أمينة النقاش: مقاطعة "الشيوخ" تخدم الإخوان.. وأي متاح نحن فيه ولو مجلس إدارة عمارة (حوار)

في خطوة تكشف عمق الانقسام وحالة الجدل داخل أوساط المعارضة المصرية، تدافع السياسية اليسارية البارزة أمينة النقاش رئيسة الاتحاد النسائي التقدمي بحزب التجمع، وعضوة مكتبه السياسي، عن قرار حزبها المشاركة في الانتخابات ضمن قائمة تقودها قوى موالية للسلطة (القائمة الوطنية من أجل مصر).

وبينما يصف منتقدوها هذه الخطوة بأنها "إضفاء للشرعية" على مشهد سياسي مُقيد، تقدم أمينة في حوار جديد من حوارات "سجال برلمان 2025" تبريرًا مفصلًا لمنطق "البراجماتية القاسية"، مؤكدةً أن استغلال "الحيز المتاح" هو الخيار الوحيد لتجنب "الموت السياسي"، في دفاع يكشف عن المعضلات الصعبة التي تواجه القوى التي تسعى للتغيير من داخل بنية النظام القائم.

فإلى نص الحوار:

الزميل حسن القباني، في حواره مع السياسية والكاتبة أمينة النقاش حول مستجدات المشهد الانتخابي والسياسي بالتزامن مع اجراءات انتخابات مجلس الشيوخ - تصوير هيثم محجوب - فكر تاني
الزميل حسن القباني، في حواره مع السياسية والكاتبة أمينة النقاش حول مستجدات المشهد الانتخابي والسياسي بالتزامن مع اجراءات انتخابات مجلس الشيوخ - تصوير هيثم محجوب - فكر تاني

المشهد الراهن

بدايةً، ما هو تشخيصكِ للمشهد السياسي الراهن في مصر؟

تمر مصر بمرحلة موسومة بتحديات جسيمة على الصعيدين الداخلي والخارجي.

داخليًا، نواجه أزمة اقتصادية طاحنة وأزمة ديون متفاقمة، حيث تؤدي الاتفاقات مع صندوق النقد الدولي إلى زيادة مستمرة في أعباء الدين العام. وتشهد الأسواق انفلاتًا في الأسعار يفاقم معاناة المواطنين، بالتزامن مع تدهور ملحوظ في الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والإسكان.

أمينة النقاش - تصوير هيثم محجوب - فكر تاني
أمينة النقاش - تصوير هيثم محجوب - فكر تاني

أما على الصعيد السياسي، فالمشكلات عميقة وتعود جذورها إلى فترة تولي جماعة الإخوان السلطة.

لقد تبنت الجماعة مشروعًا كان يهدف، من وجهة نظرنا، إلى هدم الدولة المصرية، ما أشاع مناخًا من القلق العميق على مصير الوطن لدى دوائر صنع القرار والقوى السياسية، خاصةً بعد ثورة 30 يونيو 2013، وهو أمر لا نزال ندفع ثمن تداعياته حتى اليوم.

وقد ترتب على تلك المخاوف تضييق واسع النطاق على الحريات الديمقراطية والعامة، وهو إجراء حظي في حينه بقبول من بعض الأطراف باعتباره ضرورة مؤقتة لمواجهة الإرهاب وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

لكننا اليوم، وقد بلغنا عام 2025، نرى أن هذا الوضع المؤقت قد تحول إلى واقع دائم؛ حيث أصبح المشهد الإعلامي موجهًا بصوت واحد، فيما تشهد حرية التعبير والعمل السياسي تقييدًا فعليًا، وانحصرت أنشطة الأحزاب داخل أسوار مقراتها ومنابرها المحدودة.

وفي تقديرنا، تحولت المؤسسات التشريعية من دورها الرقابي الأصيل إلى مجرد صوت يعبر عن توجهات السلطة التنفيذية.

المجتمع المصري يزداد محافظة، والمرأة هي أول هدف لتلك المحافظة والأفكار الرجعية التي تروج لـ "اقعدي في البيت، بيتك وأولادك"

الواقع المتاح

في ظل هذا التشخيص، هل يُعد المناخ الراهن ملائمًا لإجراء عملية انتخابية حقيقية ونزيهة؟

نحن في حزب التجمع نسترشد بمبدأ راسخ ورثناه عن قادتنا المؤسسين، وفي طليعتهم قائد بحجم خالد محيي الدين، ومفاده أن أي منفذ يُتاح للقوى الساعية إلى التغيير يجب استثماره، سواء كان ذلك في إطار العمل النقابي، أو المجتمعي، أو التشريعي.

أمينة النقاش
أمينة النقاش

الواقعية السياسية تقتضي التعامل مع هذا المناخ المتاح، على الرغم من أنه لا يمثل البيئة المثالية التي كنا نأملها.

وبصفتنا حزبًا يساريًا، فإننا نؤمن بأن سبيلنا الوحيد لإحداث التغيير يمر حصرًا عبر القنوات الديمقراطية، وتحديدًا الانتخابات، فنحن لسنا من دعاة الانقلابات أو الكفاح المسلح. وعليه، ورغم إقرارنا بأن المناخ ليس مواتيًا، فإن قرارنا هو خوض غمار هذه الانتخابات.

انتخابات المحليات هي المختبر الذي يخرج منه الساسة والحكام الجدد، وهي التي تدفع بالشباب والنساء إلى واجهة العمل العام، ولابد أن تتم

مصر المستهدفة

أطراف في الموالاة ترى أنه "لا صوت يعلو فوق صوت التحديات الإقليمية" وأن على المعارضة تقدير خطورة المرحلة. ما هو تعليقكِ؟

هذا الطرح صحيح في جوهره؛ فمصر دولة مستهدفة ولا مجال للتشكيك في ذلك، بل إن التهوين من هذه الحقيقة هو بحد ذاته مشاركة في الضغوط الموجهة ضد الدولة.

أمينة النقاش
أمينة النقاش

نحن نرى كيف أن الجيش الوطني المصري هو الكيان العسكري الوحيد المتماسك في محيط إقليمي تتفكك فيه دول مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن. كما أن هناك مخططًا استعماريًا واضحًا يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية عبر التهجير والاستيطان، في ظل غياب تام للقانون الدولي.

ولكن، مواجهة هذه التحديات الخارجية الخطيرة تتطلب بالضرورة وجود جبهة داخلية متماسكة، وهذه الجبهة لن تتحقق في ظل الأوضاع الراهنة.

إن السبيل الوحيد لتقوية الجبهة الداخلية يمر عبر تحسين الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. لا يمكن فصل قوة الدولة في مواجهة الخارج عن حالة مجتمعها في الداخل.

يجب تعديل الدستور فيما يتعلق بوضع مجلس الشيوخ وصلاحياته، وأشياء أخرى نعلنها في وقتها، لأن هذا الدستور وُضع في ظروف استثنائية وكان يسمى "دستور الضرورة"، حيث كان الخوف من الإخوان مسيطراً.

المقاطعة لا تفيد

ألا تشعرون بحرج المشاركة في الانتخابات رغم تجاهل أبرز مطالبكم في الحوار الوطني واعتراضكم على قواعد اللعبة؟

لا أشعر بأي حرج على الإطلاق، لا على المستوى الشخصي ولا الحزبي.

السؤال الذي يجب طرحه هو: هل كانت المقاطعة ستغير شيئًا من هذا الواقع؟

قناعتنا أن الإجابة هي 'لا'، بل ربما كانت ستؤدي إلى ما هو أسوأ. ومن المفارقة أن العديد من أنصار المقاطعة اليوم هم من أضعفوا الحوار الوطني بغيابهم، وهم أنفسهم من شاركوا بكثافة في الانتخابات البرلمانية التي أوصلت الإخوان إلى السلطة.

أحد اجتماعات الحركة المدنية الديمقراطية - فيس بوك الحركة
أحد اجتماعات الحركة المدنية الديمقراطية - فيس بوك الحركة

نحن لا نعارض من أجل المعارضة، بل كأداة للتغيير.

على سبيل المثال، نجحنا من داخل البرلمان في تحويل قضية مثل الإيجار القديم إلى قضية رأي عام، وانضم إلينا خصوم سياسيون، وأصبح المتضررون من هذا القانون يعلمون أن نواب التجمع هم من يدافعون عن مصالحهم.

إن النضال الديمقراطي بطبيعته تراكمي وبطيء، ولا يأتي بضربة قاضية. الزعيم خالد محيي الدين ناضل 25 عامًا من داخل البرلمان من أجل مطالب تحققت لاحقًا، مثل الإشراف القضائي الكامل. هذا هو نهجنا.

أي منفذ يتاح للقوى السياسية التي تبغي التغيير، يجب أن نكون فيه؛ سواء كان نقابة، أو مجلس إدارة عمارة، أو اتحادًا عماليًا، أو زراعيًا، أو تعاونيًا

مشهد البرلمان والقائمة الوطنية

منطقيًا، كيف يمكن الانتقال من موقع المعارضة الشرسة لقانون الإيجار القديم داخل البرلمان، إلى الجلوس في قائمة انتخابية واحدة مع القوى ذاتها التي أقرّت هذا القانون؟ ألا يُعد هذا تناقضًا في الممارسة السياسية؟

يجب توضيح نقطة جوهرية: خلافنا ليس مع الأشخاص، بل مع السياسات التي تحركهم والطريقة التي يُدار بها البرلمان.

مشاركتنا في القائمة الوطنية تأتي لأنها المنفذ الوحيد المتاح لنا حاليًا، ولضمان وجودنا داخل الساحة التشريعية.

من جلسات مجلس النواب اثناء مناقشة قانون الايجار القديم - مواقع التواصل الاجتماعي
من جلسات مجلس النواب اثناء مناقشة قانون الايجار القديم - مواقع التواصل الاجتماعي

البديل هو أن نترك الساحة ونجلس في بيوتنا، وهذا ليس خيارًا بالنسبة لنا. نحن نراهن على أن الأداء هو الفيصل.

في كل استطلاعات الرأي التي تقيّم أداء البرلمانيين، يبرز الفارق الواضح بين نواب التجمع وغيرهم. هذا يؤكد صحة استراتيجيتنا في استغلال هذا المنفذ للترويج لبرنامجنا والسعي لتغيير السياسات القائمة، التي نرى أنها تتسم بقدر كبير من العشوائية والاستهانة بمطالب الأغلبية العريضة من الشعب المصري، التي تتكون من متوسطي الحال والفقراء.

نحن نؤمن بأن النظام الأمثل لمصر هو الجمع بين الفردي والقائمة النسبية غير المطلقة وغير المغلقة، أما نظام القوائم المطلقة الحالي فهو نظام غير ديمقراطي، لكنه المتاح أمامنا، ولن نتركه

تكليف لا تشريف

هناك من يتساءل: كيف لشخصية بتاريخ أمينة النقاش أن تقبل الترشح على ما يُنظر إليه باعتباره "قائمة موالاة"؟

القائمة الوطنية الموحدة - مواقع الكترونية
القائمة الوطنية الموحدة - مواقع الكترونية

أنا لا أمثل نفسي في هذه القائمة، بل أمثل حزب التجمع. هذا الترشح ليس تشريفًا شخصيًا، بل هو تكليف حزبي.

أتحفظ على استخدام مصطلح "الموالاة" الدخيل على ثقافتنا السياسية؛ في مصر هناك مؤيدون ومعارضون.

السؤال الجوهري هو: هل دخولي هذه القائمة يعني أنني سأغير برنامجي لأصبح مثلهم؟ الإجابة هي "لا" قاطعة.

بل على العكس، سأسعى من داخل هذا المنبر المتاح للتأثير في مواقفهم وتقريبها من رؤيتنا.

والأهم هو إيصال رسالتنا للمجتمع الذي لا تتاح لنا فرصة مخاطبته عبر الإعلام الرسمي، والذي يظل الأداة الأكثر تأثيراً في تشكيل الرأي العام.

مقاطعة الحركة المدنية

الحركة المدنية الديمقراطية، التي تضم 13 حزبًا معارضًا، أعلنت مقاطعتها انتخابات الشيوخ، معتبرةً المشاركة "إفسادًا للحياة السياسية". ما هو ردكِ على هذا الموقف؟

من حق كل حزب وكل شخصية سياسية التعبير عن موقفها، ولكن المبالغة في توصيف الأمور هي ما نتوقف عنده.

نحن في حزب التجمع كنا من مؤسسي الحركة المدنية، لكننا في لحظة فارقة اكتشفنا أن هناك توجهًا داخلها لإدخال تيار الإسلام السياسي والإخوان كجزء من تكوينها.

أمينة النقاش - تصوير هيثم محجوب - فكر تاني
أمينة النقاش - تصوير هيثم محجوب - فكر تاني

وهنا نتساءل: هل نسينا دماء شهداء الإرهاب؟ هل تناسينا ما حدث خلال عام حكمهم، أو كارثة سد النهضة التي تسببوا فيها؟

من وجهة نظرنا، الحركة المدنية بمقاطعتها هذه تخدم أهداف الإسلام السياسي دون أن تقدم أي بديل إيجابي لتنمية الحياة السياسية.

إن أي حركة مدنية ديمقراطية حقيقية يجب أن تضع خطًا فاصلًا وواضحًا بينها وبين الأحزاب القائمة على أساس ديني.

فشل المعارضة

لماذا فشلت أحزاب المعارضة، بما فيها حزبكم، في تشكيل قائمة انتخابية موحدة ومستقلة بعيدًا عن السلطة، سواء على نظام القوائم أو المقاعد الفردية؟

كما ذكرتُ للتو، هناك 13 حزبًا معارضًا قررت المقاطعة، فكيف يمكن تشكيل قائمة مشتركة معها؟

نحن نتمسك بمنطق استغلال المتاح لصالحنا، ولن نقبل بالجلوس في بيوتنا والتوقف عن العمل السياسي.

أما بالنسبة لقوى المعارضة الأخرى، فهناك تباين جوهري في الرؤى حول مستقبل الوطن والنظام السياسي.

هم يحصرون المشكلة في شخص الرئيس السيسي، بينما نرى نحن في حزب التجمع أن المشكلة تكمن في السياسات بمجملها وليس في الأشخاص.

هنا أود أن أضيف شيئًا بوضوح، كمواطنة وكمهتمة بالشأن العام: سيدخل الرئيس السيسي التاريخ من أوسع أبوابه لأنه حمى هذا البلد من فاشية دينية كانت محققة.

نحن كنا جزءًا رئيسيًا من ثورة 30 يونيو، ونحن من أتينا به، ولذلك من حقنا أن نطالبه بالاستماع إلينا. كما أنه أدى دورًا محوريًا آخر في الحفاظ على تماسك الجيش الوطني، وأنا أرفض تمامًا الطروحات السائدة حول "عسكرة الاقتصاد" وأدعو مطلقيها إلى التعقل.

الإعلام المصري بات مملوكًا لجهة واحدة، وهو صوت واحد، وحرية التعبير والعمل السياسي مصادرة. ومع الأسف، تحولت المؤسسات التشريعية والنيابية إلى صوت للسلطة التنفيذية بدلًا من أن تكون رقيبًا عليها.

غياب 30 يونيو

هل تحالف 30 يونيو مستمر حتى الآن؟

للأسف لا.

هل ستظلون متمسكين بمنهج "الحيز المتاح" إلى ما لا نهاية، أم أن هناك أفقًا آخر للتغيير؟

متفائلون ولسنا متشائمين.

أمينة النقاش في حوارها مع فكر تاني - تصوير هيثم محجوب - فكر تاني
أمينة النقاش في حوارها مع فكر تاني - تصوير هيثم محجوب - فكر تاني

نؤمن بأن نضالنا السلمي الديمقراطي من أجل العدالة الاجتماعية ومجتمع تعددي يؤمن بالحريات العامة وحرية الصحافة لن يتوقف ما دمنا على قيد الحياة.

وكما ذكرت، فإن النضال الديمقراطي بطيء وتراكمي؛ فأوروبا استغرقت 150 عامًا لبناء تجربتها الديمقراطية.

نحن نشارك في القائمة الوطنية من أجل مصر، لأن هذا هو المتاح الوحيد لكي نتواجد. هل نتركه ونجلس في بيوتنا؟

نظام انتخابي سيء

مع إغلاق باب الترشح ووجود قائمة انتخابية واحدة فقط، ما هي دلالة هذا المشهد بالنسبة لكِ كمراقبة قبل أن تكوني مرشحة؟

الدلالة ببساطة تكمن في أن أحدًا غيرهم لم يتقدم.

هذا يعكس الخلل الجوهري في النظام الانتخابي الحالي، وهو ما نسعى لتعديله.

 اجتماع القائمة الوطنية بحزب مستقبل وطن - مواقع التواصل الاجتماعي
اجتماع القائمة الوطنية بحزب مستقبل وطن - مواقع التواصل الاجتماعي

نؤمن بأن النظام الأمثل لمصر هو نظام مختلط يجمع بين المقاعد الفردية والقائمة النسبية غير المطلقة وغير المغلقة.

أما نظام القائمة المطلقة الحالي فهو نظام غير ديمقراطي بطبيعته، ولكنه للأسف هو المتاح أمامنا، ولن نتركه.

الكوتة منفذ تمثيل المرأة

هل أصبح نظام الحصص (الكوتة) هو السبيل الأوحد لضمان تمثيل المرأة وتمكينها انتخابيًا في مصر؟

نعم، في ظل الظروف الراهنة، أصبح الأمر كذلك. فالمجتمع المصري يشهد تصاعدًا في النزعة المحافظة، وغالبًا ما تكون المرأة هي الهدف الأول لهذا التيار عبر خطابات رجعية تسعى لحصر دورها في المنزل، وهو خطاب يتجاهل حقيقة أن ما يزيد على 40% من النساء في مصر هنّ المُعيلات لأسرهن.

يُضاف إلى ذلك عامل جوهري، وهو الأعباء المزدوجة التي تتحملها المرأة بين مسؤوليات العمل خارج المنزل وإدارة شؤون الأسرة، مما يحد بشكل عملي من قدرتها على تخصيص الوقت والجهد اللازمين للانخراط الفعّال في العمل السياسي.

لذلك، فإن الحل الجذري لا يكمن في الكوتة وحدها، بل في ضرورة تغيير النظام الانتخابي وإجراء انتخابات المحليات، باعتبارها خطوات لا غنى عنها لإعادة الحيوية للمسار السياسي والنيابي برمته."

نحن في حزب التجمع كنا من المشاركين في تأسيس الحركة المدنية الديمقراطية، ولكننا في لحظة فارقة اكتشفنا أنها تريد أن تجعل تيار الإسلام السياسي والإخوان جزءًا منها.

لماذا تراجعت أعداد المرشحات في هذه الدورة الانتخابية مقارنةً بعام 2020؟

السبب الرئيسي هو الارتفاع الهائل في تكاليف الإنفاق على الحملات الانتخابية، وهو ارتفاع مرتبط بنيويًا بوجودنا في مجتمع طبقي بامتياز.

هناك مقولة شهيرة في فيلم "الغول" للفنان عادل إمام، حين يقول الفنان فريد شوقي: "يا ابني، أنت فاهم أن فيه عدالة في الحياة؟ ما فيش عدالة. اللي معاه قرش يسوى قرشين".

هذا هو بالضبط ما نعيشه الآن في مجتمع طبقي يُشرّع لمصلحة من يملكون على حساب من لا يملكون.

مجلس الشيوخ
مجلس الشيوخ

في هذا الإطار، يُوجّه اتهام للقوى السياسية، مؤيدة ومعارضة، بالتعامل مع المرأة كـ "ديكور سياسي". ما تعليقكِ؟

هذا اتهام صحيح وغير صحيح في آن واحد.

لقد أوضحتُ سابقًا المعوقات البنيوية التي تحول دون المشاركة السياسية الفعالة للمرأة. ولكن يجب أن نضيف إلى ذلك وجود حالة من العزوف العام عن العمل السياسي، وهي لا تقتصر على النساء بل تشمل الرجال أيضًا.

يعود ذلك، للأسف، إلى أن فكرة العمل التطوعي في مصر قد تلاشت تقريبًا على مدار الخمسين عامًا الماضية.

المال السياسي

هل يمكن القول إن المال السياسي بات يمتلك الكلمة العليا في المشهد الانتخابي الآن؟

نعم، إلى حد كبير. ففي ظل الأزمة المالية التي تمر بها الدولة، نشهد ظاهرة مقلقة حيث يقوم بعض المرشحين بتقديم تبرعات ضخمة لصالح مشروعات قومية قائمة كجزء من عملية ترشحهم.

ورغم أن هذا السلوك يهدم في جانب السياسة، فإنه قد يُنظر إليه على أنه يبني في جانب الاقتصاد في ظل ما نعانيه، وهي مفارقة تكشف عمق الأزمة.

انتخابات أثرياء

حزب التجمع أعلن عزوفه عن خوض الانتخابات على المقاعد الفردية بسبب التكاليف الباهظة. هل هذا يعني أن الانتخابات أصبحت حكرًا على الأثرياء؟

نعم، هذا هو الواقع. وهذه الأزمة ذاتها قد تواجهنا في انتخابات مجلس النواب القادمة.

لدينا في الحزب ما يقرب من 120 مرشحًا محتملًا يمتلكون رؤى وأفكارًا، لكنهم لا يمتلكون الأموال اللازمة.

المشهد الحالي مقسم بين أحزاب غنية لديها تمويلات ضخمة، وأحزاب فقيرة، ونحن في التجمع نُصنّف ضمن الأحزاب الفقيرة التي تملك الأفكار لا الأموال.

منذ عهد السادات، ونحن نشارك في الانتخابات دون اللجوء إلى شراء الأصوات بالمال أو المنافع، وقد حافظ رموزنا على شعبيتهم من خلال ما يقدمونه من خدمات وإصلاحات حقيقية."

تحالف الطريق الديمقراطي

هناك تحالف انتخابي جديد على المقاعد الفردية باسم "الطريق الديمقراطي" يضم أحزاب "العدل" و"المصري الديمقراطي" و"الإصلاح والتنمية". هل ترين أن لديه فرصًا للنجاح؟

نعم، أعتقد أن لديه فرصًا جيدة للنجاح.

هذه الأحزاب أوضاعها المالية لا بأس بها، وتمتلك التمويل الذي يمكنها من خوض المعركة الانتخابية بيسر. أرى أن هذا التحالف خطوة مهمة في المشهد الحالي.

نحتاج إلى تعديل دستوري

يمنح الدستور رئيس الجمهورية حق تعيين 100 عضو في مجلس الشيوخ. ألا يُعتبر هذا العدد كبيرًا كما يقول البعض؟

بلى، هو عدد كبير. ونحن في حزب التجمع نطالب بتعديل الدستور فيما يخص صلاحيات مجلس الشيوخ وبنيته، بالإضافة إلى نقاط أخرى سنتناولها في الوقت المناسب.

يجب ألا ننسى أن هذا الدستور وُضع في ظروف استثنائية وسُمّي "دستور الضرورة"، حيث كان الخوف من عودة الإخوان هو المسيطر على المشهد.

كان لمجلس الشورى سابقًا دور إلزامي في مراجعة القوانين، أما مجلس الشيوخ الحالي فدوره استشاري غير ملزم، وهو ما يجب تعديله لمنحه صلاحيات ملزمة مرة أخرى، بحيث لا يمر أي قانون إلا بموافقته.

دور مجلس الشيوخ

أنت الآن على أعتاب عضوية مجلس الشيوخ، ما هي الأهداف التي تأملين تحقيقها خلال السنوات الخمس القادمة؟

أهدافي الشخصية هي انعكاس لأهداف حزب التجمع. نسعى بشكل أساسي إلى تغيير القوانين المنظمة للانتخابات، والدفاع عن الحريات العامة، وتأسيس منظومة عدالة اجتماعية حقيقية تتجاوز المساعدات المالية المباشرة مثل "تكافل وكرامة". أمينة النقاش - تصوير هيثم محجوب - فكر تاني

أمينة النقاش - تصوير هيثم محجوب - فكر تانيكما نهدف إلى إعادة الثقافة إلى صدارة الحياة العامة، في ظل إغلاق قصور الثقافة والتعامل باستهتار مع هيئات نشر الكتب.

وبالطبع، يظل هدفنا المحوري هو تغيير هذا القانون الانتخابي الذي تم تشكيل المجلس الحالي على أساسه.

تحالف الطريق الديمقراطي على المقاعد الفردية "مهم" ولديه فرص للنجاح وأوضاع أحزابه المالية تساعده على خوض المعركة الانتخابية

انتخابات مجلس النواب

هل تتوقعين أن تتكرر تجربة انتخابات مجلس الشيوخ الهادئة في انتخابات مجلس النواب القادمة؟

لا أظن ذلك.

أتوقع أن تكون انتخابات مجلس النواب مختلفة وأكثر سخونة، نظرًا لأن نسبة المقاعد الفردية فيها أكبر، مما يتيح فرصًا أوسع للمنافسة الحقيقية.

لكن المشكلة الأكبر لا تكمن في المشاركة، بل في الدور الذي سيلعبه المجلس نفسه. فإذا كررنا تجربة المجلس المنقضي، فلن تتقدم البلاد خطوة واحدة.
المجالس التشريعية في العالم تراقب الحكومات وتسقطها وتشكل غيرها وتعترض على الموازنات، وهذا هو الدور الغائب عن برلماننا حاليًا.

وماذا عن تأخير إجراء انتخابات المحليات لسنوات طويلة، كيف ترين تأثير ذلك؟

لا بد من إجرائها فورًا. المحليات هي المختبر الحقيقي الذي يُفرز الكوادر السياسية والقيادات الجديدة، وهي التي تدفع بالشباب والنساء إلى واجهة العمل العام.

النظام الحالي القائم على العصبيات القبلية والمال السياسي يؤدي إلى تفتيت المجتمع. نحن بحاجة ماسة إلى قانون انتخابي ديمقراطي يضمن المنافسة العادلة للجميع.

التغيير الديمقراطي بطيء ويحدث بالتراكم وليس بالضربة القاضية

في تقديركِ، إلى أين تتجه مصر؟

جمال عبد الناصر
جمال عبد الناصر

مصر ستذهب إلى حيث يريد المصريون، وهي عبارة أستعيرها من الكاتب الكبير الراحل صلاح عيسى.

المصريون يريدون عدالة اجتماعية شاملة، ومجتمعًا ديمقراطيًا تعدديًا يؤمن بالحريات، ومساواة حقيقية تقوم على الكفاءة لا الولاء.

وإنني لأشعر بالدهشة من الهجمة الشرسة الحالية على عهد الرئيس جمال عبد الناصر، والتي تستهدف في جوهرها تكريس غياب العدالة. فمجانية التعليم، التي يهاجمونها الآن، هي التي أخرجت لنا قامات مثل أحمد زويل ونجيب محفوظ وبطرس غالي، وكافة النخب المصرية.

أمينة النقاش
أمينة النقاش

الصوت الانتخابي

ما هي رسالتكِ للناخبين والناخبات؟

أقول لكل من يملك صوتًا انتخابيًا: لا تستهينوا بقيمة صوتكم. التغيير الحقيقي لا يأتي بالجلوس في المنازل، بل يتطلب النزول والمشاركة والتصويت.

حتى لو كان خياركم هو الرفض، انزلوا وقولوا "لا" لمن لا تريدون.

استغلوا هذه الفرصة التي تتيحها الأوضاع الراهنة بحرية تامة. خذوا ما قد يُقدم لكم من منافع مادية، ولكن في النهاية، عبّروا عن رأيكم الحر في صندوق الاقتراع.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة