في صباحٍ هادئ، تفتح سلمي نافذة غرفتها لتستقبل أشعة الشمس. تجهّز كتبها قبل ذهابها إلى الجامعة، ثم تجلس أمام المرآة لدقائق، تتأمل ملامحها وتضع لمسات خفيفة من المكياج. ليس لتغيير جمالها، بل لتغطية بقع بيضاء صارت جزءًا من ملامحها منذ سنوات. وبابتسامة صافية تقول: "في الأول كنت بعيط كل يوم.. دلوقتي بقيت أحب نفسي زي ما أنا".

طفولة لم تكن عادية
عندما كانت سلمى في الثامنة من عمرها، ظهرت أول بقعة صغيرة على وجهها. في البداية اعتقد أهلها أنها مجرد حساسية عابرة، لكن مع مرور الأيام انتشرت البقع. في المدرسة، لم تكن الكتب وحدها عبئها، بل أيضًا نظرات الفضول من زملائها وهمساتهم التي كانت تؤلم أكثر من أي دواء. تقول والدتها: "كنت بخاف عليها من كلمة جارحة أكتر من خوفي من المرض نفسه".
مواقف لا تُنسى
بدأت الحكاية منذ الطفولة. في المدرسة، كانت تضع كريمًا لونه داكن يشبه لون الشوكولاتة، وكان عليها أن تستخدمه قبل بداية اليوم الدراسي. لم تمر لحظة دون أن تلتقطها أعين زميلاتها، يتهامسون ويضحكون: "إيه اللي على وشك؟ دي شوكولاتة ولا إيه؟"، "لازم تحطيه دلوقتي يعني؟"...
هذه الضحكات كانت وجعًا يتخطى أي ألم جسدي ليس لأنها قادمة من أطفال في نفس سنها فقط، بل لأنهم يدعون أنهم من أصدقائها المقربين.
من المواقف التى لم تتخطاها سلمى إلى الأن في أحد أيام الصيف، وبينما كانت سلمى ما تزال في الصف الثاني الابتدائي، رفض مدرب السباحة أن تنضم إلى أصدقائها في حمام السباحة، وتوجه إلى والدتها ليسألها: "هو اللي في وشها دا معدي وممكن يعدي باقي الأطفال؟!" عندما سمعت سلمى السؤال، تجمدت الدموع في عينيها، تركت المسبح وغادرت، ولم تعد بعدها رغم حبها الشديد ورغبتها في تعلم السباحة.
الوصمة لم تتوقف عند المدرسة أو النادي. حتى الجيران شاركوا بقصد أو بغير قصد. ذات مرة، جاءت سيدة مسنّة إلى والدتها وكانت هذه السيدة تحب سلمي ومتأثرة بما أصابها، وقدمت لها "بُلغة" قديمة بعد أن سمعت أن حرقها وطحنها ودهن رمادها على الوجه قد يشفي البهاق. تصف سلمى الموقف الآن بابتسامة، لكن في ذاك اليوم شعرت أن الناس لا يرونها سوى كـ "وجه به بقع" يحتاج إلى علاج.
مرض طبي.. وتحدٍ اجتماعي
البهاق، كما يفسره الأطباء، ليس مرضًا معديًا، بل اضطراب ناتج عن توقف الخلايا المسؤولة عن إنتاج الميلانين، ما يؤدي إلى ظهور بقع بيضاء على الجلد.

في مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرت في المجلة الأوروبية لعلم الجلد والأمراض الجلدية JEADV، بعنوان “The global epidemiology of vitiligo”، توصل الباحثون إلى أن انتشار البهاق عالميًا يتراوح بين نسب متباينة حسب المنطقة، مؤكدين أن المرض يؤثر على ملايين الأشخاص حول العالم، بالإضافة إلى الإحصاءات التي أشارت إلى أن 1% من سكان العالم مصابون به، أي ما يقارب 70 مليون شخص. لكن في حين أن المرض قد لا يحمل ألمًا جسديًا كبيرًا، إلا أن الألم النفسي الناتج عن رفض المجتمع وصمته قد يكون أضعاف ذلك.
عزلة وتحد
يعيش آلاف المصابين بالبهاق في مصر قصصًا متشابهة. بعضهم اختار العزلة والابتعاد عن الأعين، بينما قرر آخرون تحويل التجربة إلى مصدر قوة.
خلال السنوات الأخيرة، بدأت مبادرات عديدة على أرض الواقع والسوشيال ميديا، لتغيير نظرة المجتمع. أبرزها حملة "مليون مننا وجعهم جهلنا" التي سلطت الضوء على أن أكبر معاناة لمرضى البهاق ليست في بشرتهم، بل في تعامل الناس معهم. وعلى المستوى العالمي، لعبت عارضة الأزياء الكندية ويني هارلو دورًا ملهمًا بعد أن ظهرت في كبرى عروض الأزياء متحدية الصور النمطية.
يؤكد خبراء علم النفس أن الدعم الأسري هو العامل الأساسي في رحلة مرضى البهاق. سلمى نفسها كانت تجد في والديها السند الحقيقي: "ماما كانت دايمًا تقولي إن البهاق علامة تميز مش عيب".. ومع مرور الوقت، ساعدها هذا الدعم على استعادة ثقتها بنفسها، وأصبحت من المتفوقين في دراستها منذ الطفولة وحتى المرحلة الجامعية.
اليوم.. تتحدث سلمى بصوت أكثر ثقة: "يمكن بشرتي اتغيرت، لكن قلبي لأ.. وأنا مش أقل من أي حد". لتلخص بكلماتها رحلة الآلاف ممن قرروا مواجهة الوصمة، وكسر جدار الصمت. فالجمال لا يقاس بلون الجلد، بل بقدرة الروح على أن تضيء حتى في أصعب اللحظات.