في مشهد انتخابات مجلس الشيوخ المصري لعام 2025، تبرز مفارقة واضحة: فعلى الرغم من أن رؤى المرشحات، على قلة عددهن، جاءت “متباينة تارة، ومتوافقة تارة أخرى حول ما يعتقدن أنه يحقق ما يتمناه المصريون والمصريات”، إلا أن حضورهن العددي يبقى محدودًا.
ومن بين 424 مرشحًا – بحسب بيانات الهيئة الوطنية للانتخابات – لم تتقدم سوى 50 سيدة تقريبًا، 19 منهن مستقلات والباقيات عبر “أحزاب الموالاة وأحزاب الحيز المتاح”.
هذا الواقع يفتح الباب واسعًا أمام تحليل أسباب هذه الفجوة، وفي الوقت ذاته، يكشف عن طموحات وبرامج نساء قررن خوض غمار المنافسة.
عوائق هيكلية وبعض من تفاؤل
عند البحث في أسباب ضعف التمثيل النسائي في سباق الترشح، تتضافر التحديات الاجتماعية مع العقبات السياسية لتشكل حاجزًا معقدًا.
نيفين فارس
تطرح الدكتورة نيفين فارس مرشحة حزب العدل، تشخيصًا متعدد الأبعاد لهذه الظاهرة، مؤكدةً أن من بين الأسباب الرئيسية “التمييز بين الجنسين، الذي يمكن أن يؤدي إلى تقليل فرص المرأة في المشاركة السياسية، والقيود الاجتماعية”.
وتضيف – في حديثها لـ فَكّر تاني – أن “عدم وجود دعم سياسي لها يؤدي إلى صعوبة فوزها في الانتخابات، وكذلك التحديات الانتخابية تكون أكبر للمرأة مقارنة بالرجل، وكذا التحديات المالية التي تؤثر على قدرة المرأة للمشاركة في الانتخابات”.
جيهان مديح رئيس حزب مصر أكتوبر – فيس بوك
هذا الرأي يتقاطع مع رؤية الدكتورة جيهان مديح رئيسة حزب “مصر أكتوبر” الذي لم يقدم أي مرشحات، والتي ترى أن الخلل يكمن في البنية السياسية نفسها. فبرغم إقرار الدستور المصري لحقوق المرأة في المادة (11)، إلا أن تمثيلها في الغرفة الثانية للبرلمان “لم يُمنح الزخم نفسه” الذي حظي به في مجلس النواب، حيث “غالبًا ما يكون محدودًا ويعتمد على التعيين لا الترشيح”.
مجلس الشيوخ: جهة استشارية تختص بإبداء الرأي في القضايا الدستورية والاستراتيجية ومشروعات القوانين المحالة إليه، دون امتلاك سلطة تشريعية، وتقتصر أدواته على المناقشة والاقتراح فقط.
في المقابل، ومن قلب المعركة الانتخابية، تأتي نظرة أكثر تفاؤلًا من هبة عبد المعز مرشحة حزب العدل بمحافظة قنا. فعند سؤالها عن قلة عدد المرشحات، كان ردها المباشر على فَكّر تاني: “نحمد الله أن هناك مرشحات”. وتضيف بعدًا واقعيًا من دائرتها قائلة: “في محافظة قنا أربع مرشحات لمجلس الشيوخ من 24 مرشحًا، أي سدس عدد المرشحين”.
تباين الرؤى.. من المحلية إلى الاستراتيجية الدولية
بعيدًا عن التشخيصات، تكشف البرامج الانتخابية للمرشحات عن طيف واسع من الطموحات، يمتد من الاهتمامات المجتمعية المباشرة إلى الرؤى الاستراتيجية بعيدة المدى.
في أحد طرفي هذا الطيف، تبرز النائبة السابقة أميرة صابر مرشحة “الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي”، التي ترى في مجلس الشيوخ منصة للتأثير في الملفات الكبرى.
أميرة صابر
استقالت أميرة صابر من مجلس النواب للترشح لمجلس الشيوخ، وقد بررت ذلك في تصريحاتها لـ فَكّر تاني، بأن “السبب هو أنني لدي مشروع سياسي طويل الأمد، ومن المهم أن أحصل على الخبرة البرلمانية في غرفتي التشريع، وبهذا أكون قضيت عشر سنوات في مجلسي النواب والشيوخ”.
وهي توضح أن هدفها هذه المرة هو “العمل أكثر على السياسات الاستراتيجية”، وعلى رأسها الملف الخارجي والدبلوماسية البرلمانية، خاصةً في ظل “لحظة تشكيل للإقليم بأكمله”.
إلى جانب ذلك، تشير أميرة صابر إلى عزمها العمل على ملفات حيوية أخرى مثل “التحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والسياسات المناخية والأمن الغذائي، وعلى العدالة الاجتماعية والفقر متعدد الأبعاد”.
الدبلوماسية البرلمانية: دور أعضاء البرلمان في دعم السياسة الخارجية للدولة عبر قنوات غير رسمية، مثل الاتحادات البرلمانية والمجموعات الصديقة، بهدف بناء الجسور وتعزيز المصالح الوطنية.
غادة البري – فيس بوك
على الطرف الآخر، نجد برامج تركز بشكل مباشر على القضايا المحلية والخدمية. تتبنى غادة البري مرشحة حزب الجيل الديمقراطي بالدقهلية، برنامجًا انتخابيًا ينطلق من كون حزبها صاحب أكبر عدد من المرشحين الفرديين بالمحافظة.
وتوضح غادة البري، وهي أمينة المرأة بالحزب في الدقهلية، أن هدفها الأساسي ينصب على “دعم المرأة المعيلة من خلال مشروعات صغيرة وتمويل ميسر”، بالإضافة إلى “تنظيم ندوات صحية وتثقيفية خاصة بالمرأة في جميع المناطق”، و”العمل على تقليل المدة الزمنية للقضايا الخاصة بمحكمة الأسرة”. وتضيف – في حديثها لـ فَكّر تاني – أنها، بحكم عملها كمعلمة، لن يقتصر دورها على قضايا المرأة، بل سيشمل أيضًا “مشكلات التعليم والمعلمين”.
بين “النسوية” و”الجندرية الشاملة”
يكشف السباق الانتخابي الحالي عن تباين لافت ليس فقط في البرامج، بل في الخطاب السياسي الذي تتبناه المرشحات، ويتراوح بين التركيز الحصري على قضايا المرأة، والانطلاق نحو رؤية مجتمعية أكثر شمولية.
هذا التباين يتجلى بوضوح في تصريحات بعض المرشحات. فمن جانبها، تؤكد غادة البري مرشحة حزب الجيل، أن انحيازها واضح، قائلةً: “أي قضايا تجد علينا وتحتاج دعمًا أو طرح مناقشة خاصة بالمرأة سأكون أول من ينطق بلسانها”. هذا التصريح يضعها في إطار المدافع المباشر عن حقوق وقضايا النساء.
هبة عبد المعز – فيس بوك
بينما في المقابل، تقدم هبة عبد المعز مرشحة حزب العدل، خطابًا مختلفًا يُحدث فارقًا في المصطلحات والمفاهيم. تقول لـ فَكّر تاني: “أنا في الحقيقة جندرية، ولست فيمينيست”، وتضيف موضحةً: “أعتنى بقضايا المجتمع ككل، ولا أنحاز للمرأة دون الرجل”.
هذا التمييز بين المفهومين يعكس تحولًا في طريقة مقاربة بعض السياسيات للقضايا المجتمعية، بالانتقال من إطار “النسوية” (Feminism) التي تركز تاريخيًا على تحقيق مساواة المرأة بالرجل، إلى إطار “الجندرية” (Gender-inclusive) الذي يعالج قضايا وأدوار كل أفراد المجتمع بشكل متكامل ومتوازن.
من التمثيل إلى التأثير.. ما المطلوب لنجاح المرأة؟
إن مسار المرأة المصرية في انتخابات مجلس الشيوخ 2025، كما تكشفه تصريحات المرشحات، يتجاوز كونه مجرد لعبة أرقام. إنه قصة معقدة تبدأ بكسر حواجز الترشح، ولا تنتهي إلا عند السؤال الجوهري: كيف يمكن تحويل مجرد الحضور إلى تأثير حقيقي وملموس؟
لقد كشف ما صرحن به بعض مرشحات الغرفة البرلمانية الثانية في مصر عن فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي الداعم للمرأة والواقع العددي لمشاركتها، وعن عوائق هيكلية متشابكة، ما بين “التمييز” و”القيود الاجتماعية” و”نقص الدعم السياسي والمالي”، وهي تحديات لا تزال قائمة.
الناخبات المصريات ايقونة بارزة في الحضور الانتخابي – مواقع الكترونية
لكن في مواجهة هذه العقبات، برزت طموحات ورؤى تتسم بالنضج والتنوع. فامتدت البرامج الانتخابية من الاهتمام المباشر بـ”دعم المرأة المعيلة” وقضايا محكمة الأسرة، وصولًا إلى ملفات استراتيجية كبرى مثل “الدبلوماسية البرلمانية” و”التحول الرقمي”. كما ظهر تطورًا لافتًا في الخطاب السياسي نفسه، الذي بدأ يتحرك من التبني المباشر لقضايا المرأة “لسان حالها”، نحو رؤية “جندرية” أكثر شمولية تعتبر أنها “لا تنحاز للمرأة دون الرجل”.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي الذي يتجاوز الفوز بمقعد. فالنجاح يُقاس بما يأتي بعد ذلك، وكما أوضحت رؤى سياسية متمرسة، فإن تحويل التمثيل إلى تأثير فعّال يتطلب خارطة طريق واضحة.
تبدأ هذه الخارطة، كما تؤكد الدكتورة جيهان مديح، بـ”الوعي الدستوري” العميق بوظيفة المجلس، وتمر عبر “القدرة على التعبير السياسي المتزن” الذي يمثل الشارع المصري بخطاب وطني لا يُستغل سياسيًا. ولا يكتمل النجاح دون “القدرة على العمل الميداني” والتواصل المستمر مع الجمهور، مع ضرورة أن تكون “كل نائبة صاحبة ملف واضح سواء تعليم أو صحة أو غيرهما”، لتترك بصمتها المتخصصة، بما يجعل تمكين المرأة حقيقيًا في مجلس الشيوخ، لا أن يُقتصر في مجرد حصولها على مقعد.