يبدو أن شعار "لا صوت يعلو فوق الأرباح" هو ما يحكم المشهد الاقتصادي في مصر حاليًا. هذا ما شعر به مطورو العقارات عندما استيقظوا على قرارات حكومية تفرض عليهم رسومًا بـ"أثر رجعي"، في خطوة تشبه تاجرًا يغير سعر بضاعته بعد إتمام البيع.
لم تكن هذه مجرد رسوم، بل أحدث حلقة في مسلسل حكومي متسارع هدفه واحد: حصد أكبر قدر من الأموال بأي ثمن، وقبل حلول الموعد الحاسم في أكتوبر المقبل، حيث تخضع مصر لمراجعة برنامجها الاقتصادي أمام صندوق النقد الدولي.
يُركز صندوق النقد الدولي كثيرًا على حشد الإيرادات الحكومي، فتعليقات مسئوليه على البرنامج الاقتصادي المصري لا تخلو من التطرق إلى جهود حشد الإيرادات المحلية التي يقول إنها ضمان سياسة مالية مستدامة ومُستقرة، جنبًا إلى جنب مع التحول نحو نظام سعر صرف مرن.
نائب المدير العام للصندوق نايجل كلارك عبر عن ذلك أكثر من مرة، مؤكدًا أن ضمان استدامة الديون يتطلب تبني استراتيجية متوسطة المدى لإدارتها بما في ذلك تعميق وتطوير سوق الديون المحلية، وتحسين الشفافية في الأنشطة المالية وتعزيز الرقابة المالية، خاصةً على الكيانات خارج الميزانية، وتسريع عملية الخصخصة، ويتطلب السيطرة على الدين بطبيعة الحال سد عجز الموازنة العامة للدولة بتقليل المصروفات وزيادة الإيرادات.
لكن، هذا النهج الذي تتبناه الحكومة مؤخرًا يطرح سؤالًا مصيريًا بات يتردد في أوساط المستثمرين والمواطنين على السواء: هل تُدار مصر اليوم بعقلية "التاجر" التي تضع المكسب السريع فوق كل اعتبار، حتى لو كان الثمن هو الثقة في مناخ الاستثمار؟

من القطار للمحمول.. شبكة "التحصيل" تتوسع
لم تكن رسوم المطورين العقاريين سوى البداية. فخلال أسابيع قليلة، امتدت شبكة الحكومة لحصد الإيرادات، لتطال عصب حياة المواطنين والصناعة على حد سواء. وقبل حتى هذه القرارات، كانت هيئة المجتمعات العمرانية قد ألغت بالفعل الغرامات المالية مقابل توفيق أوضاع الأراضي الزراعية المحولة إلى عمران، وحصرت التصالح في "المقابل العيني" فقط، في خطوة استهدفت الأراضي الكبيرة، لتأتي بعدها سلسلة من القرارات التي لم تترك قطاعًا إلا ومسته:
- سكة حديد بأسعار جديدة: لم يسلم مرفق القطارات، شريان حياة الملايين، من موجة رفع الأسعار. ففي 17 يونيو، قفزت تذكرة الدرجة الأولى على خط "القاهرة - الإسكندرية" من 275 إلى 350 جنيهًا، وخط "القاهرة - أسوان" من 700 إلى 900 جنيه.
هذه الزيادات، التي سبقتها أخرى في أغسطس 2024، نجحت بالفعل في رفع إيرادات الهيئة بنسبة 44%، حتى مع تراجع طفيف في أعداد الركاب الذين بدأوا يفضلون وسائل نقل أرخص.
- صدمة للمصانع: انتقلت موجة رفع الأسعار من المواصلات إلى المصانع، حيث اتُخذ قرار بزيادة أسعار الغاز الطبيعي المورد للأنشطة الصناعية المختلفة.
ولم يكن القرار هامشيًا، بل استهدف بشكل مباشر عصب الصناعة بأسعار متفاوتة تُظهر حجم الضغط: 4.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية لصناعة الأسمدة، 5.75 دولار للحديد والصلب، وسعر يصل إلى 12 دولارًا لصناعة الأسمنت.
ورغم أن القرار تأجل مؤقتًا بسبب ضغوط من شركات الأسمدة التي طالبت برفع أسعار منتجاتها هي الأخرى، إلا أنه يبقى سيفًا مسلطًا على تكلفة الإنتاج الصناعي.
- عين على العقارات: وفي جبهة أخرى، نشطت مصلحة الضرائب العقارية بشكل غير مسبوق، لتعلن عن حصر 45 مليون وحدة ومنشأة، تمهيدًا لإخضاع 1.5 مليون عقار فاخر للضريبة، في خطوة تستهدف استقطاع 10% من صافي قيمتها الإيجارية سنويًا.
- حملة على الهواتف المحمولة: حتى الهواتف المحمولة في أيدي المواطنين لم تكن بمنأى. فقد أعلن جهاز تنظيم الاتصالات عن إيقاف آلاف الأجهزة للاشتباه في عدم دفع رسومها الجمركية البالغة 38.5% من قيمتها، مما وضع آلاف المستخدمين والتجار في حيرة من أمرهم.
اقرأ أيضًا: مالك ما أخدش حاجة.. حكايات الإيجار القديم
مذكرات غاضبة ومناخ استثماري "على المحك"
لم تمر هذه القرارات كما أرادتها الحكومة؛ فبمجرد تطبيقها، انهالت المذكرات الغاضبة على مكاتب الوزراء، مطلقةً صافرات الإنذار من تداعيات وصفتها تكتلات الأعمال بـ"الخطيرة" على مناخ الاستثمار الذي تحاول الدولة جاهدة إنعاشه.

المطورون يرفضون "الأثر الرجعي"
وكانت جمعيات المطورين العقاريين في طليعة المحتجين، حيث اعتبروا هذه الرسوم لم تكن ضمن دراسات الجدوى الأصلية للمشروعات، وتطبيقها بأثر رجعي لا يعني سوى تحميلهم خسائر فادحة تهدد استثماراتهم بالكامل. ووصل الأمر بجمعية رجال الأعمال المصريين إلى توجيه خطاب عاجل لرئيس الوزراء، مطالبين باجتماع فوري لمناقشة القرارات التي "صدرت دون تشاور".
الصناعة الصغيرة تحذر من "الغموض"
ولم يقتصر الغضب على كبار المطورين؛ فاتحاد مستثمري المشروعات الصغيرة والمتوسطة انتقد "الغموض" الذي يحيط بقرارات فرض الغرامات على المصانع، مؤكدًا أنها ترفع التكلفة في وقت تعاني فيه الصناعة أصلًا من ركود الأسواق.
فوضى في سوق المحمول
وحتى سوق الهواتف المحمولة شهد حالة من الفوضى؛ فتلقت وزارة الاتصالات شكاوى من تجار ومواطنين تفاجأوا بإيقاف هواتفهم رغم شرائها وتفعيلها بشكل قانوني.
وأوضحت شعبة المحمول أن كثيرًا من هذه الأجهزة فُحصت عبر تطبيق "تليفوني" الحكومي وأظهرت أنها سليمة، ومع ذلك تم إيقافها، "فلا يجب معاقبة آلاف المواطنين الذين اشتروا الأجهزة بحسن نية".
عواقب أن تنسى الدولة دورها
في قلب هذه القرارات المتلاحقة، تقف فجوة مالية ضخمة، إذ تواجه وزارة المالية عجزًا متوقعًا في الموازنة يصل إلى 1.5 تريليون جنيه، وهو رقم يجبر الحكومة على البحث عن تمويل من كل مصدر ممكن.
وتكشف خطة الحكومة عن حجم هذا التحدي، حيث تعتزم الاعتماد على تمويل داخلي بقيمة 3.1 تريليون جنيه، وتمويل خارجي بقيمة 400.4 مليار جنيه، معظمها عبر إصدار سندات وأذون خزانة، أو بعبارة أخرى، اللجوء المكثف للاقتراض. ويأتي هذا بالتوازي مع خطط بيع حصص في 10 شركات حكومية كبرى، من بنك القاهرة والإسكندرية إلى شركات الأدوية والطاقة.

هذه التحركات تتوافق مع خارطة الطريق التي رسمها صندوق النقد، والتي تطالب بتقليص دور الدولة ورفع يدها عن الاقتصاد. لكن هنا يكمن جوهر الصراع، الذي يلخصه وزير المالية الأسبق، الدكتور أحمد جلال، في تحذير مباشر.

يقول جلال، في حديثه لـ فَكّر تاني، إن الجميع يتفق على المبدأ: توفير إيرادات للدولة وتعزيز دور القطاع الخاص. لكن، كما يستدرك، "يجب أن نتذكر أن الدولة ليست مالكًا عاديًا لشركة خاصة يسعى أصحابها لتعظيم العائد المالي".
هذا التحذير يعكس تمامًا ما يراه المستثمرون على الأرض. فبحسب حنان رمسيس، محللة أسواق المال، فإن هذه الرسوم، وإن كانت تخدم هدف خفض عجز الموازنة، إلا أنها تحمل تأثيرًا سلبيًا مباشرًا على القطاع الخاص وقدرته على التوسع. والنتيجة النهائية؟ تقول رمسيس - في تصريحاتها لـ فَكّر تاني - إن التأثير السلبي سيمتد حتمًا إلى "الزبائن" والمستهلكين، الذين سيتحملون في النهاية فاتورة هذه القرارات عبر أسعار أعلى.
صراع على هوية الدولة
وبهذا، تعود القصة إلى نقطة البداية، لكنها الآن أكثر تعقيدًا. فالصراع الحقيقي الذي كشفته هذه القرارات ليس مجرد صراع على أرقام في موازنة الدولة، بل هو صراع أعمق على هوية الدور الذي يجب أن تلعبه الدولة في حياة مواطنيها واقتصادها.
فبينما تسابق الحكومة الزمن لتلبية متطلبات الدائنين الدوليين، وتتخذ قرارات تبدو منطقية من منظور مدير مالي يسعى لإغلاق فجوة تمويلية، يرتفع صوت من الداخل ليذكرها بأن الدولة ليست مجرد "شركة مساهمة" هدفها الأسمى هو تعظيم الأرباح.
التحذير الذي أطلقه الدكتور أحمد جلال بأن مهمة الدولة هي تحقيق "الصالح العام" يضع الإصبع مباشرة على جرح هذا الصراع. فـ"الصالح العام" يعني التوازن الدقيق بين مصلحة الخزانة ومصلحة المستثمر، بين حق الدولة في تحصيل الموارد وحق المواطن في عدم تحمل أعباء تفوق طاقته.
ولذلك، فإن القرارات الأخيرة، من الرسوم ذات الأثر الرجعي إلى رفع أسعار الخدمات، قد نجحت على الأرجح في "حشد الإيرادات" على المدى القصير، لكنها في المقابل زرعت بذور الشك في استقرار السياسات الاقتصادية، وهو ما قد يكون ثمنه باهظًا على المدى الطويل.
ويبقى السؤال معلقًا في أروقة الحكومة وأسواق المال على حد سواء: إلى متى سيظل شعار "لا صوت يعلو فوق الأرباح" هو الحاكم؟ أم أن صوت "الصالح العام"، الذي يجمع مصالح المستهلكين والعمال والمستثمرين، سيجد من يسمعه قبل أن تتآكل الثقة التي هي أثمن أصول أي اقتصاد؟