انتخابات الشيوخ.. "ايه اللي ودَّاهم هناك"؟

إذا نظرت مشاهد انتخابات الغرفة البرلمانية الثانية؛ مجلس الشيوخ، لا بد أن تتأكد فورًا من صحة نظرية "دورات التاريخ"، التي تذهب إلى أن التاريخ يكرر حلقاته، فلا يسير في خط مستقيم، بل يدور حول نفسه، و"دوَّخيني يا ليمونة".

السيناريو الرتيب المهلهل هو هو، والإخراج الساذج هو هو، والخيال الضحل هو هو، والمؤدون أمام العدسات -ولا نقول الكومبارس- هم هم.

بسطاء معدمون قد يجدون أنفسهم بلا مأوى، في غضون بضع سنين بمقتضى قانون الإيجارات، خصورهم تتلوى بعصبية كأنهم "ممسوسون" في حلقة زار، يحنجِّلون ويتقافزون كالهنود الحمر على وقع أغنيات وطنية صاخبة، وهم إذ يرتكبون هذا العبث، يظنون أنهم يعبِّرون عن الولاء لرأس النظام، الذي دفعهم حبهم المجرد له، إلى النزول من بيوتهم في هذه الرمضاء الحارقة، لتأدية ما يقال إنه واجبهم الوطني.

رأس النظام يا جماعة الخير ليس مرشحًا على مقعد بالمجلس، فلماذا تأييده إذن؟ ولماذا يصر "الإنتاج والإخراج" على إقحام اسمه في عملية انتخابية يفترض أنه على مسافة واحدة من مرشحيها بلا استثناء؟

لا إجابة بالطبع، ففي كل جمهرة مصنَّعة، وفي كل طبخة جُهِزت بحسب المقادير الرسمية، لا بد من التأييد والتهليل، مع رقصات وزغاريد وهتافات وأناشيد؛ إنه "سِلو بلدنا"، وربنا ما يقطع لنا عادة.

لست أحسب أن أحدًا من الذين احتشدوا أو بالأحرى حُشِدوا أمام اللجان، فهرعت المواقع الإخبارية والصحف والفضائيات إلى التقاط صورهم، وإجراء مقابلات معهم، يعرف من الأصل شيئًا، عن الدور المنوط بمجلس الشيوخ، في الجمهورية الجديدة، التي تحكم البلاد والعباد بمبدأ: "ثابت محلك وامنع النفس"، وتُقيِّد العمل السياسي، وتضع الأحزاب قيد الإقامة الجبرية، أو تخفيها قسريًا.

أزهى عصور الديمقراطية.. صحيح

لكن كذلك ارتأى "مخرج العمل" الميلودرامي البائس، وكاتب السيناريو المهلهل؛ إنها دراما الحشود الراقصة، وأولئك الذين لا يفقهون للأمر تأويلًا، ولا يعرفون حتى لماذا هم في هذا المكان؟ يُعدّون الدليل الحاسم على أننا نعيش أزهى عصور الديمقراطية؛ صحيح، فالشعبية طاغية، طاغية فوق ما نتخيَّل، طاغية إلى درجة عصية على الشرح والتأويل.

ومع ابتذال وبذاءة المشهد، الذي يُراد أن تسويقه عرسًا ديمقراطيًا، يتهكم قطاع آخر من الشعب، ويصبون اللعنات على "المطبلاتية"، وتشتعل حملات السب والقذف: "جهلاء، رعاع، منسحقون، فاسدون ومفسدون"، ولا تشمل قائمة الاتهامات أنهم فقراء جائعون، وأنهم ليسوا جهلاء بالفطرة، أو قضاءً وقدرًا، بل جرى تجهيلهم وتهمشيهم، ثم استدعاؤهم مقابل الفتات لمثل هذه "الأعراس".

تُرى بكم يُباع الصوت ويُشترى؟

سؤال لا يكشف عن سر مكنون، فالمواد الفيلمية التي استخدمها المخرج لإبراز "العرس الديمقراطي"، على غرار المُقْعَدين الذين لبوا النداء، والبدينات المترهِّلات اللائي رجرجن أردافهن بلا تفسير أو هدف، والمسنين الذين يهتفون ملوِّحين بالأعلام، تقابلها في أفلام مضادة مشاهد تنفيها، عن الرشاوي الانتخابية.

 

في عصرٍ صار فيه "الموبايل" وحدة إنتاج وبث متكاملة، يستحيل أن تستأثر بعملية "الإخراج" منفردًا، وما من مجال لترويج سردية لا تعبِّر عن الواقع؛ لقد مات أحمد سعيد، وانتهى خطاب أحمد سعيد الإعلامي بغير رجعة.

لكن هذه الحقيقة لا تلفت انتباه القائمين على الأمر، ولا تحظى منهم حتى بالتفاتة، فإذا بهم يكررون السيناريوهات اللزجة الممجوجة بحذافيرها، فيما المتلقي يعلم علم اليقين أن النهاية الدرامية، لن تحمل الحد الأدنى من التغيير: سيحظى بالعضوية الذين رضت عنهم السلطة ورضوا عنها، لا أحد تساوره الشكوك في ذلك، سواء أشد المعارضين خصومةً، وأكثر المؤيدين تطرفًا.

ولمَّا كان ذلك من المعلوم بالضرورة، فإن التساؤل عن حجم الأموال المهدرة، على تلك الانتخابات، يغدو حتميًا لازمًا، وحين نقول مهدرة فإن التعبير مقصود، ذلك أن أحدًا لا يعوِّل على المجلس في شيء، ولا ينتظر منه تعديل "الحال المايل" ولو سنتيمترًا واحدًا.

عودة إلى الأصول التاريخية

تاريخيًا؛ تأسس مجلس الشيوخ، بموجب دستور 1923، في عهد الملك فؤاد الأول، حتى ألغي بعد ثورة 23 يوليو 1952، التي جمَّدت النظام النيابي، وحلَّت الأحزاب، على هتافات شعارها: "إقامة حياة ديمقراطية سليمة".

كان الشعار "ورقة سوليفان" برَّاقة، لتغليف قطعة حشيش مضروبة، حتى يشتريها الغافلون المخدوعون.

وكذلك بقي الحال حتى أعيد تأسيس المجلس تحت اسم: مجلس الشوري عام 1980، من قِبل السادات الذي دفع بأنه يستهدف توسيع قاعدة المشاركة السياسية، لكن ديمقراطية الرئيس المؤمن لم تسمح بذلك، إذ كانت كما كان يقول في عبارة كوميدية سوداء، "لها أنياب".

وبعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، تقرر حله بمقتضى دستور 2012، ثم أعيد تأسيسه باسمه القديم: مجلس الشيوخ، بموجب تعديلات دستورية سنة 2019، والذريعة أنه سيؤدي دوره غرفةً استشاريةً لا تشريعية، تدرس مشروعات القوانين المهمة، وقضايا الأمن القومي.

تاريخ طويل بالطبع، لكن اللافت أن المجلس منذ ولادته حتى الآن، لم يكن ذا دور ملموس، في إثراء العمل السياسي، إذ كانت السلطة الفعلية أول الأمر في يد الملك، وعاش الملك مات الملك.

وعلى مدى ثلاثينية المخلوع السوداء، صوّت "الشُورى" على جميع التشريعات التي تدعم بقاء الحزب الوطني جاثمًا كأنه جلمود صخر على صدور المصريين، الأمر الذي أسفر بعد سقوط مبارك وحزبه وحكومته ومجلسيه النيابيين، عن صب الهجوم على المجلس، الذي كان تولى رئاسته، رجل مبارك المقرب؛ صفوت الشريف.

غرفتان برلمانيتان ولا ديمقراطية

سياسيون وكتاب ومفكرون، قالوا بعد مبارك في المجلس، أكثر مما قاله مالك في الخمر، منهم محمد حسنين هيكل الذي وصفه بأنه كان مجرد "ديكور سياسي"، أنشيء لتوسيع قاعدة المولاة، لا المشاركة، فيما ذهب الدكتور جلال أمين إلى نقد أعمق، إذ تساءل عن جدوى وجود غرفتين برلمانيتين في غياب الديمقراطية.

أما رفعت السعيد، رئيس حزب التجمع الأسبق، والمحسوب على المعارضة، والذي كان عضوًا بالمجلس، فصَّرح بأنه كان يعمل في إطار "النظام العام"، وهذا على الأرجح تعبير مخفف لعبارة: "كان ينفذ الأوامر".

ما أشبه الليلة بالبارحة؟ ألم أقل لك إن مشاهد اليوم تؤكد نظرية دوائر التاريخ؟

ولو نحينا التاريخ جانبًا، فإن المجلس في صورته الراهنة، لم يخرج عن أصله وفصله، ولم يغادر طبيعته أو قل فطرته الأولى، ولأن العرق دسَّاس، لم نسمع مرةً أنه يعارض قرارًا أو قانونًا، أو حتى ينبس بحرف لنقد سياسة ما.

في كارثة سد النهضة، أيَّد المجلس الموقف الرسمي، الذي لا يبدو واضحًا بالمناسبة، وفي القضية الفلسطينية، تبنى الموقف الرسمي، وفي السياسات الاقتصادية، التي تُسمى بالإصلاح الاقتصادي، لم يخرج عن الموقف الرسمي، وغدًا سيؤيد أي موقف رسمي، وبعد غد سيعضد أي موقف رسمي.

وضع الحصان خلف العربة

المعلوم بالضرورة أن وجود المجالس النيابية، لا يصنع الديمقراطية، لكن الديمقراطية هي التي تصنع الحياة النيابية الصحية الصحيحة، فلماذا نصر على وضع الحصان خلف العربة؟

بالنظر إلى أداء المجلس الذي لا نعرف كم بلغ الإنفاق على انتخاباته؟ غير أننا نعرف من واقع بيانات موازنة 2024/ 2023 أن مخصصاته السنوية، تزيد عن 750 مليون جنيه، فإن الحقيقة التي لا تحتمل قولان، أنه يشكِّل عبئًا على دولة، يراد أن يقتنع الفقراء من أبناء شعبها بـ"أنهم فقرا قوي".

مجلس منزوع الصلاحيات، لا ذرة تأثير له على صناعة القرار السياسي والاقتصادي، يستهلك ولا ينتج، لا بد أن يعاد النظر في وجوده من الأصل.

هذا بيت القصيد؛ ما دام المناخ السياسي خانقًا، وسقف حرية التعبير منهارًا، والرأي رأي السلطة، والقرار قرارها، فلا جدوى من مجلس "استشاري"، لا تُسمع مشورته، بل لا يتقدم بالمشورة أصلًا، إذ لا يزال "يعمل في الإطار العام"، وفق تعبير رفعت السعيد.

رغم ذلك يريد المخرج أن يقول إن الإقبال كان تاريخيًا، والعرس الديمقراطي كان "زفة تأييد" غير مسبوقة، فكيف يتسنى ذلك؟.. لا تناقش ولا تجادل.

إن الرقص الفاحش، واستدعاء السوقية، وحشد الابتذال الرخيص، استغلالًا لحاجة الذين أفقرتهم السياسات الاقتصادية منذ عقود، وجهَّلتهم السياسات التعليمية منذ عقود، وأمرضهم تهالك المنظومة الصحية منذ عقود، ولا يعرفون "ايه اللي ودَّاهم هناك"، لن يقنع أحدًا لا في الداخل، ولا في الخارج، بحجم التأييد الذي تحظى به الدولة، أو بالديمقراطية غير المسبوقة، فالمشهد "مهروس"، والتاريخ الذي يكرر حلقاته، قد يفاجئ الجميع بتكرار غير متوقع في أي لحظة، فيا خفي الألطاف نجنا مما نخاف.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة