"لا شيء يحدث، ولا أحد يأتي، ولا أحد يذهب.. إنه أمر فظيع".
تلك العبارة من مسرحية "في انتظار جودو" للأديب الإيرلندي "صموئيل بيكيت" تكاد أن تختزل بلغة جامعة مانعة الواقع السياسي المصري، في لحظة الانتخابات البرلمانية التي لا تثير في الشارع شغفًا، أو تستحوذ على أقل القليل من الاهتمام الشعبي.
المسرحية التي تعد درة تاج الأدب العبثي، أو وفق الاصطلاح الأكاديمي "مسرح اللا معقول"، تدور حول فكرة الانتظار، من حيث جدواه وواقعيته في رحلة البحث عن معنى ومغزى وقيمة في عالم عبثي.
على طريق ريفي تحت شجرة عارية الفروع، يجلس بطلا المسرحية "فلاديمير" و"استراجون" في انتظار شخص يدعى "جودو"، يقطعان رتابة الوقت في الحوار والشجار والمزاح والتفكير في الانتحار، لكن "المُنتَظر" لا يأتي أبدًا.
قد يرمز عُري الشجرة إلى الحياة الفارغة، حيث ينقطع الأمل ويهيمن القنوط على قلوب الناس، أما "جودو" الذي لا نعرف كينونته ولماذا ينتظراه؟ وما جدوى انتظاره فقد يرمز إلى الوهم الذي كثيرًا ما يتملك الناس فيزج بهم إلى ظلماته الحالكة.
انتظار ما لا يأتي أبدًا هو شعور غالبية المصريين إزاء الحياة السياسية، بالتزامن مع الانتخابات البرلمانية التي لا يكادوا أن يروا من مظاهرها إلا سرادقات مبعثرة هنا وهناك، ومرشحين يثبتون على وجوههم ابتسامات شمعية باهتة، وفي الخلفية موسيقى "مهرجانات صاخبة" قبيحة ومنفرة وسوقية.
الفارق الوحيد بين شعور بطلي المسرحية اللذين يبددان الوقت سدى في انتظار "جودو"؛ هذا المبهم الغامض الذي قال "بيكيت" نفسه ردًا عن سؤال حول ماهيته: "لو كنت أعرفه لكشفت عنه في المسرحية"، وبين شعور غالبية المصريين أنهم لا ينتظرون شيئًا، استعمر اليأس قلوبهم، فانصرفوا عن الشأن العام.

ردة إلى الوراء
مصر تعود أو بالأحرى عادت إلى ما كان قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير المجيدة، من الانشغال بسفاسف الأشياء، على غرار مناوشات كرة القدم، و"تريندات" طلاق وزواج وخيانة الفنانين، وتفاهة الحديث عن الجلباب "البلدي"، وما إذا كان يعبر عن الهوية أو يرادف الهمجية والتخلف، كما ذهبت سيدة بلا حيثية إلا أنها ابنة كاتب راحل.
كانت المسرحية التي عُرضت للمرة الأولى عام 1952 في باريس، تعبيرًا عن مرحلة بائسة من التاريخ الأوروبي، حيث كان الناس يسددون فواتير الحربين العالميتين من لقمة العيش بعدما سددوها من الدماء، وكانت الإنسانية تنزف دمًا وتستشعر الألم يعتصر قلبها، بعد فظائع الحربين، وكان "بيكيت" آنذاك على موعد مع التاريخ ليقدم مسرحيته، التي تأثر بها رواد مسرح العبث من بعده، وما زالوا يتأثرون حتى الآن.

في ذاك الوقت الصعيب رأي "بيكيت" الذي ينتمي فكريًا إلى الفلسفة الوجودية، أن هدف الوجود الإنساني مشوش وغير واضح، وكان "جودو" في واقع الأمر هو الـ"لا شيء".
في الوقت الذي أحس فيه بطلا المسرحية بأن "جودو" لن يأتي، ظهر لهما طفل قال إنه مبعوث عنه، ليفضي إليهما بأنه يبلغهما أنه في الطريق.
كذلك يستعاد الأمل ويستغرق "الواهمان" في انتظار الوهم مجددًا، في مشهد ذكي وعبقري مرهف، لم يخلُ من إيحاءات بأن المعذبين قد يضيعون العمر في اقتفاء خرافة وانتظار معجزة تنزل من السماء، دون أن يفعلوا شيئًا إلا الانتظار وهو بالقطع فعل سلبي عاجز أو بالأحرى "لا فعل".
بعيدًا عن "جودو" والدلالات الرمزية للمسرحية التي قد تستغرقنا إلى ما لا نهاية، كشأن أي عمل أدبي عظيم، وبمنأى عن الانتخابات المصرية التي ما من حصافة في التعامل وإياها بجدية، وقريبًا من برجي التجارة العالميين بنيويورك؛ المدينة الرمز على بطشة الرأسمالية الأمريكية وهيمنتها دوليًا، ها هو شاب يساري مسلم ذو أصول هندية، يجترح معجزة بكل المقاييس الموضوعية.
خاض زهران ممداني البالغ من العمر 32 عامًا، الانتخابات على منصب مدير بلدية نيويورك، متبنيًا خطابًا بالغ الحدة والصرامة، وربما "العدائية" إزاء منظومة الثوابت التي طالما تحكمت في صناعة السياسة الأمريكية.
حرب على "الدولة الأمريكية العميقة"
هجا الرأسمالية هجاءً فظًا، وانتقد الضرائب الباهظة، ووعد بتوفير مواصلات مجانية وسكن ملائم وعلاج رخيص وتعليم عالي الجودة، لا يستثني أبناء الفقراء ولا يصنف الناس حسب طبقتهم الاقتصادية.
كان صوته المدوي زلزالا كبيرا في المشهد الانتخابي النيويوركي، وسرعان ما أسفر خطابه عن شحذ السكاكين لتمزيق لحمه، غير أن الطعنات لم تثنه عن خوض حربه ضد ما يمكننا أن نسميه "الدولة الأمريكية العميقة".
واجه بلا مداهنة أو مواربة، وحتى عندما حذر مقاول البيت الأبيض من مغبة تسليم مفاتيح مدينة المال والأعمال الأمريكية لـ"شيوعي متطرف"، لم يفت ذلك في عضده، وإنما حدا به إلى مزيد من التحدي قائلًا: نعم أنا يساري.

حرب صعبة بغير شك، الأعداء يتكالبون على الشاب الطموح من كل حدب وصوب، فالقوم في الحزب الجمهوري، ومعظمهم من أصحاب المليارات، ورجال النفط وتجارة السلاح والإعلام، ارتأوا فيه خطرًا مستطيرًا يكاد أن يذري بإمبراطورياتهم المالية، على حين لم يتحمس الكثيرون من رموز الحرس القديم في حزبه الديمقراطي له، ذلك أنه حسب وصفهم "يساري أكثر من اللازم".
ولم تنته حالة ممداني الاستثنائية عند مناهضته الرأسمالية الأمريكية، بل إن الأكثر من ذلك أنه دفع إلى الناخبين بخطاب خشن، يتحدى اللوبي اليهودي في المدينة التي يبلغ نسبة اليهود بها 17% من سكانها، فإذا به لا يستنكف عن تأثيم الاحتلال الإسرائيلي، ويسمي الأمور بمسمياتها الحقيقية، فما ارتكبه جيشه ضد أبناء غزة ليس إلا حرب إبادة جماعية، وأموال دافعي الضرائب الأمريكيين ينبغي أن تنعكس خدمات لهم، لا أن تموّل جرائم الحرب، والأكثر من ذلك أنه تعهّد بإلقاء القبض على الإرهابي بنيامين نتنياهو، إن دنا إلى أسوار نيويورك.
إزاء هذه الظروف المتشابكة، كان انتزاع ممداني النصر في الانتخابات على منصب رئيس بلدية نيويورك مفاجئًا للجميع، وصدمة مدوية لخصومه السياسيين جميعهم.
على ضفة المنطقة العربية، كان عموم أو عوام العرب يبتهجون مستبشرين، وكان الإسلاميون بوجه خاص يتشدقون بالنصر المؤزر والفتح المبين الذي جاء على يدي ممداني في عقر دار الأمريكيين والصهاينة.. والله أكبر ولله الحمد.
لكن بعيدًا عن الابتهاج العربي وهو مستحق بدرجة ما، وإن لم يخلُ من مبالغة، وبمنأى عن تأطير الإسلاميين لأي حدث سياسي في إطار عقائدي، تبقى الحقيقة أن شابًا طموحًا لم يداهن ولم يوالِ ولم يركن إلى خطاب سياسي "متنطع"، بل خاض معركة مباشرة وضرب خصومه "في الوش"، ورغم العقبات الموضوعية التي كانت ترجح هزيمته وانهيار أحلامه السياسية مضى يدافع عن كينونته وأفكاره ومبادئه، غير مكترث بالدعاية السلبية، عازفًا عن وسائل الإعلام الأمريكية التي أغلقت أبوابها في وجهه، مخاطبًا الناس إما في المؤتمرات الشعبية الجماهيرية، وإما عبر وسائط الإعلام البديل المتمثل في مواقع التواصل، فإذا بشعبيته تطبق الآفاق، وإذا بالتهم التي صبها خصومه على رأسه صبًا تستحيل أسلحة بين يديه.
مشهد أمريكي ملهم
بذلك نجح ممداني في صناعة المشهد المدهش والملهم في الولايات المتحدة، والحقيقة أن السياسة الأمريكية برغم أي تحفظ عليها تظل مثيرة للاهتمام وقادرة على استثارة الأسئلة، ولعل أبرز الأسئلة إزاءها الآن: هل ثمة أمل في ظهور ممداني مصري؟
ممداني حقيقي ليس مثل "جودو" في مسرحية بيكيت، ممداني واقعي يعلم كيفية إدارة معاركه السياسية، ويدرك كيفية الوصول إلى قلوب الناس، ويحدثهم حديثًا مباشرًا يخلو من التحذلق والفوقية عن همومهم الحياتية اليومية، وواقعهم البائس.

للسؤال إجابتان، فمصر لم تعدم الأفذاذ في جميع المجالات، ولا تفتقر إلى كوادر شابة تستطيع النهوض بالأعباء، مما يعني أن هذا الـ"ممداني المصري" ليس مستحيلًا، وانتظاره ليس عبثيًا "لا معقولًا" كما "جودو"، لكن الأزمة في الإرادة السياسية "الفوقية"، في الرغبة في هندسة برلمان يردد صدى صوت السلطة السياسية، وهي إرادة تغلق دائمًا وأبدًا أبواب الأمل، وتصيب السياسة الشلل الرباعي، وتنثر اليأس في قلوب الشعب، فلا يكاد أن يولي الانتخابات التي تعد من صميم الممارسة السياسية التفاتة، أو يعرها الحد الأدنى من الاهتمام.
لقد عزف المصريون عن انتظار أحلامهم، أو حتى أوهامهم، وصارت عبارات على غرار: "لا أفهم السياسة"، و"لا أحبها في المطلق"، من الفضائل المحمودة في مجتمع مصاب بفقدان المعنى والهدف.
إنه اليأس.. واليأس أخطر ما يصيب المجتمعات، فإن استقر في نفوس الشعوب، صار كل انهيار بعده ممكنًا، كما يقول المفكر الجزائري "مالك بن نبي".