في حسابات خفض الفائدة.. من الرابح والخاسر؟

تترقب علياء السيد، ربة منزل، تطور أسعار الفائدة بقلق فكل المبالغ التي يرسلها لها زوجها العامل في مزرعة دواجن بالسعودية بصورة شهريًا تحولها لشهادات بنكية تحسبا لمرحلة ما بعد عودته من الخارج، والتي لن يستطيع خلالها الحصول على فرص عمل في مصر بسهولة.

حال “علياء”، التي تبلغ 35 عامًا ولديها ثلاثة من الأبناء، كحال ملايين العائلات المصرية التي تعيش على فائدة مدخراتها، وتخشى أن يواصل البنك المركزي سياسة التيسير النقدي التي تخدم النمو الاقتصادي وتوسع الشركات في الاقتراض لكنها تضر في الوقت ذاته القطاع العائلي الذي يعيش على مدخرات البنوك.

يستحوذ القطاع العائلي على 58.3% من إجمالي ودائع البنوك البالغة 14.15 تريليون جنيه، دون احتساب ودائع البنك المركزي، وتتركز غالبية تلك الودائع بالجنيه المصري، مع ودائع دولارية قليلة لا يتجاوز قيمتها ما يعادل 1.8 تريليون جنيه.

ارتفع إجمالي الودائع غير الحكومية بالعملة المحلية لدى البنوك العاملة في السوق المحلية إلى 8.600 تريليون جنيه بنهاية يونيو الماضي مقابل 8.432 تريليون جنيه بنهاية مايو، بارتفاع 167.761 مليار جنيه، وفق أحدث بيانات البنك المركزي المصري، ما يؤكد على ضخامة مدخرات القطاع العائلي المصرفية.

يخشى القطاع العائلي، الذي يضم فئاتًا عريضةً من أهالي المصريين بالخارج والمحالين على المعاش الذين يدخرون طوال تاريخهم الوظيفي من أجل مجابهة انخفاض الراتب بعد سن الخامسة والستين، من توجه البنك المركزي نحو المزيد من التيسير النقدي كما هو متوقع، بعدما خفض الفائدة ثلاث مرات منذ بداية 2025.

ارتفاع ودائع القطاع العائلي.. وضع غير صحي

يقول مسؤول مصرفي بارز إن القفزات الكبيرة في ودائع القطاع العائلي أمر غير صحي، فنسبته لا يجب أن تزيد على 30% من الودائع، على أن تكون النسبة الأكبر للقطاع الخاص والاستثماري الذي يقود عملية التنمية والتشغيل والتوظيف.

في عام 2020 احتل القطاع المصرفي المصري المركز الأول بين القطاعات المصرفية العربية من حيث الزيادة في حجم الودائع، إذ ارتفعت حينها بنحو 15.2% إلى 44 مليار دولار، بسبب تراكم الودائع والمدخرات لعدم قدرة البنوك على منح القروض وزيادة استثماراتها.

ويضيف المسؤول المصرفي – لـ فَكّر تاني – أن الودائع سجلت ارتفاعات كبيرة بسبب عائد الشهادات مرتفعة العائد التي تم إصدارها لمجابهة التضخم في أعقاب القرارات الإصلاحية في سوق الصرف، فلم يسحب أصحاب تلك الشهادات فوائدها وتركوها بالبنوك أو أعادوا استثمارها في شهادات جديدة، لعدم امتلاكهم الخبرة في الاستثمار.

وقد جذبت الشهادات مرتفعة العائد التي طرحتها البنوك الحكومية بعد التعويم أكثر من 28 مليون مواطن، بإجمالي مدخرات تناهز 800 مليار جنيه، وفضل البعض تدوير الفائدة المستحقة عليها وإعادة استثمارها بدلًا من سحبها.

مصطفى عادل
مصطفى عادل

مصطفى عادل، الخبير المالي، يوضح أن المتضرر الوحيد من خفض الفائدة هو القطاع العائلي الذي يعتمد على فوائد البنوك والشهادات لترتيب احتياجاته الأساسية والمعيشية في ظل تقلص واضح للتوعية بأدوات الادخار والاستثمار الأخرى.

ويضيف لـ فَكّر تاني، أن معدل الفائدة الحقيقي الذي يحصل عليه المواطن يأتي من خصم التضخم من الفائدة البنكية، فيكون العائد الحقيقي هو أقل من 10%، وهو رقم تحول لمعدل إيجابي بعد فترة طويلة من فائدة سلبية، برغم ارتفاع العائد على الورق (بسبب نسبة التضخم المرتفعة حينها).

كانت معدلات التضخم قد سجلت مستويات قياسية في نوفمبر 2023 حينما بلغت 36.5%، بحسب بيانات جهاز التعبئة العامة والإحصاء الحكومي، وفي الوقت ذاته طرحت البنوك الحكومية شهادات بعائد 27%، ما يعني أن الفائدة الحقيقية كانت سلبية بنسبة تقترب من 10% حينها.

كيف تتأثر البنوك؟

مثلما يتضرر صغار المودعين من خفض الفائدة، ستتضرر البنوك أيضًا ومن المتوقع تأثر أرباحها بانخفاض العائد على الدين الحكومي باعتبارها الدائن الرئيسي؛ فالبنوك أكثر جهة تقرض الحكومة واستفادت من حاجة الحكومة للاقتراض في صورة أذون خزانة بدءًا من آجال 91 يومًا وحتى 364 يومًا مع عائد وصل على الـ91 يومًا إلى 32% في كثير من الأوقات.

تخفيض الفائدة قد يؤدي أيضًا لتسرب بعض الودائع من البنوك للاستثمار في أدوات استثمارية أخرى أو حتى توجيهها للاستهلاك بشكل واضح، لكن لا يزال الرهان على أن أسعار الفائدة في السوق المحلي على كافة المنتجات المصرفية ما زالت لها جاذبية خاصة للمواطن المتحفظ الذي لا يريد المخاطرة، وهي الفئة الأكبر بين القطاع العائلي في مصر.

يقول المسؤول المصرفي إن البنوك ستستفيد في المقابل بزيادة حجم القروض المصرفية، وبشكل خاص القروض العقارية وقروض السيارات، ما يؤدي إلى زيادة المبيعات ودوران عجلة الإنتاج من جديد، أي أن البنوك ستتوسع في إقراض القطاع الخاص بدلًا من التركيز على إقراض الحكومة.

وتوسعت البنوك على مدار العقد ونصف الماضية في إقراض الحكومة بدلًا من القطاع الخاص الذي انكمش في فترات طويلة بسبب سعر الصرف والتداعيات الأمنية والاقتصادية حينها وجائحة كورونا. ففي عامي 2009/ 2010 كانت الحكومة والقطاع العام يحصلان على 46% من الائتمان المصرفي، وقطاع الأعمال الخاص كان يحصل على 42% من الائتمان المصرفي، بمعنى أنهم كانوا متقاربين في نسبة ما يخصص لهما، والـ12% الباقية للقطاع العائلي.

محمد الإتربي
محمد الأتربي

في المقابل، تغيرت النسب في عام 2020/ 2021 لتحصل الحكومة والقطاع العام على ما يقرب من 70% من إجمالي الائتمان، بينما لم تزد نسبة قطاع الأعمال الخاص على 22%، والقطاع العائلي على 10% من إجمالي الائتمان (إجمالي القروض).

ويقول محمد الأتربي، رئيس البنك الأهلي المصري، إن الأهم ليس الفائدة ولكن التضخم. “أنا مش هافرح بسعر فائدة عالي 30%، والتضخم عدى 38%.. دلوقتي انخفض التضخم إلى دون 13%، وبالتالي لما بيـأخد فائدة 17% بيأخد عائد بالموجب وكل لما الأسعار هتنزل، العائد هيكون إيجابي أكتر.. الـ17% أبرك من الـ30% في تضخم أعلى من 30%”.

من المستفيد من خفض الفائدة؟

وبحسب عادل، فإن وزارة المالية هي المستفيد الأول من خفض الفائدة، فقرار الخميس بخفضها 2% يوفر على الموازنة العامة للدولة قرابة 160 مليار جنيه، وإذا لم يخفض البنك المركزي الفائدة منذ بداية العام بنسبة إجمالية قدرها 5.25% كانت الموازنة العامة ستتحمل 420 مليار جنيه فوائد.

ويبلغ حجم التمويل المطلوب في الموازنة العامة للعام الحالي حوالي 3.6 تريليون جنيه لتغطية عجز الموازنة العامة وأقساط القروض المطلوب سدادها خلال 2025-2026، ولسد الفجوة التمويلية، تعتزم الوزارة إصدار أدوات دين محلية جديدة بقيمة 2.2 تريليون جنيه، في صورة أذون وسندات خزانة ذات فائدة مرتفعة.

وتبلغ فوائد الديون في العام الحالي الذي ينتهي في يوليو 2027 نحو 2.2 تريليون جنيه، ما يمثل حوالي 50.2% من المصروفات العامة، لكن وزارة المالية تراهن مع خفض الفائدة على تراجع دين أجهزة الموازنة من 89.4% في يونيو 2024 إلى 85.6% من الناتج المحلي في يونيو الماضي.

ويضيف عادل أن القطاع الخاص مستفيد أيضًا؛ فخفض الفائدة يسهم في تعزيز قدرة الشركات والمصانع والمؤسسات للتوسع وذلك بخفض أعباء الاقتراض، ومع انخفاض سعر الدولار والفائدة يجب أن نرى انخفاضًا ملحوظًا في الأسعار بشكل عام، ولكن التحوط والتخوف سيظل مسيطرًا لفترة على المنتجين، من وجهة نظره.

وسجل مؤشر مديري المشتريات في مصر الصادر عن “إس آند بي جلوبال” 49.5 نقطة في يوليو الماضي من 48.8 نقطة في يونيو، لكنه ما زال دون مستوى 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش للشهر الخامس على التوالي، ما يؤكد استمرار انكماش القطاع الخاص الذي تقول الحكومة إن نسبته زادت إلى 65% من إجمالي الاستثمارات.

شعار البنك المركزي
شعار البنك المركزي

البورصة تستفيد.. وطروحات الحكومة أيضًا

من أبرز الجهات المستفيدة بخفض الفائدة أيضًا البورصة؛ فالعلاقة بينها وبين أسعار الفائدة عكسية، أي أنه كلما ارتفعت الفائدة تهبط البورصة والعكس، لأنها قد تجذب بعض الأموال للخروج من البنوك بحثًا عن عائد أعلى.

ويخدم خفض الفائدة أيضًا برنامج الطروحات الحكومية لشركاتها في البورصة عبر تدفق الأموال الجديدة إليها، إذ تخطط الحكومة لطرح 10 شركات على الأقل خلال عام 2025، بينها بنكا الإسكندرية والقاهرة، وشركات “وطنية” و”صافي” و”شل أوت” و”سايلو”، بجانب حصص في محطة رياح جبل الزيت، وشركة الأمل الشريف للبلاستيك، ومصر للصناعات الدوائية، وشركة “سيد” للأدوية.

من شأن “التيسير النقدي” أن يحمل تأثيرًا إيجابيًا على خلق وظائف جديدة أو على الأقل الحفاظ على مستوى العمالة عند الحدود الآمنة، من خلال تخفيض معدلات البطالة، فكلما انخفضت الفائدة اقترض رجال الأعمال من أجل التوسع في السوق وتدشين وحدات جديدة، ما يزيد الطلب على العمالة.

أحمد العطيفي
أحمد العطيفي

يوضح الخبير المالي أحمد العطيفي، أن خفض الفائدة له تأثير مباشر وإيجابي على تقييم أسهم الشركات في البورصة، فشرح أن العلاقة بينهما عكسية تمامًا؛ فكلما انخفض سعر الفائدة، ارتفعت القيمة العادلة للأسهم.

ويضيف في حديثه لـ فَكّر تاني، أن هذا التأثير ينعكس على ما يُعرف بـ “نموذج تسعير الأصول الرأسمالية” (CAPM)، وهو ببساطة المعادلة التي يستخدمها المحللون لتقدير السعر الحقيقي والمستحق للسهم. فعندما تنخفض الفائدة البنكية، يصبح العائد من البورصة أكثر جاذبية للمستثمرين، مما يدفع قيم الأسهم للارتفاع.

ويقلل خفض الفائدة أيضًا مما يسمى بـ “متوسط تكلفة التمويل” (WACC)، أي أن تكلفة اقتراض الشركات لأموال بهدف التوسع تصبح أرخص. وهذا الوفر في التكلفة يترجم مباشرة إلى زيادة في “نصيب السهم من الأرباح” (EPS)، وهو ما يعني في النهاية أرباحًا أعلى للمستثمرين.

كذلك، لا يقتصر التأثير الإيجابي على البورصة فقط، بل يمتد إلى استقرار سعر الصرف، بحسب العطيفي، الذي يؤكد أن هذا الاستقرار مرهون بشرط أساسي وهو استمرار توافر الدولار في الأسواق.

ويوضح أن الأثر الأسرع يظهر فيما يعرف بـ “العقود الآجلة للجنيه”، وهي اتفاقات مالية تعكس توقعات المستثمرين لقيمة العملة في المستقبل. فانخفاض الفائدة في مصر بالتزامن مع توجهات خفضها في أمريكا، يعزز من قيمة الجنيه في هذه العقود المستقبلية، وهو ما يعد مؤشرًا قويًا على ثقة الأسواق في مرونة السياسة النقدية المصرية.

وهكذا، يظل قرار خفض الفائدة سلاحًا ذا حدين، يرسم ملامح مرحلة اقتصادية جديدة بمعادلة صعبة. ففي كفة الميزان، يضع آمالًا عريضة للنمو وتخفيف أعباء الدين عن كاهل الدولة وفتح شهية القطاع الخاص للاستثمار والتوظيف. وفي الكفة الأخرى، يضع ضغوطًا حقيقية على مدخرات ملايين الأسر المصرية، التي تجد في قصة “علياء” نموذجًا لقلق مشروع من مستقبل قد تتآكل فيه قيمة ما ادخرته طوال سنوات. إنه التحدي الأبرز بين تحريك عجلة الاقتصاد الكلي، وضمان أمان الشبكة المالية لأصغر وحداته.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة