مواسم شيطنة عبد الناصر 2-2

نتفق إذن على أن الديكتاتورية، قد مثَّلت كبيرة كبائر عبد الناصر و”أصل الدنس” في تجربته، فحتى ما ألقينا عليه الضوء من ظروف تاريخية قد أسفرت عن ذلك، أو تسببت فيه جزئيًا أو كليًا، لم يتوخَ التبرير والتبرئة بل التفسير والتعليل.

ولعلي لا أجافي الحقيقة، حين أعترف من باب النزاهة والموضوعية، أن شيئًا كثيرًا مني يميل إلى الراحل الكبير، ونفسي رغم خلافاتي وإياه تنزع إليه، مما يصبغ رأيي بالقطع، فالكتابة ليست فعلًا باردًا محايدًا، إذ يستأثر بها الهوى، وليس بإمكان الكاتب إلا أن يحاول مغالبة ذاتيته بقدر ما، وذاك القدر يزيد أو ينقص حسب طاقته وجهده، لكنه لن يبلغ الموضوعية المطلقة أبدًا.

على أي حال، فإلى جوار خطيئة الديكتاتورية، التي كان إبراهيم عيسى يُجَمِّلها بعبارة: “الوجه غير الديمقراطي للتجربة الناصرية”، ذلك قبل أن يعمل لدى قناة “الحرة” الأمريكية، فإن الهجوم الأشد على ناصر يتركز في أنه “النكسجي”، الذي حدت به أوهامه وافتتانه بذاته وجنون عظمته، إلى إلقاء الجيش في أتون معركة، كسرت الكبرياء الوطنية، وأُهدِرت فيها أرواح عشرات الآلاف من شباب مصر.

اقرأ أيضًا: مواسم شيطنة عبدالناصر 1-2

حتى عمرو موسى حين أراد انتقاده رماه بأن ديكتاتوريته وفرديته المطلقة، قد أفضت إلى الهزيمة، مضيفًا أن تداعياتها لا تزال تُؤثِّر بالسلب على الأمة العربية حتى اللحظة الراهنة.

لكن.. ومع الاعتراف بما أسفرت عنه هزيمة يونيو من تداعيات كارثية، فهل من المنطقي ومن المقبول أن تبقى تلك التداعيات ماثلة و”مؤثرة بالسلب”، بعد انقضاء نحو 60 عامًا؟

هي أمة مهزومة ومأزومة حتى الآن

واقع الأمر أن أمةً لا تستطيع تجاوز تداعيات هزيمة ضاربة في أعماق تاريخها إلى ذاك العمق، هي أمةٌ معتلةٌ بمرض حضاري عضال، ولم تجد له بعد ترياقًا ناجعًا.

اليابان وألمانيا والصين مثلًا، تجاوزت في ومضات تاريخية خاطفة هزائم أشد من هزيمة يونيو، واستطاعت أن تنبعث من رماد النيران، لتغدو أرقامًا سياسية واقتصادية بالغة الأهمية على خريطة العالم.

لماذا فشلنا نحن في حين نجح الآخرون؟

جمال عبد الناصر
جمال عبد الناصر

سهلٌ أن يقال: إنه “النكسجي” الذي أخذنا إلى “ستين داهية”، وسهلٌ أن نتجمهر أمام ضريحه فنرجمه بالحجارة، فكذلك نتلافى مواجهة أنفسنا بحقيقة أننا مهزومون ومأزومون لأسباب “منا وفينا”؛ أسباب متجذرة في حياتنا الراهنة، أكثر مما تعود إلى ماضينا.

لو كان تهافت الأمة العربية إجمالًا، وضعف مصر بصفة خاصة، هو ميراث “النكسجي الملعون”، فلماذا لم نتخطَ هذا الميراث بعد حرب السادس من أكتوبر وما تلاها من مبادرة “بطل الحرب والسلام” حين هبطت طائرته الرئاسية مطار بن جوريون؟

جزء من الرغبة في تحطيم ناصر، وكثير من المعاول التي تهوي عليه، إنما تعود إلى “خيبتنا القوية” الراهنة، وهي خيبة نتهرب من الاعتراف بها، ونتعاطى معها بآليات الإنكار المتعارف عليها كوسائل نفسية دفاعية، للتخلص من وخزات الشعور بالتقصير.

الشعب الذي يرقص في الاستحقاقات الانتخابية اليوم، رغم يقينه أنها بغير جدوى، هو هو ذات الشعب الذي كان يهتف في الخمسينيات: “تسقط الديمقراطية يعيش عبدالناصر”.. فلا تقل لي إنه مؤسس الشمولية القمعية في العالم العربي.

تأليه “أولي الحكم” جزء أصيل من سيكولوجية الجماهير العربية، فكل من يجلس على العرش، ومهما كان تافهًا ضحلًا، يستحيل حكيم الحكماء وفيلسوف الفلاسفة وأديب الأدباء وفقيه الفقهاء وخطيب الخطباء وطبيب الأطباء.. إلى آخره.

المخلصون من دعاة الديمقراطية حتى اليوم، لا يمثلون نسبة وازنة في معادلات الحياة السياسية العربية، وهم يُقْمَعُون من القواعد الشعبية أكثر مما يقمعهم “القامعون بأمرهم”، من أصحاب الجلالة والسمو والفخامة.

كان ناصر ديكتاتورًا في مناخ مجتمعي لا يرفض السلطة المطلقة، ولا يعدها مفسدة مطلقة، وهو مناخ لا يزال مستأثرًا بالواقع العربي.

أما فيما يتصل بتداعيات الهزيمة التي يراد إلصاق خيباتنا على جدرانها، فيقيني أن ناصر المهزوم في الخامس من يونيو لم يمت مهزومًا، بل نجح في “محو آثار العدوان” نجاحًا يبدو إعجازيًا بالنظر إلى فداحة الهزيمة، التي ادعى العدو أنه مصر تحتاج نصف قرن، حتى تبرأ منها.

هذه حقيقة لا تقبل القسمة على اثنين، والغريب أن الذين يعلقون في عنقه كل سلبيات الأمة الراهنة، ويُحيلون تراجعها الحضاري إليه وحده، لا يلتفتون إلى ما بعد الهزيمة من حرب استنزاف، يعترف قادة العدو بأنها كانت مريرة وطويلة ومؤلمة.

شهادات الصهاينة عن حرب الاستننزاف

يتعامى الكثيرون مع سبق الإصرار عن الحقائق، لأنهم يرومون تشويه ناصر وكفى، ولتذهب الموضوعية اللازمة حتمًا لأي عملية نقد تاريخي إلى الجحيم، ولا حرج في التشدق بأن الرجل الذي اعتبرته دوائر صنع القرار الصهيونية، الخطر الأكبر على “دولة إسرائيل”، هو “أبو الهزائم”.

تنصف كتابات قادة العدو الصهيوني ناصر، إلى درجة أن وزير دفاع إسرائيل الأشهر؛ موشيه ديَّان يقول في مذكراته الموسومة “قصة حياتي”: “كان عنيدًا، وكان يعرف أن فرصته الوحيدة لاستعادة سيناء، أن ندفع ثمنًا باهظًا من الخسائر البشرية.. ولقد نجحت مصر عبر القصف المتواصل على قناة السويس في إنهاكنا، وكان دخول صواريخ “سام” السوفيتية الجبهة متغيرًا كبيرًا، إذ انتقلنا من موضع الهجوم إلى الدفاع، وأصبح سلاح الجو أقل قدرة على العمل بحرية”.

وفي السياق ذاته، يقول رئيس المخابرات الحربية، ورئيس إسرائيل الأسبق؛ حاييم هرتسوج، في كتابه “الحروب العربية الإسرائيلية”: إن حرب الاستنزاف كلَّفتنا غاليًا؛ أكثر من 700 قتيل وآلاف الجرحى، والأسوأ من ذلك أنها هزت ثقتنا في أننا لا نُقهر”.

لكن حتى شهادات الإسرائيليين، لا تضع “حصوة ملح” في عيون كارهي ناصر العرب، الذين يحملون المعاول لا لهدمه هو، فالرجل بين يدي بارئه، وإنما لهدم الفكرة المعنوية التي يمثلها، وذلك لا يفيد إلا عدوهم الذي يبدو أنهم لم يعودوا يحسبونه عدوًا.

في زمن اتفاقيات “إبراهام”، وبينما لا تستنكف أنظمة عربية عن المشي على أربع لإرضاء إسرائيل، ولا تستنكف أخرى عن تعزيز العلاقات الاقتصادية معها، بينما يرتكب جيشها ضد أشقائنا في غزة، جرائم إبادة جماعية فاقت النازية وحشية.

وفي عصر رفع الرايات البيضاء، وربما “الحمراء” والانصياع لشهوات نتنياهو التوسعية وأضغاث أحلامه التوراتية، لا مناص من نبش قبر الرجل الذي لا تزال أفكاره خطرًا على العدو، ولا تزال مواقفه تلهم مبادئ الصمود.

هؤلاء هم أعداء الزعيم

حملات على السوشيال ميديا، ومقالات في صحف، وبرامج تلفزيونية عبر فضائيات الرجعيات النفطية عامةً، والسعودية بوجه خاص، فضلًا عن الإعلام الإخواني الذي يضمر للرجل كراهية سوداء ومشاعر سامة، والإعلام المعروف بميوله الغربية والصهيونية، ولا نقول الليبرالية.

وينضم إلى ما سبق، ثُلة من البسطاء أو الحمقى ممن لم يطلِّعوا على حرف من التاريخ، فضلًا عن الذين يناهضون الرجل من منطلق رفضهم الأيديولوجي لأفكاره، وهؤلاء هم الأشرف أخلاقًا والأنقى طوية من بين كل خصومه.

نعم.. ليس لائقًا اتهام كل معارضي ناصر، بأنهم رجعيون أو “متصهينون” أو إسلاميون، فتلك نبرة إقصائية قبيحة، ولا تمت إلى أخلاقيات الخلاف السياسي من قريب أو بعيد، لكن ذلك لا ينفي أن كثيرًا منهم، إن لم يكن معظمهم “غير أخلاقيين”.

واللافت أن الهجوم الذي كان موسميًا؛ في ذكرى ميلاده ووفاته وهزيمة يونيو وثورة يوليو تحديدًا، قد غدا متصلًا لا ينقطع، فإذا بناصر؛ شاغل الدنيا ومالئ الناس حيًا وميتًا، في مرمى السهام إبَّان إقبال وإدبار الليل والنهار.

رحل ناصر منذ 55 عامًا، وطوال هذه الأعوام لم تكف المعاول عن استهدافه، ولم يتوقف “حمَّالو الحطب” عن نثر الأشواك والقاذورات بغية تشويه تجربته بأسرها.

محمد نجيب وجمال عبد الناصر (أرشيفية - وكالات)
محمد نجيب وجمال عبد الناصر (أرشيفية – وكالات)

المطلوب من ذلك أن يتسرب إلى الوعي الجمعي العربي أن: “بطلكم كان محض مسدس صوت ومجرد نكسجي مهزوم دائمًا وأبدًا”.

ومع تقويض المثال تفقد الأمة الأمل والثقة معًا في قدرتها على استعادة نفسها، فتتجرع طوعًا كؤوس اتفاقيات “إبراهام” المسمومة، وتستسيغ هزيمتها تحت شعار: السلام مقابل السلام، وترضخ مستكينةً كالخراف تحت سكاكين القصَّاب الصهيوني.

ملايين أريقت لترسيخ ذلك، وربما مليارات، وأكاذيب فاحشة تناسلت من رحم أكاذيب، لهدم “رمز الأمة” في التصدي للصهيونية، والاعتصام بحبل الاستقلالية الوطنية.

بعد عبدالناصر، ومنذ أطلق السادات مقولته الانهزامية اللزجة: “99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا”، وإبرامه معاهدة كامب ديفيد، لم تعرف الأمة العربية بأسرها الحد الأدنى من الاستقلالية والكرامة الوطنية، اللتين كان ناصر حريصًا على عدم خدشهما.

قد يقولن قائل: إن السادات لم يأتِ شيئًا باستثناء تغيير بوصلة مصر من الشرق إلى الغرب، لكن هذا تدليس لتسويغ الانهزامية، وتكفي شهادات السياسيين السوفيت لنفيه كليًا.

من أبرز تلك الشهادات؛ شهادة المستعرب الكبير ورئيس وزراء روسيا الأسبق؛ يفجيني بريماكوف الذي يقول في كتابه “الشرق الأوسط.. ماضٍ وحاضر”: “لم يسمح عبدالناصر أبدًا بأن تبدو مصر دولةً تابعة، لقد كان شديد الحساسية تجاه ما يمس الكرامة الوطنية، وكان حين يطلب السلاح يطلبه باعتباره شريكًا”.

كلامٌ لن يعجب شيعة التطبيع وحواريوه، وأنصار “السلام الدافئ”، ومنهم مثلًا أنيس منصور الذي صب الحميم مصهورًا فوق رأس الزعيم الراحل، فقال فيه أكثر مما قال مالك في الخمر، وذلك في كتابه الذي لا تعرف أوله من آخره: “ناصر المُفتَرَىَ عليه والمُفترِي علينا”، وفيه ادعى كذبًا وزورًا أنه محاولة جادة للتأريخ.

ولعل اختزال منطق منصور ومنطق الكثيرين من أعداء ناصر، يتبدى في عبارة متهافتة تافهة سجلها في ذاك الكتاب: “أذكر أنه في العدد الأول من مجلة الجيل، بعد تأميم الصحافة أن الغلاف كان لفتاة ارتدت العفريتة، ووقفت أمام إحدى الآلات.. الملابس دميمة والفتاة قبيحة والألوان تعيسة”.

لم يرَ منصور الذي كان بدأ مسيرته الصحفية بحكايات الجن والعفاريت، أن صورة الفتاة التي ترتدي العفريتة، أجمل كثيرًا من صور الرقَّاصات على ملصقات دعاية “كابريهات” شارع الهرم، في عصر الانفتاح الذي كان يعتبره من إنجازات الزعيم المؤمن.

كذلك يجافي النقد الموضوعية فيجنح إلى التشويه، لكن كثيرًا ما يَرُدُّ الناقدون -دون وعي- الفضل لروح “الفكرة الناصرية”، التي نحتاج بحقٍّ أن نبعث عوامل قوتها اليوم، أكثر من أي وقت مضى.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة