في قلب القاهرة وعلى ضفاف النيل، يقف مبنى فندق "ميرديان" التاريخي مغلقًا وشاهدًا صامتًا على أزمة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود. وعلى بعد مئات الكيلومترات في الغردقة، يشاركه فندق "شيراتون" المصير ذاته، حيث يظل موقعه الفريد الذي يحتضنه البحر الأحمر من ثلاث جهات، خارج الخدمة. تمثل هاتان الحالتان نموذجًا واضحًا لتحدي "ضمانة التشغيل" بعد بيع الأصول الاستراتيجية.
تعود جذور الأزمة إلى أولى موجات الخصخصة في مصر بعهد رئيس الوزراء الأسبق عاطف صدقي.

لم تكن موجة الخصخصة هذه وليدة الصدفة، بل جاءت في سياق "برنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي" الذي تبنته مصر في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية. كان الهدف الأساسي هو تخفيف عبء الدين العام عن الدولة وتقليص دورها في الأنشطة الاقتصادية المباشرة.
وفي خضم هذا التوجه، ربما كان التركيز منصبًا على سرعة إتمام صفقات البيع لتوفير سيولة عاجلة للخزانة العامة، أكثر من التركيز على صياغة بنود تعاقدية معقدة تضمن آليات التنمية ومراقبة الأداء على المدى الطويل، وهو ما فتح الباب أمام ظهور مثل هذه النزاعات لاحقًا، حين باعت شركة "إيجوث" الحكومية فندق "الميرديان" لمستثمر سعودي بهدف تطويره وزيادة طاقته الاستيعابية إلى 1000 غرفة فندقية.
ورغم أن المستثمر التزم وقتها ببناء برج جديد يضم 700 غرفة، إلا أنه أوقف تطوير المبنى الأصلي التاريخي، سعيًا لهدمه واستبداله بثلاثة أبراج سكنية، وهو ما تعارض مع عقد البيع الذي ينص على استمرار النشاط الفندقي.
وعلى مدار سنوات بعد ذلك، ظلت الأزمة تراوح مكانها. ففي عام 2015، فشلت محاولات رئيس الوزراء آنذاك، إبراهيم محلب، في التوصل لحل لإعادة تأهيل الفندق. وفي عام 2022، أثيرت القضية مجددًا في مجلس الشيوخ، حيث تساءل مسؤولو الشركة القابضة للسياحة عن آليات إلزام المستثمر أو التراجع عن البيع، وهي أسئلة بقيت دون إجابة حاسمة.

تكررت المأساة في الغردقة مع فندق "شيراتون"، أول فندق يُبنى على ساحل المدينة عام 1963. استحوذ المستثمر السعودي أيضًا على الفندق ومساحة 81 فدانًا و14 قيراطًا (القيراط يعادل 175 مترًا) بقيمة 1.05 مليون جنيه، ضمن اتفاق لتطوير "مركز الغردقة السياحي الجديد"، الذي تضمن أيضًا ردم 30 فدانًا في البحر الأحمر مقابل 15 مليون دولار.
لكن المشروع لم يكتمل، ودخل المستثمر في نزاعات قضائية مع الدولة انتهت بتسوية في عهد حكومة الرئيس الأسبق محمد مرسي، قضت بدفع 30 مليون جنيه بدلًا من 300 مليون كانت قد طالبت بها محافظة البحر الأحمر.
ورغم التسوية، ظل الفندق مغلقًا، مما أثار استجوابًا برلمانيًا لاحقًا قدر القيمة السوقية المهدرة للأرض بنحو 16 مليار جنيه، بناءً على سعر المتر في المنطقة البالغ 35 ألف جنيه.

هل نتحمل تكلفة إغلاق كنوزنا السياحية؟
تتجاوز قصتا "الميرديان" و"شيراتون" كونهما مجرد نزاعات تعاقدية، لتطرحا سؤالًا استراتيجيًا حول مستقبل إدارة الأصول في مصر، خاصةً في ظل التوجهات الحكومية الحالية الرامية إلى تعظيم الاستفادة من الأصول المملوكة للدولة وإحياء الفنادق التاريخية. فالخسائر الاقتصادية الناتجة عن تجميد هذه المنشآت الحيوية كبيرة ومباشرة.
وعلى سبيل المثال، أدى إغلاق فندق "شيراتون الغردقة" وحده إلى خسارة الدولة ما يقدر بنحو 400 مليون جنيه حتى عام 2021، وهي تمثل الرسوم التي كانت تحصل عليها المحافظة ووزارة السياحة بنسبة 1.5% من قيمة كل غرفة محجوزة، هذا بالإضافة إلى الضرائب والتأمينات وفرص العمل المفقودة وإنفاق السياح الذي توقف.
لكن هذه الأرقام المباشرة لا تحكي القصة كاملة، فالأثر الاقتصادي يتجاوز الخسائر المالية المباشرة ليشمل ما يُعرف بـ"الأثر المضاعف" (Multiplier Effect). فالفندق الكبير ليس مجرد مبنى، بل هو محرك اقتصادي صغير يدعم شبكة واسعة من الوظائف غير المباشرة، بدءًا من الموردين المحليين للأغذية والمشروبات، ومرورًا بخدمات النقل والصيانة والغسيل، وانتهاءً بالمحال التجارية والبازارات المحيطة التي تعتمد على تدفق السياح. كما أن وجود مبنى تاريخي مهجور في موقع حيوي يضر بالمظهر الحضاري للمنطقة ويؤثر سلبًا على الاستثمارات المجاورة.
كذلك، تكتسب قضية ضمان التشغيل أهمية مضاعفة في ضوء خطط الحكومة لجذب 30 مليون سائح بحلول عام 2028. إذ أنه لتحقيق هذا الهدف، تحتاج البلاد إلى إضافة نحو 200 ألف غرفة فندقية جديدة، وهو استثمار ضخم بالنظر إلى أن تكلفة إنشاء الغرفة الفندقية الواحدة تتراوح بين 130 ألفًا و150 ألف دولار أمريكي، مما يجعل إعادة تشغيل الأصول القائمة خيارًا لا غنى عنه.

في هذا السياق، تطالب الدكتورة عالية المهدي العميدة السابقة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، بسن تشريع يمنح الدولة المصرية الحق في استرداد أي أصل مباع لا يتم تشغيله بصورة مفيدة للاقتصاد، معتبرةً - في حديثها لـ فَكّر تاني - أن "العقود يجب أن تنص على ضمان حقوق الشعب في الأصول حتى لو تم بيعها". وتتساءل عن منطقية تحويل مبنى بموقع فريد إلى "خرابة"، وعن حق مصر في حماية استثماراتها كما تطالب الدول الأخرى.
وتأتي هذه الدعوات في وقت وافق فيه مجلس النواب في مارس الماضي على اتفاقية لتشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة مع السعودية، في خطوة تهدف لتهيئة بيئة استثمارية أفضل بين البلدين، مما يضع أهمية الشروط التعاقدية في صدارة المشهد لضمان تحقيق المنفعة المتبادلة.
تهدف مثل هذه الاتفاقيات الدولية بشكل أساسي إلى حماية المستثمرين من المخاطر غير التجارية، كالمصادرة التعسفية أو تغيير شروط اللعبة بعد بدء الاستثمار، وتضمن لهم معاملة عادلة وشفافة.
لكن في المقابل، تؤكد الممارسات الدولية الحديثة على ضرورة أن تتضمن هذه الاتفاقيات توازنًا يحفظ حق الدولة السيادي في التنظيم لتحقيق أهداف التنمية المستدامة والمصلحة العامة. ويكمن التحدي دائمًا في صياغة بنود لا تعيق تدفق الاستثمار، وفي الوقت نفسه لا تترك الأصول الاستراتيجية رهينة لتقديرات المستثمر دون التزامات تنموية واضحة.
دروس الماضي في عقود اليوم: ضمان التشغيل أولًا

يؤكد الخبير المالي هاني توفيق على أن الدروس المستفادة من هذه التجارب يجب أن تكون حاضرة في الصفقات الكبرى الحالية، مشددًا - في حديثه لـ فَكّر تاني - على ضرورة تضمين العقود شروطًا واضحة تضمن حق الدولة.
ويشير توفيق إلى أهمية وجود "خطة زمنية وأهداف ومواعيد محددة للتنمية" في مشروعات مثل "رأس الحكمة"، محذرًا من أنه دون هذه الضمانات، قد لا يتجاوز الأمر كونه مجرد "نقل ملكية" وليس استثمارًا مباشرًا حقيقيًا حتى تبدأ التنمية الفعلية على الأرض.
ولتجنب تكرار هذا السيناريو، تتجه أفضل الممارسات الدولية إلى تضمين العقود آليات قانونية محكمة تُعرف بـ"شروط الأداء".
تشمل هذه الآليات تحديد جداول زمنية ملزمة لكل مرحلة من مراحل التطوير والتشغيل، وربطها بـشروط جزائية مالية تصاعدية في حال التأخير غير المبرر. والأهم من ذلك، إدراج "بنود استرداد" (Clawback Clauses)، وهي بنود تمنح الدولة الحق في استعادة الأصل أو إعادة شرائه بسعر متفق عليه مسبقًا إذا فشل المستثمر في تحقيق الأهداف التنموية الجوهرية خلال فترة زمنية محددة، مما يحول العقد من مجرد صفقة بيع إلى شراكة حقيقية في التنمية.
تقدم أزمتا "الميرديان" و"شيراتون" خلاصة حاسمة لصناع القرار: إن القيمة الحقيقية لبيع الأصول لا تكمن في المقابل المادي للصفقة لحظة توقيعها، بل في قدرتها على التحول إلى مشروعات منتجة تدر عائدًا مستدامًا على الاقتصاد، وتخلق فرص عمل، وتعزز القطاعات الحيوية كالسياحة. فبدون "ضمانة التشغيل"، قد تتحول أثمن الأصول إلى مجرد أطلال باهظة الثمن.