الجنيه العنيد.. تحدى التوقعات أم يخدعنا؟

بعد أشهر من الترقب الذي ساد الأسواق عقب قرار تاريخي بتحرير سعر الصرف في السادس من مارس 2024، وهو القرار الذي شهد هبوط قيمة الجنيه بنحو 40% في يوم واحد، من مستوى 31 جنيهًا إلى ما يقارب 50 جنيهًا للدولار، بدا المشهد وكأنه يتجه نحو استقرار هش. لكن في منعطف غير متوقع، بدأ الجنيه المصري فجأة في كتابة فصل جديد من حكايته. فخلال شهر يوليو الجاري، حقق مستوى قياسيًا هو الأعلى له في ثمانية أشهر، ليتراجع الدولار من 49.76 جنيهًا إلى 48.95 جنيهًا، كاسرًا بذلك حاجز 49 جنيهًا النفسي.

هذا التحول المفاجئ أثار جدلًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية، فاتحًا الباب أمام سؤال محوري يقود هذه القصة: هل كان هذا الصعود يعكس قوة حقيقية تتولد من رحم الاقتصاد المصري، أم أنه مجرد صدى لضعف عالمي يعانيه خصمه، الدولار الأمريكي، ونتيجة حتمية لتقييمات دولية ترى أن الجنيه يُتداول بأقل من قيمته الحقيقية منذ البداية؟

من يكتب رواية الجنيه الحقيقية؟

لفهم هذه الادعاءات الجريئة، يجب أولًا إدراك أن الوصول لسعر صرف "عادل" لعملة ما هو رحلة معقدة ونتاج لتفاعل مؤشرات اقتصادية عدة، في مقدمتها معدلات التضخم. فكلما ارتفع التضخم تراجعت قيمة العملة لأنها تفقد من قوتها الشرائية. وهناك أيضًا أسعار الفائدة الحقيقية، وهي الفرق بين الفائدة البنكية والتضخم، والتي كلما زادت، زاد الطلب على العملة.

في هذا السياق، انطلقت فصول القصة الأحدث للجنيه، ليس من القاهرة، بل من كبرى عواصم المال العالمية. فمن نيويورك، جاء صوت بنك استثماري عملاق، "جولدمان ساكس"، ليقول إن الرواية التي يتداولها السوق قد تكون خاطئة.

في تقريره، أكد البنك أن الجنيه المصري لا يزال يُتداول بأقل من قيمته العادلة بنحو 30%، وأن السعر الحقيقي للدولار يجب ألا يزيد عن 35 جنيهًا، أي أقل بنحو 13.85 جنيهًا عن سعره المتداول في البنوك.

ولم يكن "جولدمان ساكس" وحده في هذا التقييم. فقد جاء شاهد آخر من لندن ليدعم الرواية ذاتها، ولكن بشكل أكثر دراماتيكية.

انخفضت التعاملات اليومية من ذروتها التي تراوحت بين 750 مليونًا ومليار دولار في أبريل الماضي، لتستقر عند مستوى يتراوح بين 100 و200 مليون دولار يوميًا فقط (الصورة: وكالات)
انخفضت التعاملات اليومية من ذروتها التي تراوحت بين 750 مليونًا ومليار دولار في أبريل الماضي، لتستقر عند مستوى يتراوح بين 100 و200 مليون دولار يوميًا فقط (الصورة: وكالات)

مؤشر "بيج ماك"، الذي تصدره صحيفة "ذي إيكونوميست" منذ قرابة أربعين عامًا لقياس القوة الشرائية للعملات، أشار إلى أن الجنيه مقوّم بأقل من قيمته بنسبة 57.9%. ووفقًا لمنطق هذا المؤشر البسيط والعميق، فإن الدولار، نظريًا، لا يجب أن يزيد على 20 جنيهًا و80 قرشًا.

لكن بعيدًا عن أوراق المحللين، كانت هناك قصة أخرى تُروى في قلب النظام المصرفي المصري. وهي قصة تُظهرها أرقام التداول اليومية في سوق "الإنتربنك".

اقرأ أيضًا: النقوط.. ما فعله التضخم والعوز بأعراس المصريين

هذا السوق، التي يمثل بورصة داخلية تتبادل فيها البنوك الدولار تحت إشراف البنك المركزي، هي المرآة الحقيقية لقوى العرض والطلب. ارتفاع حجم تعاملاتها يعني وجود طلب قوي، غالبًا بسبب ضغوط لتمويل الواردات أو خروج استثمارات أجنبية. والعكس صحيح.

وهنا، شهدت القصة تحولًا ماديًا، حيث هدأ الطلب المحموم على العملة الأمريكية بشكل لافت.

انخفضت التعاملات اليومية من ذروتها التي تراوحت بين 750 مليونًا ومليار دولار في أبريل الماضي، لتستقر عند مستوى يتراوح بين 100 و200 مليون دولار يوميًا فقط. هذا، بحسب مسؤول مصرفي تحدث لـ فَكّر تاني، دليل مادي على وفرة المعروض من الدولار في السوق المحلية.

هل قوة الجنيه مصطنعة؟

الخبير الاقتصادي محمد الدشناوي (وكالات)
الخبير الاقتصادي محمد الدشناوي (وكالات)

في مقابل هذه الرواية المتفائلة، بدأت أصوات من الداخل تحذر مما وصفه الخبير الاقتصادي محمد الدشناوي بـ"فخ المظاهر الاقتصادية". فبالنسبة لقطاع من الاقتصاديين، قد تكون قصة صعود الجنيه أقل وردية مما تبدو.

يكمن قلق هذا الفريق في أن هذه القوة قد لا تكون ذاتية، بل تأتي على حساب الاحتياطي النقدي والتنافسية، وأن "الجنيه الرخيص المدعوم بسياسات إنتاجية سليمة هو صورة للصلابة أكثر من أي شعار".

يقوم هذا التحذير على منطق اقتصادي واضح: فالعملة الأضعف، رغم أنها ترفع أسعار السلع المستوردة وأعباء خدمة الديون، إلا أنها تجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة لأنها تعني تكاليف عمالة أقل، وتجعل السلع المصدرة أرخص وأكثر تنافسية في الأسواق العالمية.

هذا التشكك أثار تساؤلًا حساسًا: هل يتدخل البنك المركزي بشكل غير مباشر لدعم قيمة الجنيه، مستنزفًا بذلك الاحتياطيات التي قفزت بنسبة 38% خلال عام ونصف بفضل تدفقات صفقة "رأس الحكمة"؟ فالحفاظ على عملة قوية بشكل مصطنع، كما يرى الدشناوي في حديثه لـ فَكّر تاني، قد يضر بقدرة مصر التنافسية في بيئة عالمية تشهد توترات حادة في سلاسل الإمداد وتضخمًا لا يزال نشطًا.

يؤمن أصحاب هذه الأطروحة بأن القصة لم تُكتب فصولها هذه المرة أيضًا في القاهرة وحدها. ففي واشنطن، كان هناك بطل آخر في هذه الرواية يفقد بعضًا من بريقه: الدولار نفسه.

يشير خبراء إلى أن تراجع العملة الأمريكية أمام الجنيه يأتي في سياق عالمي، حيث فقد الدولار 11% من قيمته منذ تولي الرئيس الحالي دونالد ترامب الحكم، وسط رغبة أمريكية معلنة في دولار أرخص لتعزيز الصادرات والإنتاج المحلي.

هذه الرغبة تجلت في معركة ترامب الشهيرة ضد رئيس الاحتياطي الفيدرالي، والتي وصلت لوصفه بـ"الغبي" ومطالبته بالاستقالة لأنه لا يخفض أسعار الفائدة بالسرعة الكافية. وهو ما يطرح سؤالًا آخر: هل قوة الجنيه هي مجرد مرآة لضعف الدولار عالميًا؟

أحد الزبائن يختار العملات المصرية في أحد أسواق القاهرة. (تصوير: إسلام صفوت/بلومبرج)
أحد الزبائن يختار العملات المصرية في أحد أسواق القاهرة. (تصوير: إسلام صفوت/بلومبرج)

قصة الجنيه بين القوة المكتسبة والالتزام الصارم

جدل اقتصادي معقد يحتدم، إلا أن الأرقام الرسمية تقدم فصلًا أخيرًا يميل نحو رواية الاستقرار.

فتقارير صندوق النقد الدولي تؤكد أن البنك المركزي المصري لم يتدخل في السوق للتأثير على السعر منذ عملية توحيد سعر الصرف في مارس، وأن التزامه بمرونة الصرف لا يزال قائمًا.

اقرأ أيضًا: كثير من البشر وقليل من الشراء..لماذا الركود التضخمي هو الأسوأ للمصريين؟

وهذا الموقف يدعمه واقع ملموس، حيث تمكنت مصر من سداد أقساط ديون بقيمة 10.1 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2023/ 2024، دون أن يمارس ذلك ضغطًا على سعر الصرف، وهو ما يؤكد استقرار الموارد الدولارية رغم التحديات الإقليمية التي أثرت على إيرادات قناة السويس.

وهكذا، يقف الجنيه المصري عند مفترق طرق. فصعوده الأخير ليس نتيجة سبب واحد، كما يقول الخبراء، بل هو محصلة قصة متعددة الأوجه: تقارير دولية ترسم له قيمة أعلى، وهدوء في الطلب المحلي يمنحه متنفسًا، وضعف عالمي لخصمه الرئيسي يدفعه للأمام، وأصوات داخلية تحذر من أن القوة الحقيقية تكمن في الإنتاج وليس فقط في سعر الصرف، خاصة مع ارتفاع العجز في الميزان التجاري غير البترولي إلى نحو 28 مليار دولار.

ويبقى السؤال: هل سيواصل الجنيه رحلة صعوده كدليل على صلابة اقتصادية حقيقية، أم أن الفصول القادمة من القصة ستكشف عن تحديات جديدة تفرضها التقلبات العالمية والمحلية؟

الإجابة لا تزال تُكتب، يومًا بعد يوم، في أسواق المال العالمية وفي المحلية أيضًا.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة