من الخارج، تبدو مستعمرة الجذام مكان معزول بقرار إداري قديم، يواصل أداء وظيفته كما بدأ قبل عقود. لكن الداخل مختلف تمامًا؛ فالحياة اليومية في المكان لا تتوقف عند آثار المرض، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، نقص في الموارد، وفوضى إدارية، وغياب خطط واضحة للرعاية، فضلًا عن الحالات التي لا تجد أبسط احتياجاتها.
لسنوات، ظلت الأصوات من داخل المستعمرة خافتة، وغالبًا غير مسموعة. المرضى اعتادوا الصمت، والموظفون يواجهون ضغوطًا تتجاوز قدراتهم. لكن في هذا الجزء، ينقل مصدر قضى سنوات في العمل داخل المستعمرة صورة مفصلة لما يحدث خلف الجدران.
من شهادته، يتضح أن المرض لم يكن التحدي الوحيد، بل إن النظام نفسه لا يبدو مصممًا كي يمنح المرضى ما يحتاجونه حقًا. لا رعاية كافية، ولا أدوية متوفرة دائمًا، ولا منظومة تضمن متابعة الحالات بعد الشفاء أو تأهيلهم للعودة إلى المجتمع.
في شهادته، يصف المصدر كيف يتحول المرضى إلى "مقيمين دائمين"، ليس لأنهم بحاجة إلى العلاج، بل لأن الخروج من المستعمرة يعني ببساطة الذهاب إلى مكان يرفض استقبالهم. ويكشف تفاصيل عن نقص المستلزمات، وسوء التهوية، وبُعد العيادات عن أماكن الإقامة، وغياب الأطباء المتخصصين في كثير من الأحيان، وصعوبات تواجه الطاقم الطبي حتى في تقديم الرعاية الأولية.
هذه شهادة من الداخل، ليست عن المرض، بل عن المنظومة التي تُبقي على المرض قائمًا، حتى بعد انتهاء العدوى.
من الضمور العضلي إلى الجذام
في 2024، وصلت أم تحمل أبناءها الأربعة إلى المستعمرة، تقول أنهم يعانون من ضمور عضلي، بعد أن فشلت محاولات علاجهم في منطقتهم. يحكي أحد الممرضين القصة: "تصورت الأم أن أولادها مصابون بالضمور، لكن لم يتمكن أحد من مساعدتها، فوجهها شخص ما إلينا، وجاءت إلى مستعمرة الجذام".
بمجرد فحص الأطباء المتخصصين، تبين أن الأطفال الأربعة مصابون بالجذام، وهو مرض لا يظهر بسهولة إلا عبر تحاليل دم دقيقة. يتابع الممرض: "لاحظ الأطباء الأعراض وشخّصوها بأنها جذام، لكن هذا النوع يتخفى، ولا يظهر إلا في تحاليل ILS".

احتاج الأطفال الأربعة إلى الحجز الفوري. أحدهم، لم يتجاوز السابعة من عمره، بدا عليه المرض بشراسة: "كان طفلًا في السابعة من عمره، لكن المرض جعل جسده يبدو أكبر سنًا بكثير، أعصابه تلفت، وأصبح غير قادر على الحركة". حالة أخرى كانت أكثر قسوة؛ إحدى الفتيات كانت تعاني من جرح شديد التدهور، وكان البتر هو الحل الوحيد. يشرح الممرض بأسى: "كان الجرح سيئًا جدًا، فاضطروا لإجراء عملية بتر لها داخل المستشفى".
تؤكد الأم أنها وزوجها لا يعانيان من أي أعراض مشابهة، لكنها أيضًا تقول أن القرية التي يعيشون فيها بجنوب سيناء تشهد انتشارًا كبيرًا لنفس الأعراض بين الأطفال. لكن الجانب الإداري من القصة لم يكن بمرونة الأطباء: "الطبيبة التي شخصت الحالات، وهي مديرة العيادة ومن أكفأ من عملت معهم، عندما طلبت حجز الأطفال، جاءها مساعد وزير الصحة وقال لها بأسلوب غير لائق: بأي صفة هتحجزيهم؟".
ردت الطبيبة بثقة رغم الإهانة: "بصفتي طبيبة، وأعرف عملي جيدًا". تصاعد التوتر، وكاد الموقف ينتهي باستقالة الطبيبة من منصبها رفضًا للإهانة، ودفاعًا عن حق مرضى لا صوت لهم، وفقًا لما يقوله الممرض.
لم تكن رحلة الأطفال الأربعة من جنوب سيناء إلى المستعمرة مجرد انتقال مكاني، بل كانت انتقالًا من تشخيص خاطئ إلى مأساة طبية مؤلمة.
"لا أحد يريدهم"
بمساعدة "فاعل خير"، وصلت شكوى الأسرة إلى مكتب شكاوى مجلس الوزراء، وتم التواصل معهم هاتفيًا. "أبلغوهم بأنه يمكن حجزهم، لكن فعليًا، لم تُحجز سوى الفتاة التي كانت حالتها حرجة وخضعت للبتر، بينما سُجلت شقيقتها على أنها 'مترددة على العيادة'، رغم أنها كانت مقيمة معها"، يضيف الممرض.
في غياب أي دعم حكومي حقيقي، تكاتف الأهالي واستأجروا شقة بسيطة للأم وأطفالها. "كانت الأم تعاني من نظرات الناس في سيناء، فالجميع هناك كانوا خائفين منهم، وعندما علموا أنهم مرضى جذام، رفضوا التعامل معهم".
لكن داخل المستعمرة، كان الأمر مختلفًا: "كانت بتقول لنا: حاسة إننا طبيعيين هنا.. الناس زي بعضهم، وبيتعاملوا ببساطة".. لاحقًا، وبعد مشكلات شخصية، اضطرت الأم للعودة إلى سيناء بولديها، بينما بقيت الفتاتان في المستعمرة، واحدة في الحجز الداخلي، والأخرى بين العيادة والسكن.
فرص مهدرة ومساحات مهملة
لا تقتصر معاناة مستعمرة الجذام على النبذ الاجتماعي أو محدودية الدعم، بل تمتد إلى بنية متهالكة تعاني من سوء استغلال الموارد وغياب الحد الأدنى من الإمكانات الطبية.
يشير الممرض في حديثه مع فكّر تاني، إلى أن المساحة الشاسعة التي تمتلكها المستعمرة لا تُستغل بالشكل الكافي. في الوقت الذي يضطر فيه مرضى الفشل الكلوي إلى التنقل بانتظام إلى مستشفى الخانكة لإجراء جلسات الغسيل، تملك المستعمرة بالفعل جهازين لغسيل الكلى تم توفيرهما من خلال تبرعات أهلية، وليس عبر دعم من وزارة الصحة.
يتكرر هذا المشهد في قطاع التمريض؛ حيث ترفض الأطقم الطبية في المستشفيات المجاورة التعامل مع مرضى الجذام، مما يضطر طاقم التمريض الداخلي إلى مرافقتهم بأنفسهم، حتى في الحالات التي تتطلب خدمات خارجية. التبرعات، مرة أخرى، تغطي عجزًا كان من المفترض أن تتحمله الدولة.
ولا تتوقف الأزمات عند هذا الحد؛ فحالات الإصابة بأمراض مزمنة كالقلب والسكري، والجروح المشتبه في تحولها إلى أورام، لا تجد متابعة متخصصة. تفتقر المستعمرة إلى أجهزة تشخيص متقدمة، ولا يوجد أي تنسيق مع مستشفيات الأورام أو وحدات العلاج التخصصي. فحتى في الحالات التي تستدعي تدخلًا عاجلًا، لا يزورهم أي طبيب، لتبقى الأعراض تتفاقم في صمت، دون أفق للعلاج.
ويتابع الممرض عرضه للمشهد المؤلم: "عندنا مرضى قلب وسكر، وجروح نشك في أنها سرطانية، لكن لا توجد أجهزة أو تنسيق مع مستشفيات الأورام. لا يأتي طبيب ليفحصهم، رغم أن حالتهم تكون سيئة جدًا".
"أنا هنا.. حسوا بيا"
في قلب المستعمرة، لا تبدو الأوجاع الجسدية هي الأشد قسوة، بل تلك النفسية التي تُركت دون علاج أو رعاية. تلفت الممرض الانتباه إلى أن المرضى النفسيين يمثلون الفئة الأكثر معاناة، إذ يعيشون في عزلة شبه تامة، بلا دعم أو تواصل حقيقي مع العالم الخارجي.
من بين هذه الحالات، قصة شاب عشريني يُدعى عبد العظيم، يعيش بمفرده داخل المستعمرة، بلا أقارب أو زائرين. يقول الممرض: "مالهوش حد، وأحيانًا بيرش على نفسه مياه ساخنة فقط ليجعل الناس يتذكرون أنه بحاجة إلى اهتمام".
ولا تقتصر معاناته على العزلة النفسية، إذ يعاني عبد العظيم من نوبات متكررة من غيبوبة السكر: "قد يصل مستوى السكر عنده إلى 500 أو 600، وفي كل مرة بالكاد نلحقه"، يضيف الممرض، مشيرًا إلى أن عبد العظيم ليس استثناءً، بل نموذج لحالات كثيرة تحتاج إلى رعاية صحية ونفسية متخصصة، لكنها لا تجد شيئًا. يختصر الممرض الواقع القاسي في جملة واحدة: "هناك غيره الكثيرون ممن يحتاجون إلى علاج نفسي، لكننا لا نملكه".
حتى الطعام.. معاناة لا تنتهي
الغذاء في مستعمرة الجذام لا يشبه الصورة التقليدية للمؤسسات الصحية؛ فلا يوجد مطبخ مركزي، ولا إشراف غذائي، ولا نظام يضمن وجبة متوازنة للمريض. كل شيء يُترك للصدفة، أو لمساعدة من حولهم.

يقول الممرض: "تُرسل لنا الوزارة الطعام جافًا؛ وبروتين نيء فراخ ولحمة وسمك. وإذا كانت حالة المريض لا تسمح له بالطبخ، فإنه يعتمد على زميل، أو عامل، أو يدفع مالًا مقابل أن يطبخ له أحدهم. وإن كان له قريب يجلس بجانبه، فهذا حسن".
ينجو بعض المرضى فقط بفضل التكافل الداخلي. فالنساء في المستعمرة غالبًا ما يتولين مساعدة الحالات الأضعف، خاصة الأطفال. ويشير الممرض إلى مثال حي: "مثل الطفلتين من جنوب سيناء، النساء من حولهن هن من يطبخن لهما".
"نحتاج طبيبًا.. لا تبرعات بلا وعي"
ورغم التبرعات الغذائية، سواء كمكونات خام أو وجبات جاهزة، فإن غياب الرقابة الطبية يُفرغ هذه التبرعات من معناها، بل وقد يحولها إلى عبء على بعض الحالات: "المريض ليس مصابًا بالجذام فقط؛ لدينا مرضى قلب، وسكر، وكلى، وكبد، ولكل منهم نظام غذائي مختلف. بعضهم يلقي بالطعام ويأخذ البروتين فقط".
وسط مستعمرة الجذام، تتجلى إحدى أعمق أوجه العجز: نقص الكوادر الطبية. لا يتوفر سوى طبيب باطنة واحد، وآخر للأطفال، بالإضافة إلى طبيبين في المعمل وفني واحد فقط. "هذا كل ما لدينا".. يقول الممرض، مؤكدًا أن المستعمرة باتت تعتمد بشكل شبه كلي على التبرعات الفردية لتوفير الرعاية التخصصية.

"بعض الأطباء، كالمتخصصين في الرمد والأنف والأذن، بييجوا يوم واحد في الأسبوع، مقابل أجر رمزي تتكفل به تبرعات الأهالي، يتقاضون 500 جنيه في الزيارة، وهو ليس بالكثير مقارنة بحجم الاحتياج".
ورغم ضآلة الإمكانات، يظل الامتنان حاضرًا لمن يؤدي مهمته بإخلاص. يٌشيد الممرض بطبيب الرمد الذي لا يتأخر عن الرد حتى عبر الهاتف، ويصفه قائلًا: "بارك الله فيه، مبيرفضش طلب لحد وبيشتغل بجد". هكذا تتحول التبرعات –حين تُوجّه إلى متخصصين في وقت الحاجة– إلى طوق نجاة حقيقي، بينما يظل السؤال معلقًا: لماذا تغيب الدولة، وتُترك المؤسسة الصحية الوحيدة من نوعها معلقة بين رحمة الأفراد وصمت المسؤولين؟.
حامينا وحرامينا.. منّا فينا
إنها شهادة ترسم صورة قاتمة لنظام صحي منهار تحت وطأة الإهمال والفوضى. لكن ماذا لو كان ما يحدث ليس مجرد فوضى، بل فسادًا منظمًا؟ وماذا لو كان هذا الإهمال الممنهج هو غطاء لخطة أعمق تهدف إلى تفكيك المستعمرة قطعة قطعة؟ في الجزء القادم، نكشف عن الوجه الآخر للسلطة داخل العنابر، قصة "شاويش العنبر"، وأرباح المزرعة المفقودة، والخطة السرية التي تهدد بمسح "البيت الأخير" من الوجود.
لقراءة الحلقات السابقة:
مستعمرة أبو زعبل 1| وعود بـ "صفر جذام".. وواقع مبتور الأطراف
مستعمرة أبو زعبل2| بيت أخير في "إلياذة الجذام"