"إمبي إنترناشيونال": الفيل الهندي يدهس العمالة المصرية بلا حماية

"بعد ما اشتغلنا في الشركة 20 سنة الإدارة بتساومنا، عايزين يضيعوا حقوقنا عن السنين اللي فاتت، مصيرنا في إيد الإدارة وماحدش قادر يقف قدامها".

في حديثه لـ فَكّر تاني، يلخص أحد عمال مصنع النسيج بشركة "إمبي إنترناشيونال" الأزمة التي تهدد مستقبله ومستقبل مئات من زملائه. بحسب شهادته وعدد من زملائه، تمارس الإدارة الهندية للشركة ضغوطًا لإجبارهم على تقديم استقالاتهم، ووضعتهم أمام خيارين: إما قبول الاستقالة مقابل صرف مستحقاتهم على ثلاث مراحل، أو توقيع عقود عمل جديدة ومحددة المدة تحت اسم الكيان الجديد "إمبي جروب"، وهو ما يترتب عليه ضياع حقوقهم المكتسبة عن سنوات خدمة تتراوح بين 15 و20 عامًا، والبدء من جديد برواتب الموظفين الجدد.

رئيس الوزراء في زيارة سابقة لمصنع "إمبي إنترناشيونال"
رئيس الوزراء في زيارة سابقة لمصنع "إمبي إنترناشيونال"

إمبي.. من نزاع إداري لأزمة عمالية

تأتي هذه الأزمة في أعقاب تغيير إداري داخلي، حيث انتقلت إدارة شركة "إمبي"، العاملة في مجال تصنيع الملابس الجاهزة من نسج القماش وحتى المنتج النهائي، إلى ورثة المالك الأصلي.

وفقًا لشهادات العمال لـ فَكّر تاني، تم الاتفاق بين الورثة على نقل إدارة مصنع النسيج، وهو أحد 5 مصانع تابعة للشركة، لأحد الورثة، مما استدعى تغيير الاسم التجاري من "إمبي إنترناشيونال" إلى "إمبي جروب". هذا التغيير القانوني هو الذي تستند إليه الإدارة في مطالبتها للعمال بتوقيع عقود جديدة.

الأسبوع الماضي، تصاعدت حدة التوتر حين نظم نحو 500 عامل في مصنع النسيج وقفة احتجاجية على مدار يومين. وجاء الاحتجاج بعد اكتشاف أحد العمال وجود أوراق استقالة مُدرجة سرًا بين أوراق العقد الجديد الذي طُلب منه التوقيع عليه، مما أثار غضب العمال ودفعهم لرفض التوقيع على أي وثائق.

وقد زاد من مخاوفهم، تأكيد عدد منهم أن الشركة كانت تخصم حصصهم في التأمينات لسنوات دون توريدها للجهات المعنية، وهو ما يهدد حقوقهم في المعاش والتأمين الصحي.

وبحسب إفادة العمال، فإن خالد منتصر، ممثل الإدارة، هو من أبلغهم بالخيارين المتاحين، موضحًا أن مسألة احتساب المستحقات (على الراتب الأساسي أم الشامل) ستترك لمديرية القوى العاملة لحسمها.

ورغم تدخل مديرية العمل التي حضرت إلى مقر الشركة واستمعت لشكاوى العمال، لم يتم التوصل إلى حل أو التواصل معهم مجددًا حتى تاريخ نشر هذه الشهادات.

شروط مجحفة ومستقبل مجهول

تتجاوز مخاوف العمال مجرد تغيير المسمى الوظيفي، لتصل إلى جوهر مستقبلهم المالي. فبحسب شهاداتهم، تهدف الإدارة من وراء هذه الخطوة إلى تخفيض الأجور بشكل كبير. حيث يتقاضى العامل الذي تتراوح سنوات خبرته بين 10 و20 عامًا راتبًا إجماليًا يتراوح بين 12 ألفًا و18 ألف جنيه (شاملًا ساعات العمل الإضافية)، يُستقطع منه حوالي 3 آلاف جنيه للتأمينات.

أما في حال قبول العقود الجديدة، فقد أُبلغوا بأن رواتبهم ستخضع للحد الأدنى للأجور (المحدد بـ 6000 جنيه، وليس 7000 كما ورد خطأً في شهادة العامل)، وهو ما يعني خسارة مكتسبات سنوات الخبرة الطويلة.

وتزداد الشكوك حول نوايا الإدارة مع الشروط الأخرى المرفقة بالعقد الجديد. فبالرغم من وعود الإدارة الشفهية بأن العقد الجديد "سيحافظ على المدد السابقة"، يرى العمال أن هذا مجرد "تسويف"، حيث إن الكيان القانوني الجديد لن يكون ملزمًا بمستحقاتهم من الشركة القديمة. والأخطر من ذلك، هو اشتراط العقد الجديد خضوعهم لفترة اختبار مدتها ثلاثة أشهر، مما يمنح الإدارة الحق في فصلهم بحجة "عدم الكفاءة"، رغم خبراتهم الممتدة لعقود.

تحت ضغط الظروف القاسية

تأتي هذه الأزمة لتفاقم من معاناة العمال اليومية داخل المصنع. فهم يعملون بنظام الورديات لمدة 12 ساعة يوميًا في عنابر سيئة التهوية، تحت أسقف من الصاج تفتقر للعوازل الحرارية. كما يتعرضون بشكل مستمر للغبار المتصاعد من آلات النسيج دون توفير وسائل السلامة والصحة المهنية الكافية، باستثناء كمامات تُصرف أحيانًا.

وعلى صعيد الحقوق المالية الأخرى، لا يتقاضى العمال سوى بدل وجبة لا يتجاوز 300 جنيه شهريًا، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية تكلفة وجبة إفطار واحدة يوميًا. كما أنهم محرومون من صرف اللبن، الذي ينص القانون على توفيره للعاملين في صناعة النسيج للوقاية من الأمراض الصدرية.

أما الأرباح السنوية، فلا تتجاوز في أفضل الأحوال 2000 جنيه، مع غياب تام لأي حوافز إضافية، بينما يُخصم من رواتبهم نحو 1000 جنيه شهريًا لصالح نظام التأمين الصحي الشامل المطبق في محافظات القناة.

اتحاد النقابات: إجراءات "تعسفية وغير قانونية"

لم تقتصر الأزمة على أصوات العمال داخل المصنع، بل وجدت صدى لدى المنظمات العمالية. فقد أعلن "اتحاد تضامن النقابات العمالية" عن إدانته الكاملة لما وصفه بـ"الممارسات التعسفية وغير القانونية" التي تمارسها إدارة مصنع "إمبي".

وفي بيان رسمي، اعتبر الاتحاد أن خطوة تغيير اسم الشركة محاولة "فجّة" للتهرب من الالتزامات القانونية، ومطالبة العمال بتقديم استقالاتهم مقابل وعود بصرف شهرين عن كل سنة خدمة على ثلاث دفعات، هو انتهاك صارخ لقانون العمل المصري.

تضرر عمالي من بخار الماكينات
تضرر عمالي من بخار الماكينات

كما أدان الاتحاد ما كشفه العمال من عدم تسجيل سنوات طويلة من عملهم في التأمينات الاجتماعية، معتبرًا ذلك "تهربًا واضحًا من التأمينات والضرائب"، وخرقًا للحقوق الدستورية للعمال في الحماية الاجتماعية.

وبينما انتقد ساعات العمل التي تصل إلى 12 ساعة يوميًا، واصفًا إياها بالمخالفة للقانون. حمّل الاتحاد كلًا من إدارة المصنع ووزارة العمل المسؤولية الكاملة. وطالب الإدارة بتحمل تبعات أي أضرار مادية أو نفسية تلحق بالعمال، فيما انتقد "صمت وتقاعس" الجهات الرقابية المعنية عن أداء دورها في حماية حقوق العاملين.

واختتم بيانه بدعوة العمال إلى عدم التوقيع على أي استقالات أو عقود جديدة دون إشراف قانوني ونقابي، كما حث كافة النقابات المستقلة والمراكز الحقوقية على التضامن مع عمال "إمبي" واتخاذ كافة الإجراءات اللازمة للدفاع عنهم، مؤكدًا أن "الدفاع عن حقوق العمال واجب لا يحتمل التأجيل".

سجل أداء إمبي.. هل هناك أزمة تشغيلية؟

لم تكن الأزمة الحالية هي أولى المواجهات بين العمال وإدارة الشركة. ففي مايو 2023، نظم 410 من عمال قسم الإنتاج وقفة احتجاجية للمطالبة بصرف مِنح وبعض المستحقات، وانتهت الأزمة حينها بعد مفاوضات جماعية رعتها مديرية القوى العاملة بالإسماعيلية، وعاد العمل للانتظام.

لكن الأزمة الراهنة تبدو أكثر تعقيدًا، حيث تمس جوهر العلاقة التعاقدية للعمال.

تأتي هذه الأزمة في أعقاب تغيير إداري داخلي، حيث انتقلت إدارة شركة "إمبي"، العاملة في مجال تصنيع الملابس الجاهزة من نسج القماش وحتى المنتج النهائي، إلى ورثة المالك الأصلي.

وتأتي هذه النزاعات في ظل ما تبدو عليه الشركة من نجاح اقتصادي كبير. فمصنع "إمبي"، المقام على مساحة 89,500 متر مربع عبر 5 مواقع داخل المنطقة الحرة بالإسماعيلية، يُعد كيانًا استثماريًا ضخمًا برأس مال يبلغ 5.1 مليون دولار وتكاليف استثمارية وصلت إلى 23.6 مليون دولار. ويقوم المصنع بتصنيع منتجات لكبرى الماركات العالمية، وقد بلغ حجم صادراته في الربع الأول من عام 2020 وحده حوالي 31.1 مليون دولار، ويعمل به ما يزيد على 4200 عامل.

ويقع هذا الاستثمار ضمن محفظة استثمارية هندية أوسع في مصر، حيث أشار نافديب سوري السفير الهندي السابق بالقاهرة، في تصريحات صحفية سابقة، إلى أن حجم الاستثمارات الهندية في مصر يبلغ 2.5 مليار دولار، وتوفر حوالي 35 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة للمصريين.

من شريك نجاح لرقمٍ في العقد

تتجاوز أزمة "إمبي" كونها مجرد نزاع عمالي لتطرح سؤالًا أعمق حول قيمة الخبرة والالتزام في سوق العمل. ففي الوقت الذي تُظهر فيه البيانات المالية قصة نجاح استثماري كبير، يجد العامل الذي أمضى عشرين عامًا في بناء هذا النجاح نفسه مهددًا بفقدان تاريخه المهني بجرّة قلم.

وهكذا، يقف مئات العمال بين وعود الإدارة الغامضة ومستقبلهم المجهول، في معركة لا تقتصر على الحقوق المالية، بل تمتد للدفاع عن الكرامة الإنسانية وقيمة سنوات العمر التي قضوها في خدمة كيان يراهم اليوم مجرد أرقام في عقد جديد.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة