مسيرات الدعم السريع.. حرب النفس الأخير في السودان

مع دخول الحرب عامها الثاني، يغرق السودان في دوامة عنف متصاعدة وآليات قتال عنوانها تكثيف العمليات بالطائرات المسيّرة التي باتت تستهدف بشكل ممنهج البنى التحتية الحيوية في مدن رئيسية. وهو التصعيد الذي يمثل تحولًا خطيرًا في تكتيكات قوات الدعم السريع، لا يفاقم فقط من معاناة الشعب السوداني الذي يدفع وحده فاتورة هذا الصراع الدامي بعيدًا عن أنظار المجتمع الدولي، بل يهدد بتجميد ما تبقى من عمليات إغاثية في بلد يعاني نصف سكانه من الجوع ويواجه أكبر كارثة إنسانية في العالم، وسط اتهامات لأطراف خارجية بتأجيج النيران وتقارير عن جرائم حرب تزيد المشهد قتامة.

لليوم السابع على التوالي، واصلت الطائرات المسيرة هجومها على العاصمة الإدارية المؤقتة بورتسودان إلى جانب ست مدن رئيسية: أم درمان بالعاصمة الخرطومِ، وكوستي وكنانة بولاية النيل الأبيض جنوب البلاد، ومروى بولاية نهر النيل شمالًا، وكسلا شرقًا، والأبيض عاصمة شمال كردفان غرب البلاد، محدثةً أضرارًا متفاوتة بأهدافها.

وقد أدى الهجوم إلى توقف مرافق حيوية مثل مستودع الوقود ومحطة الكهرباء الرئيسَيْنِ وميناء بورتسودان ومطارها المدني الدولي الذي يعد "شريان الحياة للعمليات الإنسانية"، بحسب الأمم المتحدة. وأعلنت قوات الدفاع المدني السودانية، أمس، السيطرة على حرائق مستودعات النفط ببورتسودان، بينما تصدت المضادات الأرضية للجيش لمسيرات حلقت بمدينتي عطبرة وبورتسودان.

المسيرات وإمكانات الدعم السريع

خلال عامين، اعتمد الدعم السريع في القتال على الهجمات البرية الخاطفة، لكن التطورات في الأيام الأخيرة تنذر بتطور خطير في الحرب السودانية.

منذ إعلان طردها من الخرطوم، لجأت قوات الدعم السريع إلى الأسلحة بعيدة المدى التي يتهم الجيش دولة الإمارات بإرسالها للدعم السريع، بينما تنفي أبوظبي ذلك.

يقول اللواء علاء عز الدين، الخبير العسكري، إن قوات الدعم السريع تمكنت منذ بداية النزاع من تحقيق تقدم ميداني مدعومة بأسلحة زُوِّدت بها من جهات خارجية، على رأسها دولة الإمارات، مشيرًا إلى أنه لولا هذا الدعم لما استطاعت تحقيق مكاسب عسكرية أمام الجيش السوداني.

ويضيف في حديثه لـ فكر تاني أن تراجع هذا الدعم في الآونة الأخيرة، خصوصًا مع ارتكاب قوات الدعم السريع لانتهاكات جسيمة في القرى والمناطق التي سيطرت عليها، أدى بالضرورة إلى تراجع قدراتها القتالية، ما مكّن الجيش السوداني من إحراز تقدم على الأرض.

ويوضح عز الدين أن بعض دول الجوار قدمت دعمًا سياسيًا للجيش السوداني بهدف الحفاظ على مؤسسات الدولة، ما انعكس سلبًا على حجم المساندة التي تتلقاها قوات الدعم السريع، مضيفًا أن انتشار استخدام الطائرات المسيّرة مؤخرًا شكّل عاملًا جديدًا في موازين القوى، لافتًا إلى أن هذه الطائرات رخيصة نسبيًا مقارنة بتكلفتها التشغيلية وقدرتها على تنفيذ أهداف استراتيجية، ما قد يسمح لقوات الدعم السريع بالصمود في مواجهة الجيش، لكنه صمود مؤقت، كما يشير.

الدعم وحرب النفس الأخير

ويبيّن عز الدين أن استمرار صمود الدعم السريع يتوقف على حجم ما يمتلكه من المسيّرات ومدى قدرته على تأمين خطوط الإمداد، مشددًا على أن الجيش السوداني سيعمل على قطع تلك الإمدادات، إلا أن مآلات الوضع ستتضح في الأيام المقبلة.

ويلفت إلى أن الدول العربية قادرة على لعب دور حاسم في الحد من الدعم الذي يتلقاه قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي"، سواء عبر المنافذ البحرية أو البرية.

وفي السياق ذاته، يقول الدكتور أكرم بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية، إن الأزمة السودانية فتحت الباب أمام تدخلات خارجية لصالح هذا الطرف أو ذاك، مشيرًا إلى أن امتلاك الدعم السريع لطائرات مسيّرة مؤخرًا يعكس هذا الواقع.

ويرى بدر الدين، في حديثه لـ فكر تاني، أن الشعب السوداني هو الخاسر الأكبر من هذا الصراع، وأن المسيّرات لن تحسم المعركة لمصلحة الدعم السريع رغم قدرتها على إلحاق بعض الخسائر بالجيش، خاصة في ظل الهزائم المتكررة التي منيت بها قوات الدعم السريع مؤخرًا.

ويعتبر بدر الدين أن استمرار الدعم الخارجي لطرفي النزاع يعقّد فرص الوصول إلى تسوية سياسية، داعيًا الدول العربية والأفريقية إلى بذل جهود إضافية للحد من تفاقم الأزمة والبحث عن حلول دبلوماسية مستدامة.

ويقول الباحث في الشؤون العسكرية اللواء عمران يونس: "بالفعل انتقلت الحرب من حرب تقليدية إلى حرب مسيرات، خصوصًا من جانب (الدعم السريع)، لأنها فشلت في الفترة الأخيرة في التصدي لهجوم الجيش الواسع وإيقاف انتصاراته المتلاحقة بدءًا من استرداد مناطق جبل موية وسنجة بولاية سنار، ثم ود مدني عاصمةِ ولاية الجزيرة، وما حولها من مدن وقرى تتبع لهذه الولاية، فتحريرِ الخرطوم وإعلانِ خلوها من هذه الميليشيات"، نقلًا عن إندبندنت عربية.

يصف مايكل جونز، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، تحركات الدعم السريع الأخيرة بأنها "تكيّف استراتيجي ضروري وربما يائس". ويوضح وفق ما نقلته عنه فرانس برس أن خسارة الخرطوم تعتبر "تراجعًا استراتيجيًا ورمزيًا" للدعم السريع.

ووفق الباحث في شؤون السودان حامد خلف الله، في دويتشه فيله، فإن الدعم السريع باتت في حاجة ماسة إلى أن تبعث رسالة بـ"أن الحرب مستمرة" عبر استهداف مواقع حيويةٍ. ولكن حتى مع الاستراتيجية الجديدة، يستبعد أن تستعيد قوات الدعم السريع الخرطوم ومدن وسط البلاد، أو تبلغ المقر الموقت للحكومة مدينة بورتسودان (شرق)، عن طريق العمليات البرية بسبب التقدم النوعي للجيش السوداني وخاصة في القدرات الجوية.

ويقول خلف الله إن التحول للهجوم بالمسيرات هدفه فقط "ترهيب وعدم استقرار" في مناطق الجيش. وهو ما يتفق معه جونز، الذي يقول إن المسيّرات والأسلحة الخفيفة تُمكن الدعم السريع فقط من "الوصول إلى مناطق لم تنجح سابقًا في التوغل فيها".

وبحسب لواء متقاعد في الجيش، يعتمد مقاتلو الدعم السريع على نوعين من المسيّرات: انتحارية خفيفة بسيطة الصنع تحمل قذائف وتنفجر عند الاصطدام، ومتطوّرة بعيد المدى قادرة على حمل صواريخ موجهةٍ، بالإضافة إلى مسيّرات من طراز "سي اتش 95" صينيةَ الصنع.

العفو الدولية: الإمارات تُسلح الدعم السريع

في تقريرها الذي نشرته الخميس، اتهمت منظمة العفو الدولية دولة الإمارات بتزويد قوات الدعم السريع بأسلحة صينية متطورة، مطالبةً بوقف فوري لأي إمدادات عسكرية موجهة إلى تلك القوات.

ووثّقت المنظمة هجومًا شنّته قوات الدعم السريع بواسطة طائرات مسيّرة قرب بلدة المالحة شمال دارفور، في 9 مارس الماضي، يُرجّح أنه استهدف مواقع للجيش السوداني.

وبحسب تحليل الأدلة الرقمية، حدّدت العفو الدولية أن القنبلة المستخدمة من طراز "جي بي 50 إيه" من إنتاج شركة "نورينكو" الصينية، وقد صُنعت عام 2024. وأكدت أن هذه القنابل يمكن إسقاطها عبر طائرات مسيّرة من طراز "وينج لونج 2" و"فيهونج-95"، وهما طرازان يُستخدمان حصريًا من قبل قوات الدعم السريع في السودان، وقد تم تزويدها بهما من قبل الإمارات، وفقًا للتقرير.

واستندت المنظمة إلى صور لبقايا القنبلة أظهرت زعانف وأقواسًا مميزة على الجزء الخلفي، تطابق الخصائص المعروفة للقنبلة المذكورة، من حيث التصميم واللون والنقوش.

وقال بريان كاستنر، مدير أبحاث الأزمات بمنظمة العفو الدولية، إن "هذا دليل واضح على استخدام ذخائر موجهة صينية الصنع في النزاع السوداني"، معبّرًا عن استغرابه من تقاعس مجلس الأمن الدولي في تفعيل حظر السلاح المفروض على دارفور، وعدم توسيعه ليشمل كامل السودان.

وفي المقابل، نفت دولة الإمارات الاتهامات الواردة، مؤكدةً أنها لا تقدم أي دعم عسكري لطرفي الصراع في السودان. وقال مساعد وزير الخارجية الإماراتي للشؤون الأمنية والعسكرية، سالم الجابري، في بيان نُشر على منصة "إكس"، إن بلاده "ترفض بشدة هذه المزاعم التي تفتقر إلى الأدلة"، مشددًا على أن "الإمارات ملتزمة بالقوانين الدولية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة".

وقال مساعد وزير الخارجية للشؤون الأمنية والعسكرية الإماراتي سالم الجابري، في بيان نشرته وزارة الخارجية الإماراتية على منصة "إكس"، إن الإمارات "ترفض بشدة مزاعم تزويدها أي طرف متورط في الصراع الدائر في السودان بالأسلحة"، وأضاف أن "هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة وتفتقر إلى الأدلة المثبتة".

مجزرة سجن الأبيض.. هذا ما تفعله المسيرات

وفي هجوم نفذته طائرة مسيرة استهدفت سجن الأبيض المركزي بولاية شمال كردفان أول من أمس السبت، قُتل 24 نزيلًا وأُصيب 47 آخرين، وسط اتهامات مباشرة لقوات الدعم السريع بارتكاب "جريمة حرب مكتملة الأركان"، بحسب ما أعلنته الحكومة السودانية.

وقد أكد وزير الثقافة والإعلام السوداني والمتحدث باسم الحكومة، خالد الإعيسر، أن استهداف السجن يمثل "جريمة حرب موثّقة"، مضيفًا أن هذه الجريمة "تضاف إلى سجل الميليشيا الحافل بالانتهاكات ضد المدنيين السودانيين"، وفق تصريحه لموقع "الجزيرة نت".

وخلال اليومين الماضيين، أُحبطت هجمات بطائرات من دون طيار على مركز مساعدات إنسانية رئيسي، في وقت أوقف فيه برنامج الأغذية العالمي خدمات الطيران التابعة للأمم المتحدة من وإلى بورتسودان، اعتبارًا من الرابع من مايو، بسبب تصاعد التهديدات الجوية.

كما أفادت تقارير أممية بوقوع غارات مماثلة على ولايتي كسلا ونهر النيل، أدّت في كسلا إلى نزوح نحو 2,900 شخص، وتعليق أو نقل أنشطة إغاثية، ما ساهم في تفاقم الأزمات اليومية، لا سيما الوقود والخبز، في ظل اصطفاف المواطنين في طوابير طويلة للحصول على المواد الأساسية.

ومن جانبه، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، عن قلقه الشديد إزاء "توسع الصراع إلى مناطق كانت ملاذًا آمنًا للنازحين"، داعيًا إلى مفاوضات سلام جادة وعاجلة تنهي النزاع المستمر منذ أكثر من عامين.

وأشار إلى أن الهجمات المتكررة على البنية التحتية منذ يناير الماضي عطّلت الوصول إلى الخدمات الأساسية، وحرمت الملايين من الغذاء والمياه والرعاية الصحية والكهرباء.

ويعيش السودان ما وصفته الأمم المتحدة بأنه "أكبر كارثة جوع في العالم"، إذ يحتاج أكثر من نصف سكان السودان - أي ما يزيد عن 30.4 مليون شخص، بينهم 15 مليون طفل - إلى مساعدات إنسانية عاجلة، وفق بيانات رسمية صادرة عن وكالات الإغاثة.

وقالت المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي، ليني كينزلي، إن نحو 25 مليون شخص يواجهون مستويات حادة من الجوع، مضيفة أن نحو 13 مليونًا أُجبروا على النزوح الداخلي، بينهم 450 ألف شخص من شمال دارفور وحدها، هربًا من "مستويات عنف مروعة".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة