يظل الأدب الشاهد الأكثر صدقًا على تحولات الأمم، والذاكرة التي لا تخون أرواح البشر وأحلامهم المذبوحة على أعتاب التاريخ. ولهذا، تبرز رواية "وقائع استشهاد إسماعيل النّوحي" لصاحبها الروائي الرائد المنسيّ، سمير أحمد ندا (1938-2013)، كملحمةٍ استثنائية، كُتب لها أن تُصنّف ضمن أفضل مائة رواية عربية عام 1998، وإن كانت الأقدار شاءت أن تظل حبيسة الظل، بعيدةً عن ضوء التداول الواسع.
ساعدني لأتيمّم وأُصلّي/ أنت إمامي اليوم/ يضحك وفي صوتٍ مبحوحٍ/ إمامُكَ مريضٌ، قد يخطئ/ سأصلي خلفكَ/ بركاتُ المسجد تدعوكَ/ ليطمئنَ قلبي/ سأُصلي في الفراش، فلا داعي للخوف.
سمير ندا.. قدر الموهبة ومنفى الكلمة
لم يكن سمير أحمد ندا (1938-2013) مجرد اسمٍ عابر في سجلات الأدب المصري، بل ظاهرة ثقافية متعددة الأوجه: فهو الصحفي والمترجم والمخرج التسجيلي، والأهم من ذلك، كان روائيًا ذا رؤية سبقت عصره، وشعلةً توهجت بقوة في سماء ثقافة الستينيات الصاخبة بالأفكار والأحلام.

كذلك، لم تكن ريادة ندا نظرية، بل عملية ومؤثرة؛ فمن خلال "كتاب الطليعة" الذي أسسه ورعاه، لم يقدم فقط رواياته الأولى كـ"الشفق"، بل فتح الباب على مصراعيه لجيل جديد من الكتّاب ليقدموا أنفسهم، فكان هو المكتشف الذي قدم للساحة الأدبية قامات شاهقة، بحجم جمال الغيطاني، ويوسف القعيد، مانحًا جيلًا كاملًا فرصة للحلم والتعبير وصياغة المستقبل عبر الكلمة.
وقد دفع ثمنًا باهظًا لهذا التوهج الإبداعي، وهذه القدرة على استشراف المستقبل، في زمنٍ لم يكن يتسع دائمًا للأصوات الحرة والمستقلة. ومع تبدل المناخ السياسي في السبعينيات، وجد ندا، الذي تشبعت روحه بمبادئ العدالة والاشتراكية الحالمة، نفسه في مواجهة مباشرة مع واقع جديد أكثر قسوة وبراجماتية.
بدأ التضييق الممنهج يلتف حول عنق ندا، ليجد الأبواب تُغلق في وجه قلمه، وتُمنع كلماته من الوصول إلى القارئ عبر الصحف المصرية التي كانت يومًا ميدانه. وتعاظم الأمر حين تعطل نشر رواياته في دور النشر المصرية، ليصبح صوته غريبًا في وطنه. وهكذا، كُتب عليه أن يختار المنفى الاختياري، وأن يحمل وطنه في حقائب ترحاله، وذاكرة شوارعه في نبض قلمه، لينشر إبداعه في منافٍ عربية أخرى أتاحت له ما ضاقت به أرض الوطن.
ومن رحم هذه المسيرة المركبة، وُلدت الأعمال التي حملت في طياتها جراح الغربة العميقة وشوق العودة المستحيل، وفي مقدمتها تحفته الأكثر نضجًا وألمًا: "وقائع استشهاد إسماعيل النّوحي".
تشريح زمن التحولات الكبرى
"وقائع استشهاد إسماعيل النوحي" ليست مجرد حكاية منسجة من خيوط الخيال الفردي، بل هي، وبشكل أساسي، مرآةً دامية تعكس بدقة جراح وطن بأكمله، وسجلًا فنيًا لمرحلة من أكثر المراحل التاريخية المصرية اضطرابًا وتقلبًا وعنفًا.

تبدأ الرواية أحداثها من نقطة الصفر النفسي للمجتمع؛ لحظة الانكسار الكبرى؛ ذلك الزلزال الذي ضرب الروح المصرية بنكسة يونيو 1967. فلا تتناول الرواية الهزيمة كحدث عسكري، بل كشرخ وجودي عميق، وبداية لتيه طويل سيغير وجه مصر إلى الأبد.
ومن هذا الشرخ، تتابع الرواية مسيرة مجتمعٍ يحاول لملمة شتاته، والبحث عن هوية جديدة بين ركام الحلم القومي المكسور. كما أنها لا تتوقف عند حدود النصر ونشوة العبور في حرب أكتوبر 1973، بل تغوص بمرارة فيما هو أعمق وأكثر تعقيدًا: "ثغرة الدفرسوار" التي لم تكن مجرد حادثة عسكرية، بل رمزًا للثغرة التي ستُفتح في قلب المجتمع المصري نفسه مع طوفان "الانفتاح الاقتصادي" الذي اجتاح البلاد.
يرسم لنا سمير ندا ببراعة أدبية فائقة مشهد التآكل البطيء ثم الانهيار الكامل للطبقة الوسطى، التي كانت لعقود طويلة بمثابة العمود الفقري القيمي والأخلاقي للمجتمع. نرى كيف تذوب المبادئ والقيم المتوارثة من تضحية وتكافل وإيمان بالمستقبل، تحت وطأة موجة استهلاكية جامحة وفردية قاسية.
"لما انهزم الطّهر بعد الخامس من يونيو، قتلوا الحالم، والأحلام، فازداد سقوط نساء وعذارى، أسمع أن أجورهنّ قد ارتفعتْ في الزمن الأخير، وابتلعتهنّ الشقق المفروشة، وملاهي شارع الهرم، وبيروت، وأخيراً بلاد عربية حتى مدريد في أندلس الذكرى".
تضعنا "وقائع استشهاد إسماعيل النوحي" أمام مفارقة مؤلمة وجدلية عميقة: مصر التي حررت أرضها، كانت هي ذاتها مصر التي بدأت تتخلى عن روحها مفرطةً في إرثها.
على هذه الأرض الملغومة بالتحولات المتسارعة، وفي قلب هذا الزمن المتشظّي الذي اختلطت فيه نشوة النصر بمرارة التغيير، ستبدأ حكاية "إسماعيل النوحي" ورفاقه. لا كأبطال تقليديين، بل كصرخات رمزية أخيرة، وشهادة على ما فُقد في الطريق.
الرمز في عالم إسماعيل النوحي
إذا كان التاريخ هو المسرح الدامي الذي تدور فوقه أحداث الرواية، فإن الرمز هو اللغة السرية التي نطقت بها شخصياتها، والشيفرة التي بث فيها الكاتب روحه ورؤيته النقدية للعالم.
لا يكتفي سمير ندا بسرد الحكاية، بل يغزلها بشبكة رمزية شديدة التعقيد، تعمل على مستويات متوازية، تحوّل شخصياته وأحداثه إلى مرايا مكثفة للروح والوطن والتاريخ.
حين يُعاد تشكيل المقدس ليحاكي الواقع
لا يلجأ ندا إلى التراث الديني كزخرفة أدبية أو كحُلية أسلوبية، بل يقتحمه بجرأة معرفية وفنية صادمة، ليعيد تشكيله وتوظيفه كأداة نقدية حادة لفهم الواقع المأزوم.

فشخصية "إسماعيل النوحي"، التي تستدعي إلى الذهن قصة النبي الذبيح إسماعيل، لا تُقدَّم هنا كقربان إلهي، بل ضحية بشرية، وكبش فداء يُنحر على مذبح التحولات السياسية والاجتماعية.
استشهاده في الرواية ليس فداءً إيمانيًا، بل هو تجسيد لجيل كامل من الشباب المصري، تربى على قيم التضحية والفداء، ثم وجد نفسه يُضحى به من قبل وطنه باسم مصالح ضبابية وأفكار جديدة لم يشارك في صنعها.
أما شخصية الأب، "إبراهيم النوحي"، فهي تمثل النقيض التام لصورة النبي إبراهيم الخليل؛ فبدلًا من الأب المؤمن الذي يصدّق الرؤيا، نجد هنا أبًا يعيش حالة من الهذيان الروحي والانفصام، يجسد خيانة الأمانة وضلال الطريق. إنه رمز لجيل الآباء الذي فشل في حماية أبنائه وتوجيههم، وضلّ هو نفسه الطريق بين المبادئ القديمة والواقع الجديد.
وتكتمل هذه المنظومة الرمزية مع شخصية "شامة"، التي تُحال في اسمها وسعيها إلى السيدة هاجر. لكن سعيها المحموم في الرواية و دورانها في سبع دورات، ليس بحثًا عن ماء زمزم. هو دوران عبثي محموم في وطنٍ جريح، يحمل ندبة النكسة على وجهه كـ"شامة" وعلامة غائرة، بحثًا عن خلاص لا يأتي.
استدعاء حُرّاس الوعي المصري
في مواجهة هذا التآكل الروحي والاجتماعي، وفي ظل انهيار القيم، يستدعي ندا كتيبة من حُرّاس الوعي المصري كخط دفاع أخير، كأنهم أطياف مقدسة تحاول حماية ما تبقى من هوية.
فصوت أم كلثوم الذي يتردد في الرواية ليس مجرد طرب عابر، بل هو رمز للصمود الوطني، وتجسيد لزمن كانت فيه الثقافة جزءًا من المعركة، تجسده رمزية كوكب الشرق التي تبرعت بأجر حفلاتها للمجهود الحربي.
وكذلك هو حضور طيف أدباء بحجم نجيب محفوظ ويحيى حقي، مهندس القصة القصيرة، لم يمر صدفةً، بل ليؤكد أن الأدب هو الحصن المنيع ضد الجهل والسطحية.
كل شخصية ثقافية تظهر في الرواية، من السياسي والمفكر محمد حسنين هيكل، إلى الناقد والمناضل محمود أمين العالم، وصولًا إلى فنان الشعب سيد درويش الذي تتردد أغنيته "أنا هويت وانتهيت"، هي بمثابة شعلة يحاول الكاتب إبقاءها متقدة في وجه الريح.
الرسالة هنا واضحة وقوية: إن انهيار منظومة الثقافة والفن هو الإعلان الرسمي عن بداية العصور المظلمة، وأن هوية الأمة تكمن في مبدعيها لا في سياسييها فقط.

النقد الكامن خلف السطور
خلف السطور والمصائر تحت كل هذه الطبقات الرمزية الثرية، الدينية والثقافية، يكمن نقد سياسي حاد ومباشر، وإن كان مهموسًا ومغلفًا بالفن.
الرواية تشير بأصابع الاتهام، ليس إلى أفراد، بل إلى "السلطة" ككيان، تلك السلطة التي ساهمت سياساتها في تفكيك المجتمع، ومارست القمع على الأصوات الحرة، وعبثت بقرارات مصيرية لشعب بأسره دون حساب للعواقب الإنسانية.
إن مصير إسماعيل النوحي المأساوي، ومصائر بقية الشخصيات الضائعة، ليست مجرد أقدار فردية، بل هي النتيجة الحتمية والمباشرة لسياسات فضّلت النمو الاقتصادي المشوه على الإنسان، والسلطة المطلقة على حرية الفكر، والشكل الخارجي على الجوهر القيمي.
سُفر سمير ندا.. نحت ملحمة حديثة
لم تكن عبقرية سمير ندا كامنة في عمق رؤيته الرمزية والنقدية فحسب، بل تجلت بشكل أكثر إبهارًا في الأدوات الفنية المتقدمة التي صاغ بها ملحمته، والتي سبق بها عصره الأدبي، وهذا يُفسر الإشادة النقدية العالية التي حظيت بها "وقائع استشهاد إسماعيل النوحي" من قامات مثل نجيب محفوظ ويحيى حقي.
لم يرضَ ندا بصوت الراوي العليم الواحد المهيمن، بل فجّر السرد التقليدي إلى سيمفونية من الأصوات المتداخلة، مستخدمًا تقنية "تيار الوعي" ليغوص بنا مباشرة إلى أعماق وعي شخصياته، حيث تتحول أحداث اليوم العادية وتفاصيله الهامشية إلى تأملات فلسفية ووجودية عميقة ومؤلمة.
وبهذا الأسلوب، لم يعد القارئ مجرد متلقٍ سلبي، بل أصبح شريكًا أساسيًا في بناء المعنى، مطالبًا بتفسير الأحداث، وفك شيفرات الأرواح الحائرة على الورق.

وحتى في هيكل الرواية المعماري، تمرّد ندا على الشكل التقليدي المألوف. فبدلًا من ترقيم "الفصول"، قسّم عمله الضخم إلى "أسفار"، في إشارة واضحة تستلهم الكتب المقدسة والتاريخ القديم.
هذا الاختيار ليس شكليًا، بل هو اختيار دلالي عميق يحول الرواية من مجرد قصة إلى رحلة روحية وتاريخية عبر أزمنة مختلفة، كل "سُفر" فيها هو بوابة إلى عالم وزمن له ملامحه وقيمه الخاصة، كأنه يستلهم ببراعة دورات التاريخ المصري القديم: عصر الرخاء (الزمن الأخضر)، وعصر الاضمحلال والفتنة (آخر أيام الزمن الأخضر والزمن الحرام)، ثم الحلم بالبعث والخلود (سُفر حلم الميلاد).
لكن الإبداع الأكثر تفردًا والذي يميز كتابة ندا يكمن في "كتابته للحواس". فروايته ليست للقراءة العقلية فقط، بل هي تجربة حسية متكاملة، تُقرأ وتُتذوق وتُشم وتُلمس. تفوح من بين سطورها روائح التوابل الشرقية كـ"جوزة الطيب" و"الحبهان"، ورائحة البخور المقدس كـ"بخور السيدة"، ورائحة الموت والحياة المتمثلة في "عبق الكافور النفاذ". وتتردد في أذنك أصداء أغانٍ من التراث الشعبي المصري الأصيل، مانحًا النص واقعية ساحرة وطابعًا توثيقيًا لا يُنسى.
وبهذه الترسانة الفنية المتكاملة، وبهذا الجهد الإبداعي، لم يكتب سمير ندا رواية عادية، بل نحت ملحمة خالدة، لا تزال قادرة على أن تخاطبنا وتدهشنا وتؤلمنا حتى اليوم.
في ضرورة إعادة اكتشاف الكنوز المنسية
هكذا، تتجلى "وقائع استشهاد إسماعيل النوحي" كعمل أدبي فذ يتجاوز حدود الرواية التقليدية، ليرتقي إلى مصاف الملاحم الكبرى التي تؤرخ لأرواح الأمم. فهي سجل تاريخي أمين لمرحلة مفصلية، وصرخة رمزية جريئة في وجه التفكك والضياع، وتحفة فنية متفردة في بنائها السردي وتقنياتها المبتكرة.
لقد نجح سمير أحمد ندا، الكاتب الذي عاش ومات وفي قلبه جرح الغربة عن وطنه، في أن يسكب في هذا العمل خلاصة تجربته الإنسانية، وعمق رؤيته الفكرية، ونبضه الوطني الذي لم يخفت أبدًا، مقدمًا للأدب العربي نصًا أصيلًا يستحق أن يُقرأ ويُدرَس ويُحتفى به في المحافل النقدية والأكاديمية.
وربما تظل مهمة النقد الحقيقية، ورسالة القارئ الجاد، هي نفض الغبار عن مثل هذه الكنوز المنسية، لتذكيرنا بأن الأدب العظيم لا يموت، بل ينتظر فقط، بصبر وأناة، من يعيد اكتشافه ليحكي شهادته من جديد.