"غزة غير صالحة للسكن".. لماذا هو مصطلح إسرائيلي بامتياز؟

تقف إسرائيل عند مفترق طرق تاريخي، ممزقة بين شوارع تغلي بغضب مئات الآلاف المطالبين بإنهاء الحرب وعودة الرهائن، وحكومة تبدو عازمة على المضي قدمًا في هجوم واسع النطاق على مدينة غزة. ففي 17 أغسطس الجاري، خرج نصف مليون إسرائيلي في إضراب عام واحتجاجات هي الأضخم منذ 7 أكتوبر، لكن هذه الصرخة الشعبية لم تحرك ساكنًا لدى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحلفائه، الذين يتهمون المتظاهرين بـ"مساعدة حماس".

إسرائيليون يحتجون في تل أبيب للمطالبة بصفقة مع حماس وتحرير الرهائن (وكالات)
إسرائيليون يحتجون في تل أبيب للمطالبة بصفقة مع حماس وتحرير الرهائن (وكالات)

هذا الصدام العنيف بين المجتمع وقيادته يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا تستمر آلة الحرب في الدوران بأقصى قوتها رغم المعارضة الداخلية المتصاعدة وتحذيرات المؤسسة العسكرية نفسها؟ بينما تكمن الإجابة في شبكة معقدة من الشروخ السياسية والمصالح الشخصية التي تدفع بإسرائيل نحو الهاوية، وتصنع في غزة واقعًا كارثيًا يتم استغلاله لتبرير مخططات أيديولوجية أعمق وأخطر.

حسابات نتنياهو وأمن إسرائيل

وفقًا لتحليل معمق أصدره المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI)، فإن قرار المضي قدمًا في الحرب لا ينبع من ضرورات الأمن القومي، بل من حسابات بقاء سياسي بحتة. فنتنياهو، بحسب خبراء المعهد، يبحر بين اعتبارات متضاربة: ضغط شعبي هائل لإعادة الرهائن، وضغط يميني متطرف داخل ائتلافه الهش لاحتلال غزة بالكامل، وموقف متذبذب من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

نوا شوسترمان ديفير
نوا شوسترمان ديفير

وفي مواجهة هذه الضغوط، يختار نتنياهو استراتيجية "تأجيل القرارات الصعبة وشراء الوقت"، كما تشير نوا شوسترمان ديفير، مديرة في معهد MIND Israel.

هذا التكتيك السياسي يتجاهل تمامًا كل اعتبارات المؤسسة الأمنية، وأهمها تحذير رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي، الجنرال إيال زامير، من أن إعادة احتلال مدينة غزة سيخلق "فخ موت" للجنود ويعرض حياة الرهائن المتبقين للخطر، والذي حث نتنياهو على قبول صفقة وقف إطلاق النار.

جاي زيف
جاي زيف

لكن الصدام بين نتنياهو والمؤسسة الأمنية ليس جديدًا، وقد اتسع منذ 7 أكتوبر، حيث يسعى رئيس الوزراء، كما يرى جاي زيف من الجامعة الأمريكية، إلى "تسييس مؤسسات الأمن القومي" عبر استبدال كبار المسؤولين بموالين له، مما يقوض قدرة إسرائيل على مواجهة التهديدات المستقبلية.

يزيد من تعقيد هذا المشهد أزمة قانون تجنيد الحريديم (اليهود المتشددين)، التي دفعت حزبي "شاس" و"يهدوت هتوراة" إلى الانسحاب من الحكومة في يوليو، محولة إياها إلى حكومة أقلية. ورغم أن هذين الحزبين لن يصوتا ضد الائتلاف الذي يحمي مصالحهما، فإن الأزمة تكشف مدى هشاشة الوضع، وتجعل نتنياهو أسيرًا لشركائه الأكثر تطرفًا للبقاء في السلطة.

وهذا الشلل الداخلي هو المحرك الذي يغذي نيران الحرب، ويخلق على الأرض دمارًا ماديًا هائلًا، لكن أبعاد هذا الدمار تتجاوز ما هو مرئي.

رئيس حزب شاس، أرييه درعي، وعضو الكنيست، موشيه غافني، ارشيفYonatan Zindel/Flash 90
رئيس حزب شاس، أرييه درعي، وعضو الكنيست، موشيه غافني، أرشيفYonatan Zindel/Flash 90

من الفعل إلى التبرير

هذا الدمار الواسع، الذي يبدو نتيجة مباشرة للشلل السياسي في إسرائيل، ليس مجرد أضرار جانبية للحرب. إنه يتحول بسرعة إلى أساس لسردية أيديولوجية أوسع، يتم من خلالها إعادة تأطير وتبرير ما يحدث في غزة. هنا، يتحول المشهد من تحليل سياسي لتصرفات حكومة في أزمة، إلى تفكيك خطاب يهدف إلى تجريد مكان بأكمله من أهله وتاريخه ومستقبله.

التحليل الذي يقدمه الباحث الفلسطيني عبد الرحمن كتانة في "شبكة السياسات الفلسطينية"، يكشف أن الدمار المادي في غزة ليس هو الهدف النهائي، بل هو الوسيلة لخلق واقع جديد يمكن وصفه بكلمة واحدة: "غير صالح للسكن".

هذا المصطلح، الذي قد يبدو للوهلة الأولى وصفًا إنسانيًا محايدًا لحجم الكارثة، هو في جوهره، كما يجادل كتانة، سلاح سياسي مشحون يخدم أجندة استعمارية قديمة. إنه يحول المسؤولية عن الدمار من الفاعل -وهو السياسات الإسرائيلية المدفوعة بالاعتبارات التي ذكرناها سلفًا- إلى الضحية، فتصبح غزة بطبيعتها "غير قابلة للحياة"، بدلًا من كونها "جُعلت عمدًا غير قابلة للحياة".

وهذا التحول في الخطاب خطير للغاية، لأنه ينقل النقاش من المساءلة السياسية والقانونية عن جرائم الحرب، إلى إدارة أزمة إنسانية. فعندما تُصنف أرضٌ ما بأنها "غير صالحة للسكن"، يصبح الحل المنطقي المقترح ليس إعادة الإعمار وتمكين السكان الأصليين، بل البحث عن حلول بديلة مثل "نقل السكان" أو "إعادة التوطين القسري"، وهي حلول غالبًا ما تُقدم في إطار "إنساني" لإنقاذ الناس من مكان لم يعد يصلح للعيش.

وبهذا، تصبح حسابات نتنياهو للبقاء في السلطة، وقراراته بتجاهل جيشه وشعبه، هي الوقود الذي ينتج دمارًا يتم توظيفه لاحقًا لتبرير عملية محو وإحلال استعماري.

عائلة من غزة تعيش وسط أنقاض منزلها الذي تعرض للقصف (الجزيرة)
عائلة من غزة تعيش وسط أنقاض منزلها الذي تعرض للقصف (الجزيرة)

"سلاح اللا-سكن".. تاريخ المحو الممنهج

لفهم القوة التدميرية في مصطلح "غير صالح للسكن"، يجب، كما يوضح عبد الرحمن كتانة، العودة إلى جذور المشروع الصهيوني نفسه، الذي تأسس على أسطورة استعمارية مفادها أنه "جعل الصحراء تزدهر".

هذا الادعاء يخفي حقيقة أن ما يسمى بـ"الكثبان الرملية القاحلة" التي بنيت عليها تل أبيب كانت في الواقع هي ضواحي مدينة يافا الفلسطينية المزدهرة، والمحاطة بحياة زراعية واجتماعية نابضة.

إن وصف الأرض بأنها "فارغة" أو "قاحلة" كان الخطوة الأولى لتبرير الاستيلاء عليها وتهجير أهلها.

هذا المنطق، الموروث من الإمبريالية البريطانية ومفهومها عن "الأرض الخلاء" أو أرض بلا شعب لشعب بلا أرض (Terra Nullius)، يتكرر اليوم في غزة ولكن بصيغة محدثة. فبدلًا من الادعاء بأن الأرض فارغة، يتم تدميرها أولًا ثم إعلانها "غير صالحة للسكن".

يذكّر كتانة بحادثة تاريخية تكشف هذا النمط: ففي عام 1917، قصفت بريطانيا مدينة غزة خلال الحرب العالمية الأولى، ودمرت أكثر من ثلث مبانيها. ورغم أن سكانها الفلسطينيين عادوا للسكن في بقايا منازلهم، أعلن المفوض السامي البريطاني هربرت صموئيل المدينة رسميًا "غير صالحة للسكن"، واقترح أن يمول "الاتحاد الصهيوني" إعادة إعمارها، في محاولة لاستغلال الإغاثة الإنسانية لترسيخ المشروع الاستعماري.

أسرة فلسطينية تتناول طعامها على أنقاض منزلها المدمر في غزة (Ali Jadallah/Anadolu via Getty Images)
أسرة فلسطينية تتناول طعامها على أنقاض منزلها المدمر في غزة (Ali Jadallah/Anadolu via Getty Images)

سياسة الموت لإبادة هوية غزة

واليوم، يتكرر السيناريو مع فارق أن المؤسسات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، أصبحت طرفًا -ربما دون قصد- في ترسيخ هذا الخطاب. فمنذ عام 2012، حذرت تقارير الأمم المتحدة من أن غزة ستصبح "غير صالحة للعيش" بحلول عام 2020، مستندةً إلى مؤشرات حقيقية مثل تلوث المياه وانهيار البنية التحتية والبطالة.

لكن، كما يجادل كتانة، فإن هذا التأطير، رغم دقته الإحصائية، يفصل الكارثة عن سببها المباشر: الحصار الإسرائيلي المستمر منذ عام 2007 والحروب المتكررة. وبهذا، يتم "نزع الطابع السياسي" عن الدمار، ويتحول من جريمة تستدعي المحاسبة إلى مأساة حتمية تستدعي الإغاثة.

هذا الخطاب يخدم "سياسات الموت" (Necropolitics)، وهو مفهوم طوره المفكر الكاميروني أشيل مبيمبي لوصف كيف تتحكم السلطات في حياة مجموعات سكانية عبر تعريضها لظروف تجعل الحياة نفسها شبه مستحيلة.

فإسرائيل، من خلال سياساتها، لا تقرر فقط من يموت ومن يعيش في غزة، بل تصمم بيئة حياة متدهورة بشكل منهجي، حيث يتم تدمير شبكات المياه والمستشفيات والمدارس بشكل متكرر، وتُعرقل جهود إعادة الإعمار. وفي هكذا "عالم موت"، يصبح إعلان غزة "غير صالحة للسكن" هو تتويج منطقي لسياسة طويلة من جعلها "غير قابلة للعيش".

الأخطر من ذلك، أن هذا الإطار يفتح الباب أمام "إرهاق المانحين" ويقوض الإرادة الدولية للمشاركة في إعادة إعمار مستدامة، بينما يغرس اليأس في نفوس الفلسطينيين ويمحو صمودهم ومحاولاتهم المستمرة لإعادة بناء حياتهم. إنه يحولهم من فاعلين سياسيين يقاومون مشروعًا استعماريًا إلى مجرد ضحايا سلبيين في انتظار الخلاص.

امرأة فلسطينية تطبخ وسط أنقاض منزلها الذي دمره الطيران الإسرائيلي خلال القتال الإسرائيلي الفلسطيني في غزة 23 مايو 2021. رويترز/محمد سالم
امرأة فلسطينية تطبخ وسط أنقاض منزلها الذي دمره الطيران الإسرائيلي خلال القتال الإسرائيلي الفلسطيني في غزة 23 مايو 2021. رويترز/محمد سالم

الصمود في معركة إبادة الهوية

إن هذا الجمع بين التحليلين يكشف عن حقيقة مقلقة وعميقة: المعركة الدائرة اليوم ليست مجرد حرب عسكرية في غزة، بل هي صراع وجودي يُخاض على جبهتين متوازيتين متكاملتين.

الجبهة الأولى، داخل إسرائيل، وهي معركة سياسية ضارية يخوضها نتنياهو للبقاء في السلطة، مستخدمًا الحرب وقودًا لإبقاء ائتلافه المتطرف متماسكًا، حتى لو كان الثمن هو تمزيق نسيج مجتمعه والصدام المباشر مع مؤسسته العسكرية. وهذه المعركة الداخلية ليست شأنًا إسرائيليًا خالصًا، فنتائجها تُترجم مباشرة إلى دمار مادي هائل وممنهج على أرض غزة.

أما الجبهة الثانية، فهي معركة فكرية وخطابية تدور حول "معنى" هذا الدمار. وهنا، يتم توظيف أنقاض غزة كدليل مادي لإثبات أنها أصبحت "غير صالحة للسكن"، حيث مصطلح يهدف إلى تجريد الفلسطينيين من حقهم الأصيل في الوجود والعودة وإعادة البناء.

وبهذا، يكمل الخطاب الأيديولوجي ما بدأته الآلة السياسية والعسكرية: فبعد تدمير الحاضر، تبدأ محاولة سرقة المستقبل.

وفي مواجهة هذا المنطق المزدوج، يأتي الصمود الفلسطيني ليتخذ معنى أعمق من مجرد البقاء على قيد الحياة. إنه يتجسد في مفهوم "إعادة التأهيل للسكن" (Re-habitability) الذي طرحه كتانة.

هذا المفهوم ليس دعوة فنية لإعادة الإعمار، بل هو إصرار سياسي على أن غزة ليست مكانًا ميتًا، بل هي موقع لصراع مستمر من أجل الحياة.

إن مبادرات الفلسطينيين لإعادة استخدام الأنقاض وبناء المآوي، وإحياء الأعمال التجارية من تحت الركام، ليست مجرد علامات على "الصلابة"، بل هي أفعال سياسية مباشرة تتحدى مشروع المحو.

وهكذا، بينما تغرق إسرائيل في شروخها الداخلية التي تهدد مستقبلها، يكمن التحدي الأكبر في غزة ليس فقط في الصمود تحت القصف، بل في الصمود ضد السردية التي تحاول سرقة الحق في المستقبل نفسه. إنها معركة لإثبات أن غزة لا تعرف جُملة "غير صالحة للسكن"، وأنها أرض يتمسّك أهلها بحقهم في جعلها قابلة للحياة مرة أخرى، على طريقتهم وبشروطهم الخاصة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة