حتى لميس قعدت في البيت

“هناك دول مش عاوز أذكر اسمها، مش مسموح لحد فيها أنه يُبرز صورة سلبية عنها، حتى لو كانت هذه السلبيات موجودة، وهناك إجراءات عنيفة جدًا تُتخذ إزاء ذلك”.

كذلك تحدَّث رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، خلال مؤتمر صحفي، قبل أيام، حديثًا غير مستغرب وليس مفاجئًا في “الجمهورية الجديدة”، فسياستها كانت ولا تزال، أن تتحكم السلطة بـ”الأذرع الإعلامية”، التي ينبغي أن تقف انتباهًا، كالجنود في الكتيبة “ثابت ولا حركة ولا نفس”.

واضحٌ أن مدبولي يضجر بالخطاب الإعلامي، ويرى أن فيه قسوة أو حدة أو تطرفًا في نقد حكومته، ذلك رغم ما نغرق فيه صباح مساء، من تطبيل “التوك شو”، وتهليل الخبراء في كافة مقاولات التحليل الاستراتيجي، فضلًا عن مقالات وعناوين الصحف والمواقع، التي تتغنِّى بالإنجازات غير المسبوقة، وتغض الطرف عن الإخفاقات غير المسبوقة، أو تبررها على مضض بمؤامرات الإخوان، وربما بأعمال الجن و”العُكوسات”، ثم حروب الجيل الرابع والخامس إلى آخره.مصطفى مدبولي (وكالات)

هامش حرية الرأي الذي لا تتجاوز مساحته “خرم الإبرة”، يُزعج رئيس الحكومة، الذي كان ناقصًا أن يختم تصريحاته بالتلويح بسبابته، محذرًا من أن مصائر الذين يمرقون عن “التعليمات السامسونجية” قد ينتهي إلى “إجراءات مشددة” مثل الدول التي ضرب بها مثلًا، ولم يفصح عنها، ربما لأنه مكسوف.

دع عنك ما يردده سدنة الجمهورية الجديدة، وحواريو السلطة الحاكمة، وبهلوانات الفضائيات واللجان الإلكترونية، من أن مناخ الحريات في مصر يشهد انفتاحًا، ولا تلتفت للوعود أن انفراجة ما ستطرأ في القريب المنظور، فسقف حرية التعبير لم يكن في أشد مراحل مصر ظلامية، منخفضًا كما هو اليوم، والأسوأ من ذلك، أن هذا الانخفاض وذاك التردي ليسا كافيين، لتلبية مشيئة الحاكمين بأمرهم.

تلويح ضمني بإجراءات عنيفة

والمؤسف من قبل ومن بعد، أن ذلك الحال، لا يلفت انتباه رئيس الوزراء، ولا يعده انتقاصًا من قوة مصر الناعمة، ولا يعتبره سبةً في جبين البلد، التي يرجع تأسيس الصحافة فيها إلى بدايات القرن التاسع عشر، أي قبل الدول التي ضرب بها مثلًا، ولم يذكر أسماءها، والأكثر من ذلك أنه يلوِّح ضمنيًا بما هو أكثر غلظة وفظاظة: “هناك إجراءات عنيفة تُتخذ إزاء ذلك”.

إجراءات عنيفة مثل ماذا؟

وفق منظمة “مراسلون بلا حدود”، فإن مصر احتفظت خلال العام الجاري، بموقعها بين الدول العشر الأسوأ عالميًا، في مجال حرية الصحافة، لتقع في المرتبة 170 من قائمة تضم 180 دولة، متأخرةً عن فلسطين المحتلة، التي حلت في المركز 163، وذلك برغم حرب الإبادة التي يشنها مجرمو إسرائيل في غزة.

ويبلغ عدد الصحفيين خلف القضبان حاليًا، 22 صحفيًا، منهم 20 محبوسًا احتياطيًا، وهنالك 15 منهم تجاوزوا مدد الحبس الاحتياطي القانونية، ورغم مناشدات نقيب الصحفيين، بتوخي العدالة تجاههم، وغلق ملف الحبس في قضايا الرأي إجمالًا، يُصعِّر أولو الحل والعقد خدودهم.

حذرت لجنة الحريات بالنقابة من تصاعد الانتهاكات بحق الصحافة والصحفيين- تصميم سلمى الطوبجي
حذرت لجنة الحريات بالنقابة من تصاعد الانتهاكات بحق الصحافة والصحفيين- تصميم سلمى الطوبجي

بل إن التوسع في التنكيل بالصحفيين يتصاعد باضطراد، فأثناء كتابة هذه السطور، اُقتِيدَ الزميل محمود الضبع، رئيس تحرير موقع “الصفحة الأولى” إلى قسم الدقي بالجيزة، “مُكلَّبشَ اليدين”، وبغير إذن من النيابة، بعد مداهمة قوة أمنية بيته، خلافًا للقانون، وذلك على إثر شكوى تقدَّم بها ضده، رجل الأعمال أحمد أبوهشيمة، ولم يخرج إلا بكفالة بعد عرضه على النيابة، ولا يزال ملف القضية مفتوحًا.

واقع الحال أن الصحافة في مصر، تتدحرج إلى هاوية سحيقة، بسرعة “جلمود صخرٍ حطه السيلُ من علِّ”، لكن مدبولي غير راض، إنه ينشد صحافة تتهادى كالجواري في أحضان السلاطين؛ صحافة لا تناقش ولا تجادل؛ صحافة تهتف وراء كل ما يقوله: “الله أكبر ولله الحمد”؛ صحافة تتغنى به “يا حلاوتك يا جمالك خليت للحلوين ايه”.

غير أن هذه المفارقة القميئة، رغم سودوايتها لا تمثل كل شيء، في كلام رئيس الحكومة، فالرجل يقول حرفيًا: “حتى لو كانت هنالك سلبيات”، وغني عن البيان أن هذه الـ”لو” حرف امتناع لامتناع، بما يعني أنه لا يرى أن هنالك سلبيات من الأصل.

الجمهورية الجديدة “100 فل و14″، والدنيا ربيع والجو بديع، وأي “هَنة هيَّنة” هي من أفاعيل أهل الشر، لعنهم الله حيث يكونون، ولازم وحتمي ولا بد من تقديم صورة إيجابية عن الدولة المصرية، و”البيت ده طاهر وهيفضل طاهر”.

يؤكد ذلك استغراق مدبولي في تصريحاته: “أي ضيف رسمي يأتي إلى مصر، فيزور مناطق مثل العاصمة الإدارية، أو يتجول في القاهرة، يبلغني أن مصر تغيَّرت بصورة غير عادية”، مضيفًا “هذا هو انطباع الضيف، الذي يرى ما حدث، وبالتالي على المواطن المصري، أن يشارك مع الدولة في تصدير صورة إيجابية عنها”.

المؤكد أن تمعن مضمون هذا الكلام، يفضي إلى مفارقتين شديدتي البؤس.

تقرير "بلومبرج" يتوقع مزيد من زيادات الأسعار في وقت ستبدو الحكومة مستعدة لردود الفعل الغاضبة من المواطنين
تقرير “بلومبرج” يتوقع مزيد من زيادات الأسعار في وقت ستبدو الحكومة مستعدة لردود الفعل الغاضبة من المواطنين

الأولى، أن ذاك الضيف الذي يعرب عن إعجابه، يتحدث من واقع ما رآه في جولة جرى ترتيبها، بحيث لا تقع عيناه على العشوائيات، ولا الشوارع المتهالكة، ولا الطرق التي تنهار فجأة، ولا أي مظهر من مظاهر التردي، هذا بالإضافة إلى أن الجولات البروتوكولية تحمل في العادة طابعًا وديًا، وتسودها أجواء المجاملة، بدرجة قد تسوّغ غض الطرف عن الحقيقة، إذ ليس منطقيًا أن يعلِّق ضيف بعد جولة: “رأيتُ عبثًا فارغًا لا قيمة له”.

أما الحقيقة الثانية، فتكمن في أن رئيس الحكومة محبوس في رؤية قاصرة مشوشة لمعنى الإنجاز، فالأحجار التي أصبحت “برجًا أيقونيًا” وأكبر كنيسة وأعظم مسجد، هي منتهى النجاح، وعين التنمية، وذروة التحديث، وبالتبعية فلا قيمة لبناء البشر، أو بالأحرى لا قيمة للبشر في الأساس.

المواطن المنسي في تصريحات مدبولي

والمثير فوق ذلك، أن تبريرات رئيس الوزراء لما يقول به، من ضرورة عدم التطرق إلى السلبيات، تكمن حسب نص تصريحاته، في أن “شكل الدولة المصرية بالخارج يجب أن يعبر عن مكانة مصر”، وهو تبرير يجافي أن صورة الدولة في الخارج، ليست أهم من صورتها أمام مواطنيها، وأن مكانتها تتحدد بقدر ما توفره من عيش كريم لأبنائها، لكن “قل يا باسط”، فالمواطن ليس مهمًا، ولا اعتبار له في الميزان الحكومي.

رئيس الحكومة مصطفى مدبولي (وكالات)
رئيس الحكومة مصطفى مدبولي (وكالات)

المعلوم بالضرورة أن مدبولي الغاضب المستاء، من أن هنالك تركيزًا على السلبيات، لا يصحب ضيوفه إلى المستشفيات الحكومية، التي تزدحم قوائم انتظار الجراحات فيها، بمرضى بين الحياة والموت، ولا إلى المدارس التي يتكدِّس التلاميذ في فصولها كالسردين في العلب، أو إلى العشوائيات المهملة المنسية، وإنما يصحبهم إلى العاصمة الإدارية؛ “جيتو الصفوة”، التي لن يدخلها المواطن البسيط، ولن يدنو من أسوارها المرصودة، بل لن يشم ريحها.. ثم يتحدث مفتخرًا بالإنجازات، التي وقف الخلق جميعًا، ينظرون كيف يبني قواعد مجدها، مع الاعتذار لشاعر النيل حافظ إبراهيم.

كلام في منتهى الخطورة، وتهديد ظاهر من حيث كونه مستترًا: “إني أرى رؤوسًا إعلامية قد أينعت وحان وقت قطافها”.

حتى أولئك “المؤيدون المصفقون المسبحون المطبلون المهللون المكبرون المُبَّخِرون”، ورغم تفانيهم في خدمة “حَظْراتُنا”، لا يفعلون المطلوب منهم كما يُراد، وحتى بعد السيطرة شبه الكاملة على الخطاب الإعلامي، هنالك اقتناع رسمي بأن الأمر ليس كافيًا لملاحقة “قطار الإنجازات”، بل إن هناك تشويهًا أو هجومًا غير مبرر على الدولة، التي كانت “شبه دولة” أو “محض كُهن”، فإذا بها “جلا جلا” وبغير دراسات جدوى، تنطلق إلى الأمام لتدخل في زمرة الأمم المتحضرة.

“حتى لو كانت السلبيات موجودة”، هذه العبارة هي بيت الداء وأصل الدنس.

إنكار وجود سلبيات والادعاء باجتراح معجزات، يدفع إلى الضجر بالنقد، ويؤكد أن لا نية في المراجعة، وبذلك يكون الحل إزاء مَنْ يتطرق إلى الحقيقة المجردة، منتقدًا أوجه الخلل ومظاهر “الخيبة القوية”، أن يُستبعد من المشهد الإعلامي بأسره، حتى إذا كان من أشد الطبالين تطبيلًا، كما حدث في ظروف غامضة ومفاجئة، مع لميس الحديدي، التي تقرر إيقاف برنامجها، بعد طرحها أسئلة، أو ربما عقابًا على طرحها أسئلة، حول حريق سنترال رمسيس.

بعد الحريق دوَّنت الإعلامية الشهيرة على شبكة “إكس”: كيف أصيبت الاتصالات بالشلل التام؟ هل الرقمنة تعني أن مصر مربوطة بسلك واحد؟ كيف احترق السنترال؟ وماذا احترق بالداخل؟ وهل هناك نسخة أخرى للمعلومات التي احترقت؟ وأين أجهزة الإطفاء الذاتي؟

أسئلة مشروعة بالقطع، ولا ضير من طرحها، بل لا بد من طرحها في موقف كهذا، والحق أن لميس قد طرحتها بمنتهى الأدب والرقة، فلم تطالب بإقالة وزير، أو الإطاحة بحكومة، ولم تُلمِّح إلى أن القائمين على الأمر “مش قد الشيلة”.

لميس الحديدي
لميس الحديدي

طرحت الإعلامية الأسئلة اللازمة فحسب، لكن ذلك لم يحمِها من غضبة الباطشين، فإذا بالستار يُسدل على برنامجها التلفزيوني، لتقعد في بيتها، فتكون بذلك عبرةً لمن يجرؤ حتى على التساؤل.

حدَّد الدكتور مدبولي في مؤتمره الصحفي، مساحة الحرية في المرحلة المقبلة، فالنقد ممنوع قطعيًا، وإن على استحياء، والعتب ممنوع ولو كان من قبيل عتاب المحبين، أو لذر الرماد في العيون، وحتى الأسئلة غير مسموح بطرحها.

إن السلطوية في مصر، تحث خطاها نحو مزيد من خنق الأنفاس في الصدور، وكبح الصرخات في الحناجر، ووأد الأسئلة في العقول، في مشهد يستدعي مقولة مارك تويني الساخرة: “في ظل حرية التعبير يمكنك قول ما تشاء، شرط ألا يسمعك أحد”.. أو بالأحرى ألا يسمعك الدكتور مدبولي، فتجد نفسك تحت وطأة “الإجراءات المشددة”.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة