“جوارديولا”.. فخر العرب الحقيقي

لم يعد التضييق على حرية التعبير، من مهام القامعين الباطشين ذوي السلطة الرسمية وحدهم، بل إن القارئ بدوره يتقمص دور الرقيب، ويتماهى فيه، فإذا به ينقب في المفردات والعبارات، وينبش في ما وراء الألفاظ، من دون أن يتورع عن تمزيق الكاتب إربًا إذا ارتأى رأيًا لا يروق له.

كذلك يزداد الرقباء، ويرتفع منسوب المحظورات، فإذا أفلت الكاتب من العسس والمخبرين، قد يجد نفسه وحيدًا أمام أمواج عاتية من السب والقذف ونهش الأعراض، يشنها عليه هؤلاء وأولئك، وذلك ليس لقولة أطلقها نقدًا للسلطات، أو رفضًا للسياسات فحسب، بل حتى إن “تابوهات القارئ” قد تمتد إلى رفض انتقاد لاعب كرة قدم.

لكل لاعب محبون ومريدون “يبلعون له الزلط”، ويشمرون عن سواعدهم لتحطيم من يدنو إلى هيكله المقدس.

ذاك هو الحال مع “مو صلاح”؛ الجناح المحترف في صفوف نادي ليفربول الإنجليزي، الذي يحظى -بغير مناسبة- بلقب فخر العرب، وكأنه هازم الفرس والروم، أو ربما قائد الضربة الجوية.

“كل الأرواح مقدسة”

منذ بدء حرب الإبادة الجماعية الصهيونية ضد أشقائنا في غزة، لم نسمع لـ”فخر العرب” حسًا، وما وجدنا له ركزًا، كأن هرةً بلعت لسانه، وبلع اللسان من إصابات الملاعب، وقاه الله منها، وحين ارتفعت وتيرة الهمهمات، وزادت التساؤلات عن سر هذا النكوص المذموم، والصمت القبيح، وبعد أن سكت دهرًا نطق لزوجةً وتنطعًا: “كل الأرواح مقدسة”.

في العبارة تدليس لا يغيب عن أريب، وكذب بواح لا يخفى عن منصف، فأرواح المحتل الذي يسلب الأرض، ويضرب المدنيين بالقنابل المحرمة دوليًا، العنصري الذي لا يستنكف عن إبداء البغضاء لأصحاب الوطن، ولكل العرب من “الأغيار” وفق تعريفه اللاهوتي، ليست مقدسة، ولا يمكن أن تكون.

المقدس هو الشهيد الذي يقاوم بصدره العاري، ولا قداسة لاحتلال إبادي يلغي الآخر، ويستبيح سفك دمه.

صلاح الذي يسمع ويرى ولا يتكلم

لكن “مو صلاح” لا يرى ذلك، أو تحريًا للدقة، يرى ويسمع لكنه يستنكف عن اتخاذ موقف أو إبداء رأي، وإذا تكلم فإنما هي تلك العبارات الباردة، لذر الرماد في العيون؛ العبارات التي تساوي بين دماء الجاني والمجني عليه.

لا يساوي بين الأرواح الخيَّرة والشريرة، إلا مدلس، والوقوف على الحياد بين القاتل والمقتول فعل دناءة.

اللاعب المصري المحترف محمد صلاح - مواقع الكترونية
اللاعب المصري المحترف محمد صلاح – مواقع الكترونية

كان خيرًا له ألا يتكلم فيُريح ويستريح، فعبارته التي قالها ثم لاذ بالصمت مجددًا، لا تعدو إلا أن تكون كعبارات مندوبي الولايات المتحدة في مجلس الأمن، أو عبارات الساسة الغربيين، الذين يذرفون دموع التماسيح على الإنسانية المعذبة، في المؤتمرات الصحفية، ثم يبرمون صفقات تزويد العدو الصهيوني بالأسلحة المحرمة دوليًا.

على أن “مو صلاح” رغم تنطع عباراته، وتهافت منطقه، ولزوجة منطوقه، يجد مدافعين عنه منافحين، صناديد يستلون السيوف في وجه من يضعه في مكانته الحقيقية، ويزنه بالميزان الذي يناسبه.

هو لاعب فذ استثنائي، يمثل نموذجًا نادرًا للالتزام، يسحر محبي الساحرة المستديرة باختراقاته الصاروخية من الجبهة اليسرى، وثباته الانفعالي أمام الثلاث خشبات، ولا أكثر من ذلك ولا أقل.

نجاحه في تجربة الاحتراف له هو، وليس لأحد غيره، وما يتراكم من مليارات بالعملة المصرية التي “راحت في الوبا”، أو من ملايين بالعملة “الصعبة جدًا” له أيضًا وليست لأحد غيره، أما تصديره وتزويقه وتجميله بألقاب واسعة عليه، فيدخل في إطار التدليس الذي يدمر صورة المثل الأعلى في ذهنية الأجيال الناشئة.

صلاح فخر نفسه، ولا علاقة له بالعرب أو العروبة من قريب أو بعيد، بل إن تصرفاته في المجمل، لا تُنتسب إلى المبادئ الإنسانية المجردة.

أكذوبة “المينتاليتي” والعقلية الاحترافية

يقول مروجو أسطورته إنه “لاعب ذو مينتاليتي”، أي عقلية احترافية، وهو يدرك أنه محترف وتلك مهنته و”أكل عيشه”، ومن حقه أن يتوخى الحفاظ على المكتسبات التي حازها بعد رحلة طويلة من العرق والاجتهاد، فلماذا يكبش النار بيديه من دون جدوى؟

ويقولون إنه ليس بوسعه أن يتصدى لهيمنة جماعات الضغط الصهيونية في أوروبا، وإذا سوَّلت له نفسه الجهر بتعاطفه مع ذوي القربى والرحم، ممن يتساقطون شهداء إثر الجرائم التي حرَّكت العاصمة البريطانية لندن، فخرج الملايين في مظاهرات لاستنكارها، قد يفضي ذلك إلى خسارته كل شيء.

ثم هل سيغير إفصاحه عن تعاطفه شيئًا من الواقع؟ اتركوه لشأنه، يكفي أنه ناجح ومتفوق، ويمثل نموذجًا ينفي الصورة الذهنية عن العربي الكسول الفاشل في بلاد الفرنجة، وأنتم أعداء النجاح في كل مكان، دعوا صلاح يواصل مسيرته الرياضية، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

حسنًا.. فليبق في مكانته، ولا تسبغوا عليه ألقابًا لا يستحقها.

ثم إن تغيير الصورة الذهنية لدى الغرب ليس إنجازًا مهمًا، فالأهم منها صورة الإنسان أمام نفسه، وأمام بني وطنه “دمه ولحمه”.

بالمقاييس الغربية كان عمر المختار إرهابيًا، وعرابي خائنًا، وجمال عبدالناصر متشددًا متطرفًا، والأمثلة لا تنتهي، والمؤكد أن هذه مقاييس لا تناسبنا ولا تعبر عنا.

تصدير صلاح إلى الجماهير العريضة من الشباب، باعتباره صنو الفخر، يشوش منظومة القيم في عقولهم، وجعله المثل الذي يُحتذى به، وأمامه تتراجع نماذج أكثر جدية وتأثيرًا، على غرار العلماء والمفكرين والمناضلين، ومن على شاكلتهم ممن تنهض بهم الأمم، يُحَرِّف مؤشرات بوصلتهم الأخلاقية والقيمية.

الأمم لا تنهض بلاعبي الكرة، ولا تتقدم بركل قطعة جلدية منفوخة بالهواء.

صلاح الذي يسكت ويسكت ويسكت، لا ينبغي تضخيمه أو السعي إلى “عملقته”.

يعتبر نجم المغرب حكيم زياش من أشد المتضامنين بوضوح مع غزة منذ بداية العدوان الإسرائيلي - مواقع الكترونية
يعتبر نجم المغرب حكيم زياش من أشد المتضامنين بوضوح مع غزة منذ بداية العدوان الإسرائيلي – مواقع الكترونية

ادعاء محبيه أن سكوته يرجع لحرصه على تجربته الاحترافية، أو بتعبير دقيق “أكل عيشه” يبدد الهالات الوهمية حول شخصه.

تفتخر الأمم برجالها الذين يضحون من أجل قضاياها، والمجتمعات التي تختزل الفخر في الرياضيين، هي مجتمعات تفتقد خارطة الطريق إلى التقدم.

حين تكون الكلمة فيصلًا بين الحق والباطل، وحين تكون الأوطان في محنة تاريخية، وإزاء تهديدات وجودية، فالفخر يجب أن ينتسب لمن يجهرون بالحق، والرجل الحقيقي الشريف هو الذي يقول كلمته غير آبهٍ بتبعاتها وتداعياتها.

صمت صلاح أو مساواته بين الضحية والجلاد، يجعل قلب الغريب كقلب الأخ، ويساوي بين يد سيفها لنا، بيد سيفها أثكلنا، كما يقول شاعرنا أمل دنقل -مع تصرف طفيف– في قصيدته “لا تصالح”.

أما ذريعة قوة اللوبي الصهيوني في القارة العجوز، فليست حتمًا مقضيًا أو قضاءً وقدرًا، لا يجوز أن نعارضه.

الذين جهروا بكلمة الحق

رياضيون كُثر لم يخضعوا لسطوة هذا اللوبي، ولم يرضخوا لبطشته، ومنهم لاعب كرة القدم المغربي المحترف في غلطة سراي التركي؛ حكيم زيّاش، الذي كتب على صفحته الرسمية على منصة إنستغرام: “اللعنة على إسرائيل، وكل دولة تدعم هذا النوع من السلوك”، وكذلك اللاعب الفرنسي الدولي، ولاعب مانشستر يونايتد؛ بول بوغبا الذي دوّن رسالة سلام على المنصة ذاتها: “العالم بحاجة إلى السلام والحب، سيأتي العيد قريبًا، فلنحب بعضنا البعض.. صلوا من أجل فلسطين”.

بيب جوارديولا خلال حصوله على الدكتواره: ما يحدث في غزة كارثة إنسانية
بيب جوارديولا خلال حصوله على الدكتواره: ما يحدث في غزة كارثة إنسانية

ولا تنتهي الأمثلة عن بوغبا وزيَّاش، بل إن المدير الفني الأسطوري لمانشستر يونايتد، بيب جوارديولا، نفرت دماء الغضب في شرايينه، وجرت قولة الحق على لسانه، إذ ألقى خطابًا تاريخيًا خلال حفل أقيم بجامعة مانشستر مؤخرًا، لتكريمه ومنحه درجة الدكتوراة الفخرية، فإذا به يستغل الفرصة ليعرب عن رفضه جرائم الصهاينة ضد أطفال غزة، بلغة حاسمة لا لبس فيها، إلى درجة أن كلامه أفزع ساسة الاحتلال الذين تكالبوا عليهم فأمعنوا في “الهبهبة” في وجهه.

المدير الفني الإسباني، قال حرفيًا: “مرعوب للغاية مما يحدث في غزة، الناس يقولون إننا نعيش في مكان بعيد، لكن الأمر لا يتعلق بالإيديولوجيا بل بالإنسانية”، مضيفًا “ربما يعتقد البعض أنه ليس من شأننا أن نشاهد قتل الأطفال، بينما لا توجد مستشفيات، أقول لهؤلاء فكروا كما تريدون، لكن أنت القادم، وطفلك سيكون الضحية المقبلة”.

ألم يخشَ غوارديولا حين قال ذلك أن تستهدفه اللوبيات الإسرائيلية؟

ما من شك في أنه يعلم جيدًا حجم وقوة وبطشة الصهاينة، وهناك احتمالات قوية أن ينقض عليه شذاذ الآفاق، فيخسر وظيفته وتُكتب كلمة النهاية في مسيرته المهنية، لكنه أراد أن يجهر بالحق، الأمر الذي يؤهله لأن يكون فخر العرب، وليس “مو صلاح” الذي يساوي بين الجلاد والضحية، ليعبَّر عن ثقافة حملها معه من نجريج إلى لندن، عبر آلاف الأميال؛ ثقافة “وأنا مالي”، أو “أنا عبد المأمور”، و”يا سيدي أنا لن أغير الكون”.

هذا الـ”مينتاليتي” لا يليق بأمة أن تفخر بحامله، خاصةً حين يدير ظهره، ويصعر خده لقضاياها.

 

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة