الذهب الأحمر.. لماذا غادر طبق اللحم موائدنا؟

بالنسبة لأمجد محمود، الموظف الذي يعيل أسرة من خمسة أفراد، لم تعد زيارة الجزار قرارًا عفويًا. هي عملية حسابية معقدة تُجرى مرة واحدة كل شهر.

في عالمه، الذي يحده راتب لا يتجاوز 7 آلاف جنيه، تحول هذا “الذهب الأحمر” من طبق رئيسي يجمع العائلة إلى رفاهية نادرة. يقتطع أمجد من ميزانيته المنهكة حوالي 500 جنيه ثمنًا لكيلو ونصف الكيلو من اللحم، يقسمها بحرص شديد على وجبتين، ليصبح نصيب أسرته من “سيد الطعام” مرتين فقط في الشهر.

ليست أبدًا معاناة فردية، وإنما صدى لأصوات ملايين المصريين، تجسّد في موقف تلك السيدة المسنة التي استوقفت محافظ القاهرة، الدكتور إبراهيم صابر، قبل أسابيع، لتطلب “كيلو لحمة”. سؤال حاجة يفتح الباب يوميًا على أزمة أوسع نطاقًا؛ صراعٍ بين قوة شرائية تتآكل، وسلعة لا تمثل قيمة غذائية فحسب، بل تحمل أبعادًا ثقافية واجتماعية عميقة في وجدان المصريين.

هذا الصراع ليس وليد اللحظة، فالأرقام تؤكد أنه اتجاه طويل الأمد. وقد تناقص استهلاك الفرد من اللحوم الحمراء بشكل متواصل بين عامي 2005 و2020، ليصل إلى أدنى مستوياته عند 9 كيلوجرامات فقط للفرد سنويًا، بعد أن كان يتجاوز 17 كيلوجرامًا في عام 2007، وهو العام الذي كان فيه سعر الكيلو لا يتجاوز 40 جنيهًا.

إنها معادلة اقتصادية بسيطة تؤكدها منصات البيانات العالمية مثل “Our World in Data“: كلما زاد ثراء الدولة، زاد استهلاك اللحوم. وفي مصر، يمثل السعر العامل الحاسم. وهو ما يظهر بوضوح في أسواق الدواجن، حيث تؤدي كل زيادة في السعر بنسبة 1% إلى نقص مباشر في الاستهلاك بنحو 0.9%.

المصريون يتعاملون مع اللحوم الآن بحسابات تكلفة وتقسيمة تحاول فرض عدالة غائبة بين أفراد الأسر (صورة تم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي)
المصريون يتعاملون مع اللحوم الآن بحسابات تكلفة وتقسيمة تحاول فرض عدالة غائبة بين أفراد الأسر (صورة تم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي)

جرام اللحوم.. من يحدد الثمن؟

في قلب السوق، يتفرع الصراع إلى سؤال محوري: ما هو السعر العادل لكيلو اللحوم؟ بينما ترسم الإجابة خطين متوازيين لا يلتقيان.

على الخط الأول يقف حسين عبدالرحمن أبو صدام نقيب الفلاحين، الذي يضع سقفًا واضحًا يتراوح بين 280 و300 جنيه للكيلو. وهو يرى أن هذا النطاق يضمن ربحًا عادلًا للتاجر دون إرهاق المستهلك. ويستند إلى سعر “اللحم القائم” (وزن الحيوان قبل الذبح)، الذي يتراوح حاليًا بين 140 و145 جنيهًا للعجول الجاموسي، و160 إلى 165 جنيهًا للبقري. ويؤكد – في حديثه لـ فَكّر تاني – أن هذه الأرقام تعكس “وفرة نسبية” في المعروض، مضيفًا: “الناس لازم تعرف الأسعار الحقيقية عشان ما يبقوش ضحايا الجشع والغش التجاري”.

على الخط الموازي تمامًا، تأتي رواية مصطفى وهبة عضو شعبة القصابين، لتقلب الطاولة. إذ يرى أن السعر العادل يتداول فعليًا بين 400 و450 جنيهًا. ويؤكد أن الحديث عن 300 جنيه للكيلو “غير منطقي” في ظل التكاليف الحالية.

ويشير وهبة، في تصريحاته لـ فَكّر تاني، إلى أن الأسواق تعاني ركودًا عميقًا منذ عيد الأضحى رغم هوامش الربح المنخفضة للجزارين. ويدعم رأيه بلغة أرقام التكلفة التي يواجهها المربي: سعر حمل التبن وصل إلى 1600 جنيه، وشيكارة الردة (40 كجم) بـ500 جنيه، وطن الكسب بـ15 ألف جنيه.

من منظور القصابين، هذه هي الأرقام الحقيقية التي تحكم السوق، لا شيء آخر.

أسعار اللحوم لا تزال في مصر محل جدل بينما تبقى الأرقام متضاربة بين ما هو عادل وما هو يُعبر عن جشع التجار (وكالات)
أسعار اللحوم لا تزال في مصر محل جدل بينما تبقى الأرقام متضاربة بين ما هو عادل وما هو يُعبر عن جشع التجار (وكالات)

في اللحوم.. دايلما أرقام متضاربة

يزيد من ضبابية هذا المشهد أن الجدل حول السعر يرتكز على أرضية من البيانات الرسمية المتناقضة بشكل صارخ، ما يجعل من المستحيل تحديد حجم المعروض الفعلي. إذ تقدم وزارة الزراعة رواية متفائلة، تشير فيها إلى ارتفاع أعداد رؤوس الثروة الحيوانية إلى 7.5 مليون رأس (بدون الدواب)، وإلى 8.6 ملايين رأس عند إضافة الأغنام والجمال والماعز.

لكن هذه الرواية تصطدم مباشرة بالأرقام الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهي الجهة الرسمية المنوط بها الإحصاء في البلاد. تكشف أرقام الجهاز عن انخفاض حاد في أعداد الماشية بنسبة 59.1% منذ عام 2014، حيث هوت الأعداد من 18.6 مليون رأس وقتها إلى 7.6 مليون رأس فقط عام 2023.

ويفصّل الجهاز أن الانخفاض كان كارثيًا في أعداد الماعز بنسبة تراجع 72.8%، تلتها الأغنام بنسبة 64.5%. ويشير التقرير إلى أن أحد أكبر الانهيارات حدث في عام 2019 وحده، الذي شهد انخفاضًا بواقع 8.9 مليون رأس عن العام الذي سبقه. وهو ما يوضح حجم الأزمة التي مرت بها الثروة الحيوانية.

هذا التناقض الحاد بين جهتين رسميتين يجعل من مهمة فهم حقيقة الأزمة وتقييمها أمرًا شبه مستحيل.

التضارب صارخ بين بيانات الزراعة والإحصاء حول أعداد الماشية في مصر (وكالات)
التضارب صارخ بين بيانات الزراعة والإحصاء حول أعداد الماشية في مصر (وكالات)

متى تغادر الخطط أدراجها؟

في بلد لا تتجاوز نسبة اكتفائه الذاتي من اللحوم الحمراء 69.4% ويعتمد على الاستيراد لسد الفجوة، تتحرك الحكومة بخطط تؤكد وزارة الزراعة أنها تستهدف “التحسين الوراثي”. وبتم ذلك، وفق ما هو مُعلن، عبر استيراد سلالات عالية الإنتاجية وتهجينها مع السلالات المحلية لرفع معدل زيادة وزن العجول من 600 جرام إلى كيلو و20 جرامًا يوميًا.

لكن هذه الخطط تصطدم بأسئلة حادة للنائب أشرف أمين عضو مجلس النواب عن جدوى الخطط طويلة الأمد في حل أزمة آنية. يقول: ما هي الخطط الزمنية لزيادة الاكتفاء الذاتي خلال 5 سنوات؟ وكيف ستوازن الوزارة بين ارتفاع الاستهلاك وندرة موارد المياه والأعلاف؟ وما هي الخطوات العملية لتعميم برامج التحسين الوراثي في محافظات الصعيد؟ وأين دور المحافظين في التوسع بمشروعات الثروة الحيوانية؟ وما هي الإجراءات المتخذة لضبط أسعار اللحوم في ظل تقلبات أسعار الأعلاف عالميًا؟”، وهي كلها أسئلة تتطلب سياسات جديدة واضحة وشفافة.

خطط الحكومة لتجاوز الأزمة تواجه أسئلة تتطلب سياسات جديدة واضحة وشفافة، وفق النائب (وكالات)
خطط الحكومة لتجاوز الأزمة تواجه أسئلة تتطلب سياسات جديدة واضحة وشفافة، وفق أشرف أمين عضو مجلس النواب (وكالات)

سؤال على طبق فارغ

تتجمع كل خيوط هذه الأزمة عند حقيقة واحدة لا يمكن تجاوزها، وهي أن فاتورة “الأعلاف” تمثل ما بين 60% إلى 70% من تكلفة أي مشروع للثروة الحيوانية. هذا الرقم هو “عَصَب الأزمة” الذي يفسر لماذا لم تنخفض أسعار اللحوم رغم تراجع سعر الدولار، فالارتباط باستيراد مكونات الأعلاف يجعل السوق المحلية رهينة للأسعار العالمية.

وبالتالي، فإن أي “خريطة طريق” حقيقية لعودة “الذهب الأحمر” يجب أن تبدأ من هنا: توفير الأعلاف بأسعار تنافسية، والتوسع في زراعتها محليًا لكسر حلقة التبعية للاستيراد.

وهكذا، تعود الدائرة لتُغلق على من هم مثل أمجد محمود وسيدة كيلو اللحمة. فبينما يضيع جوهر الأزمة في ضجيج الأرقام المتضاربة بين الوزارات، وجدل “السعر العادل” بين المنتجين والتجار، والخطط الحكومية التي لا يزال أثرها بعيدًا، تبقى الحقيقة الوحيدة التي يعرفها هؤلاء الملايين من المصريين مُجسدة في تلك المعادلة الشهرية القاسية: الميزانية المحدودة في مواجهة سلعة تحولت إلى ترف، وفي قائمة المشتريات التي يُشطب منها بند “الذهب الأحمر” ليحل محله ما هو ضروري للبقاء على قيد الحياة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة