"روحي ليست أغلى من إسماعيل ورامي.. ربما يفعل بي الاحتلال كما فعل بهم لوقف التغطية، لكن باستشهادهم كان هناك إصرار على مواصلة رسالتهم".
لم تكن هذه الكلمات مجرد رد فعل على تهديد مباشر بالقتل، بل ميثاق شرف وقعه أنس الشريف بمداد من روحه. كانت فلسفة حياة كاملة، اختصرت قصة شاب عشريني من مخيم جباليا، قرر أن تكون كاميرته سلاحه، وروايته درعه، وأن صوته هو خط الدفاع الأخير عن ذاكرة نصف مليون إنسان محاصر في شمال غزة.
على مدى عام ونصف العام، تحولت خيمة أنس المتواضعة قرب مستشفى الشفاء من مجرد قطعة قماش إلى "شاهد ميداني" وأيقونة للصمود. كانت بيتًا، وستوديو، ووصية حية تُبث للعالم كل يوم. وفي مساء العاشر من أغسطس 2025، عندما صمت صوته أخيرًا تحت قصف إسرائيلي معلن الأهداف، لم تكن تلك هي النهاية، بل بداية الخلود لرسالته التي اختار أن يرويها حتى بحبر الدم.

جباليا.. أن تُولد شاهدًا وشهيدًا
في مخيم جباليا، لا يولد الأطفال كما غيرهم. يولدون "شهودًا بالفطرة". إنه المكان الذي يرفض الحياد، حيث تتشكل ذاكرة الطفولة على وقع الانفجارات، وتُرسم خرائط اللعب فوق ركام غارة سابقة. في هذا المكان، وُلد أنس الشريف.
بالنسبة لطفل رأى التاريخ يُصنع ويُهدم في أزقة مخيمه يوميًا، لم تكن الصحافة خيارًا مهنيًا يُفاضل بينه وبين غيره. كانت استجابة حتمية، وغريزة بقاء. لقد أدرك مبكرًا وبشكل غريزي أن الرواية هي السلاح الأخير لمن سُلبت منهم كل الأسلحة الأخرى.
لهذا، حين التحق بكلية الإعلام، لم يكن يبحث عن شهادة معلقةً على جدار، بل كان يصقل الأداة التي ستمكّنه من ترجمة صرخات مجتمعه الصامتة. كانت مهمته واضحة منذ البداية: أن يحوّل الألم الذي يعرفه جيدًا إلى قصة لا يمكن للعالم أن يتجاهلها.
صوت الشمال.. مهمة لا يعود منها أحد
قبل أن يصبح وجهًا عالميًا على شاشة الجزيرة، كان أنس صوتًا للقصص التي لا تتصدر العناوين، تلك التي تشكل نسيج الحياة اليومية تحت حصار لا ينتهي. كان انضمامه للشبكة العالمية نقطة تحول لم تضعه فقط في دائرة الضوء، بل في دائرة الاستهداف المباشر. إلا أن من نشأ في جباليا لا يعرف التراجع.
وعندما اندلعت حرب أكتوبر 2023، جاءت لحظة القرار الذي سيحدد مصيره. أدرك أنس بحدسه الذي صقلته جباليا أن انسحاب الكاميرات من الشمال سيخلق "ثقبًا أسود" إعلاميًا، سيسمح للرواية الواحدة بالهيمنة، وسيحوّل أكثر من نصف مليون إنسان إلى مجرد أرقام صامتة في بيانات الموت.
هنا، اتخذ قراره: البقاء. تحولت مهمته من "تغطية الأحداث" إلى "منع محو الذاكرة".
لم تعد تقاريره أرقامًا للضحايا، بل صرخات حية من قلب الجحيم. وهنا، في لحظة مفجعة أمام مجمع الشفاء، اخترق أنس بنفسه البروتوكول الصحفي، وانقطع عن الخبر ليوثق الحقيقة الأكثر إيلامًا. لم يعد يقرأ خبرًا، بل كان يصرخ بالحقيقة التي تتجسد أمامه في الكاميرا: "محمد وأنا أتحدث إليك، إحدى النساء هنا سقطت على الأرض.. من شدة المجاعة ومن شدة الجوع.. الناس يسقطون في شوارع غزة من شدة الجوع.. الجميع في دائرة الموت.. فقط ينتظرون الموت".
كانت هذه هي الحقيقة عارية، أصر أنس على ألا تموت في صمت، حتى لو كان الثمن حياته.
وصية الدم.. روحي ليست أغلى منهم
كان الثمن فادحًا على كل الأصعدة. في ديسمبر 2023، تلقى أنس ضربته الشخصية الأولى حين وصله خبر استشهاد والده. لم تكن مجرد خسارة عائلية، بل تذكيرًا يوميًا بأن الموت الذي يوثقه بكاميرته يطرق بابه هو شخصيًا.
توالت الجراح، لكنه استمر، بينما كان الإرهاق والجوع ينخران في روحه وجسده. وصل إلى حافة الانهيار البشري قبل يوم واحد من استشهاده. وبعد أسابيع من العمل المتواصل بلا نوم، همس لمن حوله بكلمات تكشف عن إنسانيته المنهكة: "لم أنم ولم أرتح منذ أسابيع". لكنها كانت استراحة محارب لم تدم طويلًا، فما لبث أن عاد للميدان، مدفوعًا بشعور هائل بالمسؤولية التي لا تسمح له بالراحة بينما شعبه يُباد.
أمام التهديدات الإسرائيلية المباشرة باستهدافه، لم تكن إجابات أنس دبلوماسية.
كانت ميثاق شرف، وإعلان مبدأ، ووصية أخيرة تُقال أمام الكاميرا بوضوح لا يقبل الشك: "روحي مش أغلى من روح إسماعيل ورامي.. في النهاية احنا في رسالة وفي أمانة بنأديها بكل مهنية..".
لقد كان يدرك مصيره، لكنه اختار أن يواجهه واقفًا، مسلحًا بمايكروفون وإيمان مطلق بأن بعض الرسائل تستحق أن تُروى حتى لو كان الحبر هو الدم. لم تكن كلماته مجرد رد على تهديد، بل كانت خلاصة فلسفته التي صاغها في جباليا، وعاش بها في خيمة الصمود، ومات من أجلها.
إرث من خيمة ووصية.. هكذا تُكتب الحقيقة بالدم
لم يكن استشهاد أنس الشريف ورفاقه مجرد خسارة لصحفيين شجعان، بل كان، كما قال زميلهم تامر المسحال باكيًا، "إعادة لتعريف الصحافة". هؤلاء الشباب لم يكونوا يغطون الحرب من فنادق آمنة أو خلف شاشات بعيدة. لقد أعادوا تعريف المهنة من داخل خيمة متواضعة كانت بيتهم وملجأهم وستوديو عملهم لأكثر من عام ونصف العام. ناموا في الشوارع، وعاشوا في بيوت مدمرة، وجاعوا مع الجائعين ليواصلوا أداء الرسالة. لقد أعادوا تعريف الدفاع عن حقوق الصحفيين، ليس بالبيانات والنداءات، بل بالبذل الكامل والتضحية والصمود حتى الرمق الأخير.
رحل أنس الشريف، الشاب الذي عاش في أواخر عشرينياته حياةً أكبر من كل سنواته. رحل تاركًا وصيته غزة وأمه وطفليه ورفيقة دربه، زوجته المخلصة. رحل ولا يصح لرثائه غير رسالته الأخيرة حين وقف يواجه الموت.
"هذه وصيّتي، ورسالتي الأخيرة.
إن وصلَتكم كلماتي هذه، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت في قتلي وإسكات صوتي.
بدايةً، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يعلم الله أنني بذلت كل ما أملك من جهدٍ وقوة، لأكون سندًا وصوتًا لأبناء شعبي، مذ فتحت عيني على الحياة في أزقّة وحارات مخيّم جباليا للاجئين. وكان أملي أن يمدّ الله في عمري حتى أعود مع أهلي وأحبّتي إلى بلدتنا الأصلية عسقلان المحتلة "المجدل"، لكن مشيئة الله كانت أسبق، وحكمه نافذ.
عشتُ الألم بكل تفاصيله، وذُقت الوجع والفقد مرارًا، ورغم ذلك لم أتوانَ يومًا عن نقل الحقيقة كما هي، بلا تزوير أو تحريف، عسى أن يكون الله شاهدًا على من سكتوا، ومن قبلوا بقتلنا، ومن حاصروا أنفاسنا ولم تُحرّك أشلاء أطفالنا ونسائنا في قلوبهم ساكنًا، ولم يُوقِفوا المذبحة التي يتعرّض لها شعبنا منذ أكثر من عام ونصف.
أوصيكم بفلسطين، درةَ تاجِ المسلمين، ونبضَ قلبِ كلِّ حرٍّ في هذا العالم. أوصيكم بأهلها، وبأطفالها المظلومين الصغار، الذين لم يُمهلهم العُمرُ ليحلموا ويعيشوا في أمانٍ وسلام، فقد سُحِقَت أجسادهم الطاهرة بآلاف الأطنان من القنابل والصواريخ الإسرائيلية، فتمزّقت، وتبعثرت أشلاؤهم على الجدران.
أوصيكم ألّا تُسكتكم القيود، ولا تُقعِدكم الحدود، وكونوا جسورًا نحو تحرير البلاد والعباد، حتى تشرق شمسُ الكرامة والحرية على بلادنا السليبة.
أُوصيكم بأهلي خيرًا.
أوصيكم بقُرّة عيني، ابنتي الحبيبة شام، التي لم تسعفني الأيّام لأراها تكبر كما كنتُ أحلم. وأوصيكم بابني الغالي صلاح، الذي تمنيت أن أكون له عونًا ورفيق دربٍ حتى يشتدّ عوده، فيحمل عني الهمّ، ويُكمل الرسالة.
أوصيكم بوالدتي الحبيبة، التي ببركة دعائها وصلتُ لما وصلت إليه، وكانت دعواتها حصني، ونورها طريقي. أدعو الله أن يربط على قلبها، ويجزيها عنّي خير الجزاء.
وأوصيكم كذلك برفيقة العمر، زوجتي الحبيبة أم صلاح (بيان)، التي فرّقتنا الحرب لأيامٍ وشهورٍ طويلة، لكنها بقيت على العهد، ثابتة كجذع زيتونة لا ينحني، صابرة محتسبة، حملت الأمانة في غيابي بكلّ قوّة وإيمان. أوصيكم أن تلتفوا حولهم، وأن تكونوا لهم سندًا بعد الله عز وجل.
إن متُّ، فإنني أموت ثابتًا على المبدأ، وأُشهد الله أني راضٍ بقضائه، مؤمنٌ بلقائه، ومتيقّن أن ما عند الله خيرٌ وأبقى.
اللهم تقبّلني في الشهداء، واغفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخّر، واجعل دمي نورًا يُضيء درب الحرية لشعبي وأهلي. سامحوني إن قصّرت، وادعوا لي بالرحمة، فإني مضيتُ على العهد، ولم أُغيّر ولم أُبدّل.
لا تنسوا غزة…
ولا تنسوني من صالح دعائكم بالمغفرة والقبول.
أنس جمال الشريف"