“مخيف جدًا ما يحدث الآن، تُقتل النساء بيد الزوج أو الابن أو الأب، والعقوبة -إن حصلت- فهي مجرد سنة مع وقف التنفيذ! هذه الأحكام لا تردع أحدًا، بل تشجع على التمادي في الأذى”.. تقول نهي 26 عامًا -أم لطفلين- من الجيزة.
في مصر، تتوالى أخبار جرائم العنف التي تستهدف النساء، في ظل تصاعد ملفت لوتيرة القتل الأسري والتعدي الجسدي، ما يثير قلقًا بسبب غياب الحماية القانونية وضعف الرادع القضائي.. وتطرح هذه الجرائم وأحكامها القضائية، أسئلة جوهرية حول جدية الدولة في التصدي للعنف القائم على النوع الاجتماعي وتأثيره المباشر على استقرار المجتمع وسلامته النفسية والمجتمعية.
في هذا التقرير آراء لمختلف الشرائح العمرية والاجتماعية تحت أسماء مستعارة، والتي تحدثت إلى فكّر تاني، عبرت هذه الآراء عن انقسام واضح في الرؤية تجاه العنف ضد النساء، لا سيما في الجرائم التي تُرتكب بدعوى “جرائم الشرف”، ونرصد أيضًا في بعض هذه الآراء تقاطعًا مع ما تشهده ساحات المحاكم من أحكام قضائية وصفت من قِبل الكثيرين بالـ “مخففة” أو “غير الرادعة”.
يقول حسام 45 عامًا، موظف حكومي، من أسيوط ويقيم بالجيزة: “لا أبرر القتل، لكن الرجل أحيانًا يكون مظلومًا، يُدفع إلى ما لا يُحتمل، خاصة إذا تعلق الأمر بـ ‘الشرف‘.. المجتمع لا يرحم، والضغط النفسي كبير. يجب أن نأخذ هذه الأمور بعين الاعتبار عند إصدار الأحكام”.
في إحدى القضايا مؤخرًا، قضت محكمة جنايات بورسعيد ببراءة الشاب المتهم بقتل والدته، بينما حُكم على جدته -التي حرضته- بالسجن سنة مع إيقاف التنفيذ، وذلك استنادًا إلى دوافع الضرب الذي أفضى للموت بدعوى الدفاع عن الشرف.
وفي محافظة قنا، قتل أحدهم زوجته -ضرب أفضى إلى موت- بمطفأة حريق. وعلى الرغم من بشاعة الجريمة، حكمت عليه المحكمة بالسجن سنة واحدة مع إيقاف التنفيذ، مراعاة لظروف أطفاله.
تأتي هذه الجرائم في ظل إحصائيات مقلقة، ففي تقرير جديد صدر عن الأمم المتحدة بعنوان “امرأة تُقتَل كل 10 دقائق على يد الشريك الحميم أو أحد أفراد الأسرة”، يكشف أن 60% من جرائم قتل الإناث في العالم يرتكبها شركاء حميمون أو أفراد آخرون من الأسرة، ما يؤكد أن العنف ضد المرأة ما يزال منتشرًا على نطاق واسع، بما في ذلك في أكثر مظاهره تطرفًا، وهو القتل.

باسم الشرف..
“جرائم قتل النساء لأجل الشرف أمر عادي في قرى الصعيد، والجاني لا يُحاكم، بل يتسترون عليه. لابد من تدخل قانوني لردع هذا الظلم”.. تقول منى 29 عامًا، مدرسة من أسيوط وتقيم بالجيزة.
أما سهى 32 عامًا، ربة منزل من الجيزة، ترى أنها لا تشعر بالأمان فتصف الأمر: “عندما يقتل زوج زوجته ويُحكم عليه بسنة مع وقف التنفيذ من أجل أبناؤه، أين حق الزوجة التي قُتلت؟ وهل يشعر الأبناء بالأمان مع والدهم عندما يدركون وقائع الأمر؟! وهل هو أمين -حقًا- على أبنائه من الأساس؟! أنا كأم أرفض أن يربي أطفالي قاتل حتى لو كان والدهم”.
في هذا السياق تُقدم الدكتورة وئام وائل عبد الفتاح استشارية الطب النفسي والمديرة الطبية لمركز الوجدان، قراءة تحليلية دقيقة لظاهرة العنف ضد النساء عمومًا، وبخصوص القضايا الأخيرة أيضًا، مشيرةً إلى أن الرأفة القضائية ببعض الجناة، لا تستند إلى أساس علمي في الطب النفسي.
وتقول الدكتورة وئام لـ فكّر تاني: “الندم شعور ذاتي بين الإنسان وربه، لا يمكن قياسه علميًا ولا يُفترض أن يكون مبررًا لتخفيف العقوبات. لكن لا توجد وسيلة علمية لتحديد نوايا الإنسان، ومن ثم لا ينبغي أن يُبنى عليها حكم قانوني يعفي الجاني من مسؤولية جريمته”.
وترى وئام أن ما حدث في جريمة قتل الشاب لوالدته بمساعدة جدته، وتلقى فيها حكمًا مخففًا استنادًا إلى “غياب القصد”، يعد مؤشرًا خطيرًا على تواطؤ ضمني مع العنف، سواء بقصد أو دون قصد.
وتضيف أن العنف ضد النساء ليس ظاهرة غريبة عن العالم، بل هي قضية عالمية، موضحةً أن مصر باتت تقترب من المعدلات الدولية في هذا السياق: “في الولايات المتحدة، واحدة من كل أربع نساء تتعرض للعنف الأسري. أما الدول التي تنخفض فيها نسب العنف الأسري. فهي تلك التي تفرض قوانين صارمة لا تسمح بإفلات المعتدي من العقاب. لكن في مصر، فاستمرار الثغرات القانونية والتراخي في تنفيذ العقوبات يشجعان الجناة على تكرار العنف”.
“الأطفال أكثر عنفًا من الكبار بالفطرة، ومن هنا تأتي أهمية التربية والضبط السلوكي المبكر. لكن حين تفتقر الأسرة إلى هذا الدور، ويتعرض الطفل لمشاهد عنيفة في الشارع أو عبر وسائل الإعلام أو الألعاب، يفقد عقله القدرة على اعتبار العنف سلوكًا غير مقبول”.
وتُشدد استشارية الطب النفسي، من أن النساء والأطفال هم أكثر الفئات تعرضًا للعنف: “المرأة التي ترغب في إنهاء علاقة مع شريك عنيف كثيرًا ما تتراجع خوفًا من أن يؤذيها، في ظل غياب حماية قانونية فعلية. أما من تتعرض للعنف ولا تحصل على العدالة، ففرص تعافيها النفسي تكون ضئيلة جدًا”.
وتؤكد: “ما يُعرف بـ ‘جرائم الشرف‘ ينبع في الواقع من معتقدات اجتماعية متجذرة، واستمرار الإفلات من العقاب قد يؤدي إلى تصاعد عنف مضاد من النساء. فإذا لم تتدخل الدولة بقوانين تسد أي ثغرات للإفلات من العقاب، قد نشهد موجات من الانتقام والعنف المجتمعي المتبادل”.
“وللنساء أقول، إذا كنتِ مرتبطة أو مخطوبة لرجل عنيف، اهربي فورًا. وإن كنتِ متزوجة منه، فاعملي بهدوء على تأمين مصدر دخل ومكان إقامة آمن، حتى تتمكني من الانفصال عنه دون تعريض حياتك للخطر”.
وعن علاقة الإدمان بجرائم قتل النساء، توضح الدكتورة وئام، أن كثيرًا من الجناةِ كانوا يعانون من إدمان واضح لم يتم التعامل معه بالشكل المناسب؛ فالإدمان لا يخلق شخصية جديدة بل يضخم من صفات الإنسان الأصيلة. والشخص العنيف بطبعه يصبح أكثر عدوانية تحت تأثير المخدرات. لكن هناك عديد من الأهالي يترددون في علاج أبنائهم خوفًا من وصمة اجتماعية أو انتقام.
“العنف ضد المرأة لم يعد قضية فردية، بل أصبح أزمة وطنية تؤثر على صورة مصر في العالم. الدولة التي تصنف ضمن أكثر الدول تحرشًا وعنفًا ضد النساء لا يمكن أن تحقق استقرارًا أو جذبًا سياحيًا دون أن تظهر بوضوح أنها ترفض هذا العنف”.
اقرأ أيضًا:قتل النساء تحت أعين المادة 60.. متى يصدر “القانون الموحد”؟
“مش مجرد عدد”..
شهد العام 2024 تصاعدًا غير مسبوق في معدلات العنف القائم على النوع الاجتماعي في مصر، حيث تم تسجيل 1195 جريمة عنف ضد النساء والفتيات، بزيادة قدرها 25.68% عن العام الذي يسبقه، بحسب التقرير الصادر عن مؤسسة إدراك تحت عنوان “مش مجرد عدد”، وكما جاء في التقرير تنوعت أساليب القتل؛ فكانت الطعن الطريقة الأكثر شيوعًا بنسبة 23.1%، تليها الخنق بنسبة 19%، ثم الضرب المفضي إلى الموت بنسبة 15.4%. كما وثق 100 جريمة شروع في قتل، و90 جريمة ضرب مُبرح تسبب في عاهات.
وتصدرت محافظة القاهرة أعلى معدلات جرائم العنف ضد النساء بنسبة 32.7%، تليها الجيزة بـ 23.3%، بينما سجلت محافظات الوجه القبلي مثل المنيا وسوهاج نسبًا أقل ولكنها ما تزال مقلقة.

“نسمع كل عدة أيام عن رجل قتل زوجته أو حتى أمه، ثم يُفرج عنه بحكم مخفف!!” يقول ياسر 52 عامًا، سائق من الشرقية: “لا يأمرنا الله أن نقتل أمهاتنا أو زوجتنا حتى وإن ضلوا الطريق. على المتزوجين أن يتفرقوا بإحسان كما تزوجوا بإحسان حال الاختلاف أو حتى الشك، أما الأم فالنبي أوصى عليها، فمهما فعلت تظل أمك. أرى أن هذه الأحكام تشجع على المزيد من الدماء”.
اقرأ أيضًا:الثقافة المجتمعية وقتل النساء
النساء يدفعن الثمن
“واحدة من أبرز الإشكاليات التي تُسهم في تخفيف العقوبات لمُرتكبي جرائم العنف ضد النساء، تكمن في الاستخدام المتكرر والموسع لما يُعرف بـ “مواد الرأفة” في قانون العقوبات المصري، وعلى رأسها المواد 17 و 60 و 7″.. كما يؤكد المحامي الحقوقي عمرو محمد.
ويوضح الحقوقي لـ فكّر تاني، أن القانون المصري لا يتضمن نصًا صريحًا يُجيز تخفيف العقوبة استنادًا إلى الندم أو بحجة ما يُعرف مجازًا بـ “الدفاع عن الشرف”، إلا أن ما يحدث فعليًا في ساحات القضاء هو توظيف مرن لتلك المواد في جرائم قتل الزوجات أو البنات، ما يؤدي في حالات كثيرة إلى صدور أحكام لا تتجاوز الثلاث سنوات، وأحيانًا تُستبدل بالسجن مع إيقاف التنفيذ كما في قضية الزوج الذي قتل زوجته بمحافظة قنا.
“فكرة أن يُقدم شخص على قتل ابنته أو زوجته، ثم يُعاقب بالسجن لسنوات معدودة بحجة الندم أو الظروف الاجتماعية، تكرس لشرعية العنف ضد النساء، وتُشجع على ارتكاب مزيد من الجرائم في ظل غياب رادع قانوني حقيقي”.
ويرى أن الحل في تقييد استخدام مواد الرأفة، خاصةً عند التعامل مع جرائم قتل النساء، لافتًا إلى ضرورة وجود نصوص قانونية واضحة لا تسمح بتخفيف العقوبات في مثل هذه الجرائم الخطيرة، إلا في أضيق الحدود وبشروط صارمة.
ويدعو المحامي الحقوقي إلى ضرورة إصدار قانون موحد للعنف ضد المرأة، يتضمن تعريفًا دقيقًا لكل أشكال العنف، سواء داخل الأسرة أو خارجها، بما يضمن توفير حماية قانونية فعالية وشاملة للنساء والفتيات في مختلف السياقات.
اقرأ أيضًا:سجن البكارة وقتل النساء تحت مسمى جرائم الشرف
لا تبرير في القتل
“في مجتمعنا بالصعيد، يُربى الأطفال على أن شرف العائلة مسؤولية جماعية، وحين يقول أحد أفراد الأسرة أن الشرف قد تلوث، يكون رد الفعل قاسيًا. فيجب ألا يغفل رجال القانون الطبيعة المجتمعية التي نشأنا عليها، وألا يبررونها”.. أم علاء 60 عامًا، أرملة من قنا.
أما رمضان 40 عامًا، موظف إداري من القاهرة، فيقول: “عندما يتصرف الرجل بدافع الشرف، لا يكون دائمًا في كامل وعيه، بل قد تدفعه الصدمة والانفعال إلى ارتكاب ما لا يتصوره هو نفسه في الأساس. ولابد من النظر بعين الاعتبار للضغوط الاجتماعية التي يتعرض لها، والتي قد تحوله من إنسان مسالم إلى شخص مندفع”.

ويؤكد الشيخ محمد حسن الديب الباحث في الأزهر الشريف، في حديثه مع فكّر تاني، أن الإسلام جاء ليقيم ميزان العدل بين الناس، ويمنع الظلم والاعتداء على النفس والعِرض بأي شكل من الأشكال.
ويوضح أن أولى وصايا النبي محمد صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع كانت تُفيد أن “دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا” ثم خص المرأة بـ “اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة من الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف”.
ويشير الباحث الأزهري إلى أن الاعتداء على المرأة جسديًا أو نفسيًا يُناقض صريح السنة النبوية، ولا يجوز تحت أي ذريعة، بما في ذلك الشكوك أو دعاوي الدفاع عن الشرف.
لافتًا أن مفهوم الخصوصية في بيت المرأة اليوم أصبح مهددًا من نوافذ رقمية مثل وسائل التواصل الاجتماعي ما يستوجب وعيًا دينيًا وأخلاقيًا يتماشى مع المستجدات التقنية، دون أن تحمل النساء وحدها المسؤولية أو يُبرر أي سلوك عنيف تجاهها.
“القتل لا يجوز في الشريعة إلا بحدود صارمة وبحكم قضائي نهائي، ولا يخوّل لأي فرد أن ينفذ عقوبة القتل نيابة عن القضاء، وما يسمى بـ “جرائم الشرف” لا أصل له في التشريع الإسلامي، بل هو تعدٍ سافر وإثم عظيم”.
ويختم الباحث حديثه بدعوة المؤسسات الدينية والدعوية، بتكثيف نشر الثقافة الإسلامية الصحيحة حول العلاقات الأسرية، والتأكيد على قدسية المرأة وكرامتها، مشددًا على ضرورة أن تواكب المؤسسات القانونية ذلك بتشريعات رادعة تضع حدًا لتفاقم هذه الجرائم التي تمزق نسيج الأسرة والمجتمع.
