“الغولة”.. حينما تهدد المذاكرة الرابط الأمومي

“ابني الصغير بيقولي أنا بقيت أخاف منك، وبنتي علاقتي بيها باظت، وكل ده بسبب مذاكرتي ليهم وزعيقي طول الوقت فيهم عشان يفهموا ويركزوا، بس للأسف معنديش حل بديل”.

لم تختر سالي (33 عامًا) أن تقوم بدور المُعلمة لطفليها، ولكن تطور الأمر فجأة حوّل العلاقة إلى ساحة معركة تعليمية، أنهكتها وأنهكتهما وأفقدت الجميع هذا القرب الأمومي.

سالي خريجة كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، توقع زوجها منها أن تتولى هذه المهمة بالكامل، لتجنيب الأسرة اللجوء للدروس الخصوصية التي تزيد من أعبائهم الاقتصادية. وهكذا، وجدت نفسها مسؤولة عن المذاكرة لابنتها في الصف الخامس، ولابنها الصغير في مرحلة “كي جي”.

ما بدأ كحل اقتصادي، سرعان ما تحول إلى كابوس نفسي. رغمًا عنها، تجد سالي نفسها تصرخ في الصغيرين باستمرار، تلومهما، توجه إليهما كلمات جارحة مثل “يا غبي افهم”. ومع الوقت، بدأت علاقتها بهما تتوتر؛ فلم تعد كما كانت.

“كنا في البداية نضحك باستمرار ولا تحدث بيننا خلافات كبيرة، ولكن عندما بدأت أذاكر لهما أصبح صوتي مرتفع باستمرار، ورغمًا عني أفقد أعصابي وأعاتبهما عندما تنخفض درجاتهما”. وتصل المأساة إلى ذروتها في عبارة ابنتها التي وصفتها بها: “آخر مرة قالت لي ابنتي إنني تحولت إلى أمنا الغولة، وإنها تخاف مني طوال الوقت”؛ تقول سالي.

في خضم هذه المعركة اليومية، يقف زوج سالي متفرجًا، دوره لا يتعدى التهدئة اللحظية. تقول: “الرجالة مالهاش في الحكايات دي، هو بس بيقعد يهدينا وخلاص، لكن محدش بيساعدني خالص، وأنا مع الضغوطات بفقد أعصابي”.

إن الدور الذي فُرض على سالي، فُرض على عدد كبير من النساء في مصر. فدون اختيار، وجدت الأم نفسها في دور المعلمة لأولادها، غير مدركة أن هذا الدور يفقدها أساس العلاقة مع الوقت، في معادلة صعبة فرضتها الأعباء الاقتصادية وارتفاع أسعار الدروس الخصوصية.

الحل في “العلاقة” وليس الدرجات

وسط هذا الاحتراق النفسي والعلاقات المتوترة، يطرح الخبراء رؤية للخروج من الأزمة، لا ترتكز على التخلي الكامل عن دور الأم، بل على إعادة ترتيب الأولويات ليكون بقاء العلاقة الصحية هو الهدف الأسمى.

ترى الدكتورة شيرين دعدور، استشارية العلاقات الأسرية، أن الحل يبدأ بانسحاب الأم التدريجي من دورها التعليمي المباشر. وتوضح في تصريحاتها لـ فَكّر تاني: “الطفل يتأثر بممارسة الأم لدور المعلمة. الأم مع الأطفال من سن 3 سنوات حتى سن 9 سنوات تحاول أن تساعد وذلك لأنهم صغار في السن. لكن عليها أن تسحب نفسها بالتدريج بعد هذا السن، ويجب أن يبدأ الطفل في الاعتماد على نفسه حتى لا يفقد الثقة في نفسه”.

وتقترح د. شيرين بدائل عملية لهذا الانسحاب، “يمكن للأم أن تبدأ في جعل ابنها أو ابنتها يستعينون بمصادر مساعدة أخرى غيرها مثل اليوتيوب مثلًا، وذلك يساعدهم على الاعتماد على مصادر أخرى غير الأم في المذاكرة، خاصةً وأن العملية التعليمية أصبحت صعبة ومختلفة. ويمكن أن تظل الأم تتابع ما يحدث وكأنها مشرفة”.

الحل في “العلاقة” وليس الدرجات

وسط هذا الاحتراق النفسي والعلاقات المتوترة، يطرح الخبراء رؤية للخروج من الأزمة، لا ترتكز على التخلي الكامل عن دور الأم، بل على إعادة ترتيب الأولويات ليكون بقاء العلاقة الصحية هو الهدف الأسمى.

الدكتورة شيرين دعدور

وترى الدكتورة شيرين دعدور، استشارية العلاقات الأسرية، أن الحل يبدأ بانسحاب الأم التدريجي من دورها التعليمي المباشر. وتوضح في تصريحاتها لـ فَكّر تاني: “الطفل يتأثر بممارسة الأم لدور المعلمة. الأم مع الأطفال من سن 3 سنوات حتى سن 9 سنوات تحاول أن تساعد وذلك لأنهم صغار في السن. لكن عليها أن تسحب نفسها بالتدريج بعد هذا السن، ويجب أن يبدأ الطفل في الاعتماد على نفسه حتى لا يفقد الثقة في نفسه”.

وتقترح د. شيرين بدائل عملية لهذا الانسحاب، “يمكن للأم أن تبدأ في جعل ابنها أو ابنتها يستعينون بمصادر مساعدة أخرى غيرها مثل اليوتيوب مثلًا، وذلك يساعدهم على الاعتماد على مصادر أخرى غير الأم في المذاكرة، خاصةً وأن العملية التعليمية أصبحت صعبة ومختلفة. ويمكن أن تظل الأم تتابع ما يحدث وكأنها مشرفة”.

إعادة تعريف الأدوار

الدكتور إميل لبيب

ويؤكد المدرب التربوي إميل لبيب أنه لا يمكن مطالبة الأم بالتخلي الكامل عن دورها في ظل الظروف الاقتصادية، لكن الحل يكمن في التعاون وتغيير الأولويات. يقول: “يمكن للأم والأب أن يتعاونا معًا، وعلى الأم أن تعي جيدًا أن البقاء هو للعلاقة الجيدة بينها وبين أولادها، وأن كل ما يخص الدرجات والتحصيل الدراسي شيء نسبي يختلف من طفل إلى آخر ولا يجب أن يكون شرطًا للمحبة”.

وتتفق معه الدكتورة نهال زين، التي تؤكد أن الأم يمكن أن تقوم بدور جيد ولكن بشروط. تشرح: “نذاكر لأولادنا، ولكن يجب أن تطلب الأم المساعدة في الأمور التي لا تتقنها وألا تخجل من ذلك، وتطلب المشورة خاصةً مع تطور المناهج”. وتضيف أن “تقسيم المهام بين الأب والأم ضروري حتى لا تفقد الأم أعصابها”.

وتقدم د. نهال نصيحة جوهرية للأسرة بأكملها: “يجب على الأسرة أن تتذكر أن المذاكرة والدرجات لن تبقى، ولكن ما يبقى من الناحية النفسية هو أن تكون العلاقة مع الأهل آمنة بما فيه الكفاية، وأن العلاقة أهم من المذاكرة”.

الدكتورة نهال زين

وتعود د. شيرين دعدور لتضع اللمسة الأخيرة على كيفية الحفاظ على هذه العلاقة حتى في أصعب اللحظات، فتقول: “الأم التي تضغط على أبنائها هي التي ستخسر. يجب أن تكون متفهمة، وتخبرهم أن المذاكرة شيء ثقيل عليهم وأنها تعرف أنهم يشعرون بالتعب. على أن يكون ذلك بصوت منخفض دون صراخ، مع وجود نظام للمكافأة والتشجيع الإيجابي. وعندما تفقد الأم أعصابها، يجب أن تعتذر لابنها أو ابنتها”.

“أين الترابط الأسري والجلوس مع الأسرة بشكل مجرد تام بدون شروط أو انتظار الأم والأب لمكافآت من الأولاد تتمثل في صورة درجات عالية؟”. هذا التساؤل الذي يطرحه المعالج التربوي إميل لبيب، يتردد صداه في منزل سالي بعد أن ينتهي صخب المذاكرة اليومي. لم تتغير الظروف الاقتصادية، ولم تصبح المناهج الدراسية أسهل، لكن المعادلة داخل رأسها تغيرت جذريًا.

لقد أدركت أن الفشل الحقيقي ليس درجة منخفضة في ورقة امتحان، بل هو الخوف الذي رأته في عيني ابنها، ولقب “أمنا الغولة” الذي منحته إياها ابنتها. أدركت أن المعركة التي تخوضها من أجل تأمين مستقبلهما لا يجب أن تأتي على حساب حاضرهما. ففي نهاية المطاف، وكما يؤكد الخبراء، يبقى الانتصار الوحيد هو الحفاظ على العلاقة، فالبقاء دائمًا للعلاقة الجيدة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة