.

إلغاء 50% العمال والفلاحين أضرت بتمثيلهم

توضح عضوة جبهة حق الناس، على استمرار للنهج ذاته، خصوصًا بعد إلغاء نسبة الـ 50% للعمال والفلاحين، وهي الخطوة التي ضربت بتمثيلهم عرض الحائط منذ زمن. ولم يتبق في الساحة سوى رجال الأعمال المنحازين والموالين للسلطة، فلا جديد يُذكر. وفي الوقت ذاته يُمنع أي صوت حر من الوصول إلى البرلمان، كما حدث مع استبعاد أعداد وشرائح كبيرة من النواب الذين يمثلون المعارضة في مجلس النواب السابق أو الأسبق.

وبحسب ماجدة فقد تم استبعاد أصوات معارضة مهمة مثل هيثم الحريري، الذي كان نائبًا في برلمان 2015-2020، رغم أن وضعه القانوني لم يتغير. واستخدموا ضده حجة عدم تأدية الخدمة العسكرية، مع أنه توجه بنفسه لتقديم أوراقه وقضى تسعة أشهر رهن التجنيد، لكنهم في النهاية أبلغوه بعدم الحاجة إليه، لمجرد أنه ابن أبو العز الحريري، وبالتالي الهدف هو تعطيل أي صوت حر.

كما تشير عضو الحزب الاشتراكي، إلى الآليات الأخرى التي استُخدمت لتعطيل أي صوت حر، على سبيل المثال، قضية دمج الدوائر الانتخابية التي عملت عليها شخصيًا. وهي دمج مركز دمنهور "الريفي" مع بندر دمنهور "الحضري" في دائرة واحدة، ومدينة دمنهور كانت دائمًا دائرة مستقلة يبلغ تعداد سكانها 334 ألف نسمة، بينما مركز دمنهور الريفي يبلغ تعداده 598 ألف نسمة ويضم 57 قرية ونجعًا.

هنا تم دمج عالمًا حضاريًا مع عالم ريفي له مواصفاته السكانية والقبلية والجهوية الخاصة، وهذا الدمج يقضي على أي فرصة لتصويت عادل أو حقيقي، لأن لكل منهما طبيعة مختلفة في التصويت، فالريف يعتمد على العائلات التي تصوت ككتلة واحدة لفرد منها، ما يجعل المنافسة غير متكافئة ويخالف الدستور وقانون تقسيم الدوائر الانتخابية الذي يفترض وجود تكافؤ وعدالة سكانية.

ومن خلال متابعتها، تقول ماجدة أن الشعب الحقيقي أحجم عن النزول، والمواطنون الذين لهم صوت مؤثر لم يشاركوا، ومن شارك في التصويت هم المواطنون البسطاء الذين يتم حشدهم مقابل مبالغ مالية، وتضيف: "لقد رأيت في دوائر الجيزة سيدات بسيطات يحصلن على 200 جنيه، وشبابًا لا يتجاوز عمرهم 18 عامًا يقفون في طوابير وهم يرتدون قمصانًا وقبعات موحدة، في انتظار الحصول على المبلغ نفسه، وهو وضع يختلف كليًا عما كان عليه الحال بعد الثورة، حيث كانت الناس تقف في طوابير طويلة بحماس للمشاركة".

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة