مستعمرة أبو زعبل2| بيت أخير في "إلياذة الجذام"

على أطراف القاهرة، حيث تتلوى الطرق وتضيق وسط المزارع والأحراش، ينفرج الطريق فجأة على صحراء شاسعة في رحلة جبلية تحبس الأنفاس. هنا.. صيفاً وشتاءً، تلف الشمس أشعتها الحارقة على رمال صفراء وأحجار صمّاء، مشهد ثابت لا يتحرك، لا بشر فيه ولا حيوانات، ومع غروب الشمس، يستحيل أن تخطو خطوة واحدة، فتغيب أعمدة الإنارة، ويطبق ظلام حالك لا يبدده سوى ضوء القمر الخافت.

رسومات سلمى الطوبجي

لا مظاهر للحياة في هذا الطريق، وكأنك تتجه طوعًا إلى عزلة تامة، أو تقصد عالمًا للأشباح لا لبشرٍ من لحم ودم، لهم حقٌ أصيل في الحياة التي يشاركهم فيها آخرون على أرض الوطن الواحد.

الطريق إلى مستعمرة الجذام في أبو زعبل وعزبة الصفيح المجاورة لها طريقًا وعرًا، لا تعرف عنه تطبيقات النقل الذكي شيئًا، وكذلك سيارات الأجرة، إما يرفضون فور سماع اسم المكان، أو يتعجبون من وجوده في الأساس. 

وللوصول إلى أقرب نقطة، يتطلب الأمر استخدام وسائل مواصلات متعددة فلا طريق مباشر يؤدي إلى المستعمرة، والطرق غير ممهدة يغلب عليها الطابع الصحراوي، حيث تنتشر الرمال على الجانبين وتختفي لافتات المرور، وكأن هذا المكان خارج نطاق الخدمة تمامًا، فلا تجد استراحة أو حتى مظلة تقي الشمس أو متجرًا صغيرًا أو حتى "كشكًا" بسيطًا لشراء الماء.

وكلما اقتربت من المستعمرة، يتضاعف الشعور بالعزلة؛ فلا مؤشرات تدل على أنك تسير نحو منشأة صحية أو مجمع سكني، بل هو أشبه بطريق مهجور يؤدي إلى منطقة لا يرغب أحد بالحديث عنها.

بعد قطع هذه الرحلة المضنية، والوصول إلى هذا الشعور القاتل بالعزلة -إن استطعت الوصول- تجد لافتة خشبية كبيرة "مستشفى الجذام -أبو زعبل".

خلف الأسوار

في جزيرة منسية من الزمن، تستقر المستشفى في عزلة شبه تامة، لا يحيط بها سوى هواء جاف لا يحمل أي رائحة للحياة. هنا، لا أحد يسأل عن السكان، وليس هناك من يطرق الأبواب إلا إن كان تائهًا ضل طريقه أو قادته الضرورة القصوى.

بُنيت المستعمرة قبل أكثر من 80 عامًا، في زمنٍ كان فيه الجذام وصمة لا تُغتفر، وعقوبة تستوجب العزل الجماعي دون نقاش. اللافتة الخشبية المعلقة على البوابة، والتي تحمل اسم "مستشفى الجذام"، لم تعد تعبّر عن حقيقة المكان؛ فقد حوّله الزمن إلى بلدة يسكنها التعب وتتآكلها الأطراف المبتورة، يسكنها أكثر من 400 مريض، تجاوز معظمهم الـ 60 من العمر، لا يزورهم أحد.

البيوت قديمة، ذات طابع معماري إنجليزي، يكسوها طلاء متشقق وتنسج العناكب على زواياها خيوطها. أما الزنازين التي كانت تستخدم قديمًا للعزل الصارم، فلا تزال قائمة، لكنها اليوم تحولت إلى غرف للنوم، أو مخازن، أو حتى مساكن لأسر المرضى، تشم فيها رائحة عفن قديم ممزوجة بأبخرة الدواء والمطهرات.

وفور الوصول، لن تجد أي مظهر من مظاهر التنظيم؛ لا استقبال واضح، ولا لافتات إرشادية، ولا نظام يحكم الحركة. المباني متفرقة، معظمها قديم ومتهالك، نوافذها محطمة، وأبوابها تُفتح وتُغلق بأدوات بدائية، أو تظل مفتوحة لعدم وجود أقفال.

الحياة هنا منعزلة. صعبة، بدائية، وقاسية. المسافات بين الغرف والعيادات طويلة ومكشوفة، عذابًا يوميًا للمرضى الذين بترت أطرافهم ففقدوا قدرتهم على المشي. البعض يزحف على الأرض الترابية بأيدٍ نهشها المرض وأجساد فقدت توازنها وقوتها. لا كراسِ متحركة، ولا عربات إسعاف، ولا حتى يد تمتد إليهم بالعون؛ مجرد صحراء تفصل بين نقطة وأخرى، ومرضى يجرّون أجسادهم بصبر يفوق الاحتمال.

الهدوء في هذا المكان ثقيل، لا يقطعه سوى وقع الأقدام المتعبة على الأرض الإسمنتية، أو ضحكات مفاجئة تنطلق من أحد العنابر، حيث يقيم المرضى في مجموعات أشبه بالعائلات البديلة. لا أحد هنا يسأل عن الماضي، فالأغلبية إما طُردوا من ماضيهم، أو اختاروا نسيانه خوفًا من الرفض. كل شيء بطيء، المشي، والكلام، وحتى الضحك.

ومع ذلك، تظل الحياة نابضة فيهم والظلمة ليست حالكة تمامًا، يواجهون عزلتهم بحب الحياة، أصوات الأطفال وهم يزورون جداتهم، يُزين بعضهم الغرف برسومات بسيطة، وآخرون يحتفلون بأعياد ميلاد بعضهم البعض، يُعلقون الزينة ويُدخلون البهجة والحياة إلى عنابرهم -حتى ولو ساعات قليلة مسروقة من الزمن- كأنهم يعيدون بناء عالمهم الصغير بأدوات متواضعة وقلوب لم تعرف اليأس بعد.

"إحنا عايشين هنا، مش محبوسين، بس محدش بيفكر فينا"، يقول أحد النزلاء، مبتسمًا بنصف وجه، هو نصفه المتبقي، وبنظرات لا شكوى فيها، بل تملؤها الدهشة، دهشته من نسيان البشر، وكأنه لا يعاتب العالم، بل يتعجب من صمته الطويل.

أم حسن

في ركن مهمل من محافظة القليوبية، خلف أسوار مستعمرة الجذام، تجلس أم حسن، بجسدٍ أنهكه المرض وصوتٍ يختلط فيه اليأس بالصبر. لم تعد تحصي الأيام، وهي لا تعرف حياةً خارج هذا المكان الذي دخلته قبل خمسين عامًا ولم تغادره إلى الآن.

"جيت هنا من 50 سنة، لا أم ولا أب ولا ليا حد في الدنيا. المستعمرة هنا، بيتي وكل ما أملك".. تقول أم حسن لـ فكّر تاني، بكلمات تُحدد كيف هي علاقتها بالعالم الخارجي. ولدت في محافظة قنا بمنطقة سيدي عبد الرحمن القناوي، لكنها لم تشعر بالانتماء إلا للمستعمرة التي عاشت فيها أغلب سنوات عمرها. جاءت إليها بعد وفاة والديها، جاءوا بها طفلة صغيرة، كبرت هنا، تزوجت وأنجبت وعاشت حياتها بالكامل داخل حدود المرض والتهميش.

"إحنا هنا منبوذين.. ماحدش بيسأل عنا، ومالناش أي قيمة، جوه هنا في المستعمرة أو براها".. في جملة واحدة، اختصرت أم حسن، شعور سكان المستعمرة حين يضطرون للخروج إلى المستشفيات أو للمصالح الحكومية. تحكي كيف حاولت استخراج بطاقة شخصية، لكنها طُردت من مكتب السجل المدني بعد انتظار لساعات طويلة: "ابني كان معايا، الموظف قاله ‘والدتك تخرج من هنا الأول!!".

لكن أسوأ ما تواجهه أم حسن لم يكن في الأوراق الرسمية، بل في الألم الإنساني، خاصة حين فقدت صديقتها "حياة"، التي تُوفيت بعد أن رفضت إحدى المستشفيات استقبالها بسبب حالتها. تقول بحرقة: "كانت عندها مرض في الكبد، راحت مستشفى الخانكة.. رفضوها، ولفظت أنفاسها الأخيرة عند البوابة".. وتستكمل: "بره المستعمرة، إحنا بلا قيمة.. واللي يصيبه مرض فوق المرض، مصيره حتمي.. الموت".

"أنا بزحف.. مبعرفش أمشي. وعدوني بكرسي متحرك من سنين طويلة لكن لسه ماشفتهوش. مفيش عون إلا من المتبرعين، والحكومة؟! لا بتسأل ولا بتعمل أي حاجة".

ولأم حسن، دعوة ورجاء.. تدعو من قلبها الرأفة والرحمة، وتوجه كلامها: "يا سيادة الريس، نرجوك بالله أن ترعانا، فليس لنا سوى الله وأنت من بعده. المستعمرة هنا، بيتنا، هنعيش ونموت فيها، كل اللي بنطلبه هو.. نعيش بكرامة!". تختتم أم حسن حديثها، بنظرة صامتة، وكأنها تدرك أن كلماتها قد لا تصل، لكنها لا تملك سوى هذا الصوت، في انتظار أن يجد من يسمعه.

ناصر عبد العال

وسط صمتٍ طويل يلف المكان، وملامح وجهٍ أنهكها الزمن والعزلة، بدأ ناصر عبد العال يحكي حكايته، التي لم تبدأ مع المرض، بل مع نظرة المجتمع القاسية. يقول ناصر، الذي يقيم في مستعمرة الجذام منذ قرابة أربعة عقود: "أنا مريض من 1986.. كنت وقتها في أولى إعدادي، كنت وقتها 13 أو 14 سنة تقريبًا، ولما بدأت أعراض المرض تظهر عليّ، بدأ زملائي في المدرسة يسخرون مني وينبذوني".

رسومات سلمى الطوبجي

يختصر ناصر سنوات عمره لـ فكّر تاني، قائلًا: "مكنتش قادر أعمل أي حاجة، مكنتش قادر حتى أمشي.. دخلت المستشفى وفضلت هنا من وقتها، مفيش شغل، لأنه مفيش خروج من هنا". "لكن.. الحياة موقفتش على الآخر".. داخل هذا المجتمع المغلق، تزوج ناصر من إحدى مريضات القسم المخصص للنساء، وأنجب منها أربعة أبناء. يقول بابتسامة ممزوجة بالفخر والحزن معًا: "جوزت بنتين، والبنت التالتة، لسه والدة قريب"، وكأن مشاعر الأبوة لديه، كانت -هي نفسها- طوق نجاته الوحيد في بحر العزلة.

أما عن الروابط الاجتماعية خارج المستعمرة، فيقول بصوت خافت: "لا أهلي بيزورونا، ولا أهل مراتي.. وإذا خرجنا للعيش خارج المستعمرة، فلن يزورنا أحد أيضًا".

عندما تسأل ناصر عن تفاصيل يومه، لا يتحدث عن جدول منتظم، بل عن يوميات أقرب للنجاة منها إلى الحياة. "احنا بنعتمد على أهل الخير.. فإذا أكرمنا الله، نُحضر الطعام". ومن أجل لقمة العيش، يعمل المرضى أنفسهم في مزارع بسيطة. "بنشتغل مقابل 15 أو 20 جنيه في اليوم.. ساعة واحدة بس في طراوة الجو، لأننا منقدرش نشتغل بعدها".

أما عن الزواج، فالعزلة قدر مفروض. يقول ناصر: "محدش من بره يرضى بالزواج منا". ثم يسرد قصته المؤلمة: "كان عمري 15 سنة لما جيت هنا، وصبحت 65. ولما قلت لوالدي رغبتي في الجواز، قال: بنت عمك موجودة. قلت: لا، هتجوز مريضة مثلي، حتى لا تعايرني ولا أعايرها". يتوقف لحظة ثم يضيف: "بكى والدي.. رحمه الله"، وكأن دموع الأب كانت أول اعتراف بالعزلة التي لا مفر منها.

"لا تأخذوا منا البيت الأخير"

لم يترك الجذام فيهم أثرًا طبيًا، وجرحًا نفسيًا لا يندمل. حتى بعد الموت، تظل الوصمة قائمة. فيموت الإنسان هناك، في تلك المستعمرة، ولا يجرؤ أهله على استلام جثمانه، فالخوف من العار أقوى من روابط الدم. حيث تُدفن الجثث بصمت، تمامًا كما عاش أصحابها.

خوف من الأهل.. خوف من الإخلاء. لم يكن نبذ المجتمع كافيًا لتعذيب مرضى الجذام، حتى الأقارب يتهربون من لقائهم خوفًا من "العار". يحكي أحد السكان عن رجل كان يخرج كل يوم في منتصف الليل ليزور شقيقته: "كان بيمشي الساعة اتناشر بالليل، ويرجع قبل الفجر، عشان محدش من أهل البلد يشوفه".

لكن الأزمة لم تقف عند حدود الإقصاء الاجتماعي، بل امتدت لتصبح خطرًا وجوديًا يهددهم: الإخلاء القسري. يقول أحدهم: "بلغونا إن العزبة كمان هتتزال"، مشيرًا إلى قرار -لم يُؤكد رسميًا بعد- بإزالة المستعمرة ومُلحقاتها. ويسأل بصوت يملؤه الذعر: "لو خرجونا من هنا هنروح فين؟!". يتساءل آخر: "فيه ناس في المستشفى ملهاش إلا السرير، هيروحوا فين؟"، مطالبًا بأبسط حقوق الإنسان: البقاء حيث يمكنهم العيش.

يقول أحد المقيمين القدامى: "إحنا زي السمك، لو خرج من الماية يموت. إحنا كده، لو اترمينا بره المستعمرة نموت".

"أنا لفيت الدنيا كلها، والله ما ريّحني حاجة قد الرصيف ده جوه المستعمرة". بهذه الكلمات يكمل أحدهم حديثه. لم يكن يقصد رفاهية، بل الطمأنينة التي لا يمنحها علاج. يحكي: "صاحب القهوة اللي هناك، أبوه وأمه وجده كانوا مرضى، فلما بقعد، محدش منهم بيقولي امشي أو يداري وشه. أمد رجلي على الكرسي وأقعد.. هو ده الأمان الحقيقي". داخل المستعمرة، لا يحاسبك أحد على يدك المشوهة. أما في الخارج، فالأمر مختلف.

"جوه بنجري ونضحك، بس أول ما نخرج.. بنداري وشوشنا وإيدينا، ونخاف على نفسنا من بصات الناس". داخل المستعمرة، يشعر المصابون بالجذام بشيء يشبه الحياة. لكن ما إن يعبروا بوابتها، حتى يتحول المرض إلى تهمة.

"أنا هنا من سنة 1981... قضيت 44 سنة في المستعمرة، اتعودت على المكان، وعلى الناس، وعلى الرصيف اللي بقعد عليه كل يوم. ده بيتي، ولو خدتوه مني، مش هلاقي مكان أعيش فيه". بهذه الكلمات المليئة بالرجاء، يصف أحد السكان شعوره تجاه المكان الذي لم يعد مجرد ملجأ، بل صار "البيت الأخير".

يقول لـ فكّر تاني، وهو يشير إلى المباني القديمة: "الناس هنا من سنين، فيه اللي قضى سبعين سنة، وفيه اللي مات واندفن هنا. متشيلوش المستعمرة.. ملناش إلا الحتة دي؟". ثم يلخص كل شيء بجملة واحدة: "مش بنطلب إلا حاجة واحدة: سيبولنا المستعمرة، متشيلوهاش، احنا ارتحنا هنا، ومش هنرتاح إلا فيها".

رسومات سلمى الطوبجي

الوصمة ليست العدو الوحيد

هذا التشبث اليائس بمكان يفيض بالألم وبالإهمال يطرح سؤالًا: إذا كانت الوصمة المجتمعية هي العدو الوحيد، فلماذا يبدو النظام الصحي داخل المستعمرة وكأنه مصمم لإبقائهم في عزلتهم بدلًا من شفائهم؟ شهادة حصرية من قلب المنظومة تكشف في الجزء القادم أن ما يحدث خلف الأسوار ليس مجرد إهمال، بل هو نظام كامل يعمل بقواعده الخاصة.

لقراءة الحلقة الأولى: مستعمرة أبو زعبل 1| وعود بـ "صفر جذام".. وواقع مبتور الأطراف

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة