خيش وثلج وقلل قناوي.. سبيل لله يا شوارع القاهرة

"بنجيب البرميل الأزرق اللي قدامك ده، ونلف عليه كيس خيش، وبعد كدا بنلف طبقة فوم، وبكيس لاصق نربط دا كله في البرميل، ونحط حوالي نص البرميل مية، وبعدين لوحين تلج، الخيش والفوم بيخلي المية ساقعة طول اليوم في عز الحر ده، أصل عيب تبقى في حضن ستنا، وما تلاقيش شوية مية ساقعة تروي عطشك، ولا لقمة تسد جوعك"، يقول محمد عبده لـ فكّر تاني.

تترواح أسعار الكولمانات حسب السعة والجودة بين 300 و500 جنيه، أما سعر البرميل البلاستيك فيترواح بين 150 و250 جنيهًا، وسعر لوح الثلج 40 جنيهًا.

تصوير فكّر تاني
تصوير هاجر نور الدين (خاص فكّر تاني)

قبل أن تعطي ظهرك لميدان السيدة زينب.. في اتجاهك لشارع خيرت، ترى محل عرفة الحلواني على شمالك، وأمام محله "كولمان" مملوء بلوحين ثلج يطلان برأسيهما منه. هنا.. أنت تشرب ثلجًا فقط، فهو لا يضع أي مياه في الكولمان. بعده، ترى كل 20 مترًا "كولمان" آخر أو برميلًا يناديك/ يناديكي لتروي عطشك، لا لتبل/ي ريقك فقط.

يقول طه عبد العزيز، شاب في الثلاثينيات من عمره، أسمر طويل ونحيل يعمل صبي جزار، لا تظهرعليه نعمة عمله في محل الجزارة: "من ييجي 4 سنين، واحنا بنحط لوح تلج كل يوم من بداية فصل الصيف في الكولمان، على مرتين. بعد ما نقسم لوح التلج نُصين، نلف نُصه في قطعة خيش عشان التلج ما يسيحش، ونحط النص التاني في الكولمان، وأحيانًا ناخد نص لوح بس، ولما يمر علينا العامل مرة تانية ناخد نص لوح تلج آخر ونحطه في الكولمان".

"لوح التلج بيجيبه حوالي الساعة 11 صباحًا، عامل على تروسيكل من مصنع تلج قريب من هنا في قلعة الكبش، وأيام بيمر علينا مرة تانية الساعة اتنين الضهر".

تصوير هاجر نور الدين (خاص فكّر تاني)

ما إن تطأ قدمك أرض شارع خيرت،تستقبلك الأشجار بأغصانها التي تأخذك بالأحضان، وتعانق بعضها البعضِ من علِ، لتحميك من شدة الحر، وتشير إليك بأنها ما دامت موجودة فالماء موجود، وتخبرك بأنه حين تلتقي الفروع لا بد للجذور أن تكون سبقتها في اللقاء تحت الأرض، وفوق الأرض حين تنظر لجذرها ترى "كولمان" أزرق، أو "كولدير" يختبئ في ظلها من عيون موظفي الحي ورجال الشرطة.

سمي الشارع نسبةً لعبيد الله خيرت، أحد أعمدة الخط والفن بالوطن العربي، وجد للموسيقار الكبير عمر خيرت، وكان عبيدالله خيرت، قد فاز في منافسة لكتابة اسم الخديو توفيق على الأزرار الذهبية لملابس الضباط، فكافأه الخديو بقطعة أرض في بركة الفيل، التي كانت من أكبر متنزهات القاهرة الخديوية. هناك، بنى خيرت الكبير بيته، وتسمّت المنطقة والشارع فيما بعد باسمه، وهو أيضًا أبو المهندس والموسيقار ومؤسس معهد الكونسرفتوار أبوبكر خيرت.

تصوير هاجر نور الدين (خاص فكّر تاني)

أدهم علي، صاحب محل كبدة في الأربعينيات من عمره، بشوش، تظهر على ملامحه نعمة الرضا، متوسط الجسم، ليس طويلًا أو قصيرًا. المطعم صغير بالكاد تراه وأنت تمر بشارع خيرت، ويضع "كولمان" أحمر أمام محله، يقول لـ فكّر تاني: "كله سبيل لله، وبالمرة للزباين اللي بتيجي تاكل أو تاخد وجبات من عندي. بحط لوحين تلج في اليوم، بعمل كدا من أول ما فتحت المحل، 3 سنين بالظبط".

وعن عدم وضع كولدير أمام المحل بدلًا من الكولمان، الذي يكلفه 80 جنيهًا يوميًا، يقول: "ممنوع بأمر الحي. لكن في الحارات الجانبية، التي لا يدخلها موظفو الحي يمكن أن تجد كولدير أو اتنين". وعن سبب المنع يضيف علي، أن الكولدير يمكن يصيبه ماس كهربائي: "وسمعنا، من كام سنة، إن فيه حد اتكهرب وهو بيشرب من كولدير في شبرا الخيمة".

ويشير صاحب محل الكبدة، إلى أنه لا قانون يمنعه من وضع كولدير أمام البيت أو المحل أو الجامع سبيل لله/للناس، لكن العُرف والخوف من أن يتسبب ذلك في وفاة أحد هو ما يمنع.

تصوير هاجر نور الدين (خاص فكّر تاني)

ما بين الـ "كولمان" و"البرميل" يتجلى التباين بين مبردات الماء بين مدخل شارع خيرت وشارع شريف. فارق شديد، لا يقتصر على  المسافات الفاصلة بين الـ "كولمان" والآخر، أو الأشجار على جانبي شارع وغيابها عن الشارع الثاني. لكن أيضًا في موضعهما؛ فعند مدخل خيرت، حيث يفترش الباعة الأرصفة ببضاعتهم من ملابس وأحذية، يُدفع "الكولمان" أو "البرميل" ليحتل جزءًا من نهر الطريق أمام حوامل الملابس. أما في شارع شريف، فيلتزم المبرّد مكانه على الرصيف، في مشهدٍ يعكس فارقًا بينًا في هيئة المكان.

وسمي الشارع على اسم شريف باشا، جد الملكة نازلي، ويبدأ الشارع من باب اللوق، ويتقاطع مع شارع صبري أبو علم، وشارع رشدي، وشارع قصر النيل، وأخيرًا شارع عدلي، وذلك قبل أن يصل لنهايته عند شارع 26 يوليو حاليًا.

فكرة الكولمان أو البرميل هي ابنة شرعية لفكرة الزير والجرّة والقلة والجركن البلاستيك الذي يستخدمه الفلاحون في الأرض، حين يلفون قطعة من شوال خيش حول جركن صغير لتبريد المياه. يقول عبده الحداد: "رغم شدة حرارة الجو، وبدون ثلج، تصبح المياه في الجركن باردة. وكلما طال الوقت، تزيد برودة الماء. أما إذا نشفت قطعة الخيش، فيتم رشها بالمياه حتى تزيد برودة المياه بفعل أي نسمة هواء تمر عليها".

تصوير هاجر نور الدين (خاص فكّر تاني)

إذا أعطيت ظهرك لميدان ومسجد السيدة زينب.. وأكملت في شارع بورسعيد، تقابل الـ "كولمان" الأزرق أو الأحمر، بالقرب من منتصف الشارع. بعد مواقف السيارات الواقفة على جانبي الشارع. شارع بورسعيد، أطول شارع في قلب القاهرة على الإطلاق، كان يسمى في الماضي شارع الخليج المصري، الذي يفصل بين عالمين: "الأسطوري" للقاهرة الأولى، و"الحديثة". وعلى مشارفه تقع بقايا أصل العمارة الإسلامية في مصر، وهى أطلال الفسطاط.

الشارع عريض على غير عادة شوارع القاهرة القديمة أو الحديثة، بل يمكن القول إنه أعرضها جميعًا. تلتقي فيه شوارع كثيرة مثل شارع قدري، وحوارٍ ومنعطفات ومنشآت القاهرة الفاطمية من الشرق، أما من الغرب فتجد سمات الحداثة ودقة التنظيم التي تهب عليك من ناحية الغرب حيث القاهرة الأوروبية، التي خططها الخديو إسماعيل.

أُطلق على الشارع اسم محافظة بورسعيد، حيث إن "بور" كلمة إنجليزية تعني ميناء، نسبة إلى الخديو سعيد. وظل شارع بورسعيد يعاني من الإهمال إلى عام 1954، لكن حكومة ثورة يوليو انتبهت إلى أنه يمكن الاستفادة منه كطريقٍ رئيسي يربط بين مداخل القاهرة وطرفها الجنوبي، فقامت بتوسعته.

في منتصف شارع بورسعيد تقع المدرسة الخديوية بمبناها الذي ينتمي إلى أسلوب العمارة الأوروبية لتدافع عن تاريخ الأسرة العلوية، والتي تأسست عام 1936 في العام الذي صدر فيه المرسوم الملكي الذي ينص على تجديد الشارع وتوسعته.

في الطريق، تمر بأماكن تاريخية أخرى كمسجد تمراز الأحمدي، وقبل نهاية شارع بورسعيد باتجاه الموسكي أو العتبة، تجد مستشفى أحمد ماهر، وبعدها مديرية أمن القاهرة. وقبل أن تمر على مديرية الأمن، يمكنك الاتجاه يمينًا نحو الغورية وبوابة المتولي، حيث تلتقي هناك بـ"القلل القناوي"، ترفع فمها للسماء ولمن يشرب.

تقف القلل في صفين متقابلين على استناد حديدي، تحتضنها من أسفل قطعة حديدٍ دائرية بقدر مقاس كل قلة. القلة تتباهى بأختها المقابلة لها. هنا، كأنك في أرض اللواء أو بولاق الدكرور، أو إحدى المناطق الشعبية التي لا تعترف بغير ماء القلل، وتناطح فيها القلل "الكولمان" بالماء الذي يقابل نسمات الهواء بكل ترحيب، ليصنع ماءً باردًا لا يحتاج لألواح الثلج.

تصوير هاجر نور الدين (خاص فكّر تاني)

أما إذا أكملت معي الطريق في شارع خيرت باتجاه ميدان لاظوغلي.. ترى على يمينك وشمالك كل 30 مترًا أو 50 مترًا بالكثير "كولمان". وبداية من ميدان لاظوغلي حتى أول شارع شريف، لن تجد أي نقطة ماء، مع أنك تمر في طريقك بمبنى وزارة العدل ثم مبنى وزارة الأوقاف، أكثر من 500 متر. مشهد غريب وعجيب، لكنه يوضح ما بين المناطق من فروق إنسانية كبيرة. وحين تدخل شارع شريف، لن تشاهد "الكولمان" إلا كل 200 أو 250 مترًا. عدد "الكولمانات" في شارع شريف التجاري كله حوالي 4 أو 5!

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة