برسالة مقتضبة على جروب "واتساب"، وجد نحو 100 من العاملين بمعهد هندسة تكنولوجيا الطيران بإمبابة أن مستقبلهم المهني قد انتهى. لم تكن مجرد رسالة عادية، بل قرار بفصل جماعي مفاجئ، بلا إخطار رسمي، أو تحقيق إداري، أو حتى تسوية عادلة لمستحقات سنوات من الخدمة. وهو الإجراء، الذي وُصف بـ"الانتهاك الصارخ للقانون"، وأشعل أزمة كبرى تهدد استقرار 100 أسرة، وتكشف عن كواليس إدارية ومالية مثيرة للجدل داخل هذا المعهد المعروف شعبيًا بـ "معهد مطار إمبابة".
من "واتساب" إلى محاضر الشرطة

بدأت فصول الأزمة تتكشف في مطلع أغسطس الحالي، عندما أصدرت إدارة المعهد، بقيادة القائم بأعمال العميد الدكتورة آمنة السيد عمر، قرارًا بفصل حوالي 100 من العاملين، شملوا أعضاء هيئة تدريس وموظفين وعمالًا.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل مُنعوا من دخول مقر عملهم، وتصاعد الموقف إلى استدعاء الشرطة لتحرير محاضر ضدهم، مما دفعهم للتوجه بشكاوى رسمية إلى مديرية القوى العاملة ووزارة التعليم العالي.
وبالفعل، تم تشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن الوزارة ومكتب العمل للاستماع لشهادات المفصولين والتحقيق في شكواهم، إلا أنه لم تصدر أي نتائج حاسمة عن اللجنة حتى الآن.
فساد إداري وتفاوت فاضح في الأجور
وقد دخلت دار الخدمات النقابية والعمالية على خط الأزمة، وأدانت ما وصفته بـ "الفصل التعسفي" بحق عاملين تراوحت سنوات خدمتهم بين 5 و17 عامًا.
وكشف بيان الدار عن جذور أعمق للمشكلة، مشيرًا إلى أوضاع مالية وإدارية متردية يعيشها المعهد منذ انتقال تبعيته إلى وزارة الطيران المدني عام 2022.
ولفت البيان إلى وجود "تفاوت فاضح في الأجور"، حيث يتقاضى البعض رواتب فلكية تتجاوز 50 ألف جنيه، بينما لا يتجاوز راتب أخصائي قضى 13 عامًا في الخدمة 6 آلاف جنيه. وأكد أن المعهد، رغم كونه مؤسسة ربحية، يحقق خسائر مزمنة بسبب "الفساد الإداري"، ويُحمَّل العاملون البسطاء مسؤوليتها.
من قلب الأزمة: "فصلونا برسالة على جروب"

تروي إحدى عضوات هيئة التدريس بالمعهد (رفضت ذكر اسمها) تفاصيل الصدمة قائلة: "اعتدنا على مدى عشر سنوات أن يتم إخطارنا بتجديد التعاقد نهاية يوليو. لكن هذا العام، فوجئنا يوم 2 أغسطس برسالة على جروب واتساب الخاص بالعمل تحتوي على قائمة بالأسماء، وأبلغتنا العميدة أن من لم يجد اسمه بها لم يعد على قوة العمل".
وتضيف المهندسة، التي كانت من بين المفصولين، أن الموقف تفاقم في اليوم التالي: "مُنعنا من دخول المعهد، بل إن الإدارة طلبت لنا الشرطة. لم يكن أمامنا سوى تحرير محاضر لإثبات واقعة طردنا التعسفي". وتؤكد أن قرار إنهاء الخدمة يجب أن يصدر من وزارة التعليم العالي، وليس من إدارة المعهد، متهمةً الإدارة الحالية باتخاذ إجراءات تعسفية منذ توليها المسؤولية قبل شهرين.
"خدمة 17 عامًا انتهت بلا حقوق"
ويكشف عامل آخر، قضى 12 عامًا في المعهد، عن بُعد آخر للمأساة. يقول إن راتبه لم يتجاوز 5000 جنيه، أي أقل من الحد الأدنى للأجور، ورغم ذلك تحمل هو وزملاؤه سوء المعاملة على أمل تحسن الأوضاع.
ويضيف: "مارست الإدارة ضغوطًا على البعض لتقديم استقالاتهم، حتى فوجئنا جميعًا بالفصل دون سابق إنذار". ويشير إلى أن القسوة بلغت ذروتها مع فصل زملاء تجاوزت خدمتهم 17 عامًا دون صرف مستحقات نهاية الخدمة، بل وصل الأمر إلى مطالبة من حصلوا على مكافآت سابقة بإعادتها إلى المعهد.
هل يحق للمعهد إنهاء خدمتهم؟

يقدم الكاتب الصحفي رفعت فياض، المتخصص في شؤون التعليم، وجهة نظر قانونية مختلفة في هذه الأزمة. إذ يوضح - في حديثه لـ فَكّر تاني - أن المعهد يحق له قانونًا إنهاء التعاقد السنوي مع العاملين دون الحاجة لقرار وزاري، لأن "العقد يجدد بالإخطار وليس بقرار من الوزارة"، على عكس ما يؤكده المفصولون.
وحول مسار الشكاوى، أشار فياض إلى أن وزارة التعليم العالي هي الجهة المختصة بالنظر في شكاوى أعضاء هيئة التدريس، بينما تتولى مديرية القوى العاملة متابعة قضايا الموظفين والعمال والبت فيها.
معهد طيران إمبابة.. تبعية معقدة بين وزارتين
تأسس معهد هندسة وتكنولوجيا الطيران عام 1997 ويقع في أرض مطار إمبابة. وتعود ملكيته لوزارة الطيران المدني، بينما يخضع للإشراف الأكاديمي من وزارة التعليم العالي. هذا الوضع المعقد يأتي في أعقاب قرار جمهوري صدر عام 2022، وضع المعهد تحت مظلة الأكاديمية المصرية لعلوم الطيران، وهو ما يرى العاملون أنه أصل الأزمات الإدارية الأخيرة.