بقوة تُمسك بحبل يلتف حول رقبة بقرتها. تجرها حتى تصل بها بصعوبة إلى حوش منزلها البسيط. تقترب من حلقة صغيرة، على الحائط مُعلقة، تربط فيها الحبل، وتضع البرسيم للبقرة كي تأكل. أما هي، فتسرح بعينيها، تُفكر فيما يمكن أن تتمناه من البرلمان، كامرأة. ثم تجيب بجملة البسيطة: "نعيش مستورين الباقي من حياتنا.. هنعوز ايه تاني يعني".
أحلام كريمة لا تتجاوز أحيانًا حد توفير أنبوبة بوتاجاز بسعر مناسب، وقائمة أدوية تستطيع أن تتحمل تكلفتها. وما الذي يُمكن أن يتمناه أي مواطن بسيط غير هذا.
حصلت كريمة -اسم مستعار- على دبلوم التجارة، لكنه لم يكفها للالتحاق بفرصة عمل لائقة، فتحولت إلى مساعدة أهلها في المنزل، وحلب البقرة. تذهب للحقل من وقت إلى آخر للمشاركة في أعمال الزراعة، دون أن تشكو أو تبدي شعورًا بأي تعب. يكفيها أن ترى والديها في صحة.
تحكي كريمة، التي تبلغ 19 سنة، لـ فكّر تاني، كيف أن العلاج الذي يشتريه والدها لجدتها بات مكلفًا جدًا، يتجاوز الألف جنيه شهريًا، ما يزيد من مصروفاتهم وأعبائهم، خاصة وأن لديها شقيقان أصغر منها ما يزالان في مرحلة التعليم. ولذا، فهي تتمنى أن يضع البرلمان القادم حدًا لمشكلة ارتفاع أسعار الدواء.
رغم المكتسبات التي حققتها النساء خلال الأعوام الماضية إلا أنها مازالت تنتظر كثير من القوانين التي تحقق لها حياة لائقة حقيقية وتمهد لها الطريق في الوصول لفرص العمل، والتواجد في أجواء بعيدة عن التمييز والتحرش، إلى جانب نهضة اقتصادية واجتماعية تنصف النساء في المناطق المهمشة وتدعم المرأة المعيلة والنساء اللاتي يعانين من الغلاء وصعوبة المعيشة.
الغلاء يطحن المواطن البسيط
ضحكت ربما بسخرية أو بحزن عندما سألتها عن طموحها كامرأة من البرلمان القادم. كانت ترص ربطات الخس والجرجير على قفص أمامها، تنتظر رزقًا، بينما ردت بصوت يمزج الحزن بفقدان الأمل: "طموح إيه! احنا مش عارفين نأكل عيالنا!".
عزة أو أم محمد لا تسعى إلا لقوت يوم أولادها الصغار. تُريد أن تطعمهم بشكل صحي، ولا تعرف سبيلًا لذلك بينما ترتفع أسعار الدواجن واللحوم والأسماك. هذه الارتفاعات حينما تُترجم إلى واقعها فإنها تعني غياب البروتين اللازم لتغذية ونمو أطفالها.
تقول عزة لـ فكّر تاني: "أنبوبة البوتاجاز بقت بـ 200 جنيه، والفرخة بـ 200 جنيه، واللحمة لا مش هنقدر نشتريها ولا نحلم بيها حتى. يرضي مين؟! كل اللي أنا عايزاه توفير أنواع الأكل المهمة لصحتهم مش أكتر. مش عايزة غير إني كست أعيش مع عيالي بكرامة".
كانت الحكومة المصرية قررت رفع أسعار البنزين وهذه أول زيادة في عام 2025، وكان قد صرح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن الحكومة تهدف لوقف الدعم عن الوقود بالكامل في نهاية عام 2025، وذلك بدوره تسبب في غلاء أسعار أنابيب الغاز وبعض السلع الغذائية.
الدكتور أحمد فتحي نعيم المرشح لمجلس النواب عن دائرة "بلقاس –الستاموني"، في حديثه لـ فكّر تاني، يشير إلى أن حالة التطوير الشامل في مصر من بناء كباري ومدن كبرى كلفت الدولة مليارات هو تطوير جيد وفي مصلحة الدولة. "لكن، يجب أن يكون هناك بعدًا اجتماعيًا للتنمية؛ فالبسطاء يتم دهسهم، لأن كل ما يحدث يكون على حساب المواطن البسيط الذي يدفع ثمن ارتفاع الأسعار ورفع الدعم وغيره من الزيادات. المرأة الكادحة كل طموحاتها أن تأكل وتشرب هي وأولادها بشكل محترم. أن تُشبع احتياجاتهم. الفئات المهمشة لا تطالب بالرفاهية مثلما يحدث في الدول الأوروبية. المواطن المصري طموحاته بسيطة جدًا".
اقرأ أيضًا:مقعد واحد لا يكفي.. 3 مرشحات يتحدثن عن تحديات انتخابات الصحفيين (جلسة حوارية)
إلى متى سترتفع أسعار الدواء؟
رضا -66 سنة، التي تعيش مع زوجها فوزي -76 عامًا، بمعاش شهري يبلغ 4300 جنيه، ويحتاجان إلى شراء أدوية تصل تكلفتها الشهرية إلى 3300 جنيه، ويكملان الشهر معًا بالألف المتبقية، والتي لا تكفي شيئًا بطبيعة الحال.

تشكو رضا في حديثها مع فكّر تاني، من ارتفاع أسعار الدواء بصورة مبالغ فيها في الفترة الماضية منذ أعلن رئيس الوزراء أنه سوف يتم تحريك أسعار الدواء. وتقول: "أدوية القلب والضغط والسكر لا غنى عنها فهي أمراض مزمنة، ولا يمكن تجاهلها".
تأمل المرأة التي تعيش بإحدى قرى محافظة كفر الشيخ أن يجد البرلمان حلًا لمثل تلك القضية التي يعاني بسببها الغلابة فقط، فأصبحت الحياة صعبة عليهم، ولا تعرف للحل سبيلًا.
أعلنت مصر منذ شهور ارتفاع أسعار أكثر من 1600 نوع دواء، ولم يجد المواطن حلًا وسط حاجته للدواء إلا الشراء بالسلف والدين، إلى جانب أن هناك الكثير من الأدوية لم تعد موجودة.
وتقول أميرة عز المرشحة لمجلس النواب عن دائرة طلخة ونبروة، لـ فكّر تاني، إن هناك كثيرًا من القوانين التي سُنت لتحمي حقوق المرأة وتدافع عنها، لكن ما تزال هناك تطلعات كبيرة يجب أن تتحقق على أرض الواقع، وتُشير إلى تواصلها مباشرةً مع فئات مختلفة من السيدات، وأنها شعرت أن المرأة تريد أولًا من يشعر بها ويتفهم معاناتها، فهي تربي وتعمل وتشقى من أجل أولادها، ولكن ما يخذلها هو شعورها بالوحدة.
"من حق المرأة المصرية أن تتوافر لها كل الفرص التي تحقق العيش بكرامة ودون حاجة أو سؤال، خاصةً لو كانت ترعى أبناءً، وفي ظل هذا الغلاء أصبح استقرار الأسعار ضرورة ملحة لراحة واطمئنان بال للنساء واستمرارًا لجهودها".
ويوضح المرشح الدكتور أحمد فتحي: "الخدمات البسيطة التي كانت تقدمها الدولة للمواطن الكادح مثل العلاج المجاني لم تعد موجودة، والتحاليل التي كانت مجانية أصبحت برسوم كبيرة في المستشفيات الحكومية، وأسعار الأدوية غالية جدًا"، متسائلًا: "إذا كانت امرأة فقيرة وليس لديها عائل كيف تتحمل؟! هناك ضرورة لأن يكون هناك تعديل في استراتيجية العمل داخل مصر، فنحن نهتم بالمشروعات العملاقة وننسى البسطاء".
ويشير فتحي إلى أن مجتمعنا قد تحول إلى قنبلة موقوتة بسبب الغلاء والتعويم الذي تكرر في السنوات الماضية: "جرائم القتل التي انتشرت في الشارع المصري سببها اقتصادي في المقام الأول. يجب أن تكون هناك تشريعات تحقق للمرأة وللإنسان البسيط حياة كريمة في كل المجالات".
الحق في التعليم.. رفاهية

تستيقظ نجوى كل صباح وهي تشعر بثقل شديد؛ فهي وابنتها تعانيان يوميًا في رحلة الذهاب إلى المدرسة. تركبان الـ "توكتوك" حيث لا توجد في العزبة الصغيرة التي تعيشان فيها أي مواصلات غير "التوكتوك"، كما لا مدارس هناك، وأقرب مدرسة في قرية مجاورة.
تعيش نجوى -اسم مستعار- في عزبة صغيرة تابعة لمركز فوة بمحافظة كفر الشيخ، وتتمنى لو كانت هناك مدرسة قريبة أو مواصلات مناسبة تجعلها تطمئن لأن تترك ابنتها تذهب وحدها كل يوم، توفر عليها ما تنفقه يوميًا من أجرة "توكتوك" ذهابًا وإيابًا.
"بنتي في الصف الأول الإعدادي، نفسي تكمل تعليمها. جوزي عايزني أريح من التعب ده، وأكتفي باللي وصلت له البت من تعليم لحد دلوقتي زي جيرانا ما عملوا، بس مش ده اللي عايزاه لبنتي. أنا شايفة مستقبلها أحسن من كده بكتير".
ينص القانون المصري على أن التعليم الأساسي حق لجميع الأطفال المصريين الذين يبلغون السادسة من عمرهم، ووفقا للمادة 15 من القانون تلتزم الدولة بتوفيره لهم ويلزم الآباء أو أولياء الأمور بتنفيذه، كما تنص المادة 19 أن تلتزم الدولة بمراعاة أهدافه في مناهج التعليم ووسائله، وتوفيره وفقًا لمعايير الجودة العالمية.
الدكتورة رانيا يحيى عضو المجلس القومي للمرأة تقول: "يجب أن يكون التعليم الثانوي والفني إلزامي، وألا يقتصر الأمر على التعليم الأساسي فقط، لتحصل النساء على شهادة قبل سن الزواج، هذا حقهن".
وتؤكد رانيا، في حديثها لـ فكّر تاني، على حق كل امرأة في التعليم وألا يمنعها أي شخص من ممارسة هذا الحق بالقانون. وهي تطالب بتكاتف الجهود من أجل ضمان ممارسة المرأة لحقها في التعليم بشكل سلس وعادل في كل مكان في مصر وخاصة في القرى.
التعليم إلزامي حتى نهاية المرحلة الثانوية أو ما يعادلها، وتكفل الدولة مجانيته بمراحله المختلفة في مؤسسات الدولة التعليمية، وفقًا للقانون. وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم لا تقل عن 4% من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجيًا حتى تتفق مع المعدلات العالمية. وتشرف الدولة عليه لضمان التزام جميع المدارس والمعاهد العامة والخاصة بالسياسات التعليمية لها.
من يحمي المرأة من التحرش؟
"تعرضت للتحرش من رئيسي المباشر في العمل، وعندما هددت بالإبلاغ عنه، أكد المحيطون بي أنه لا يوجد دليل، وأنني الخاسرة، ومن ثم امتنعت عن التبليغ، وقررت السكوت".
تعمل حنان -اسم مستعار- 31 سنة، بإحدى المؤسسات الحكومية في محافظة الجيزة. تقول لـ فكّر تاني: "التحرش في مصر أصبح ظاهرة لا يمكن أن نستهين بها، خاصةً ما يحدث في نطاق العمل، فالمتحرش في مصر يشعر أنه محصن ولا يوجد قانون حقيقي يعاقبه، والإجراءات للتبليغ صعبة وليست في صالح النساء".
ما حدث مع حنان مشابه لما مرت به مريم -20 سنة- طالبة في الجامعة، عندما أقدم دكتور جامعي على التحرش بها ومحاولة تكرار ذلك معها أكثر من مرة من خلال الملاحقة التليفونية وتهديدها بالرسوب. وهي أيضًا لم تستطع مواجهة هذه الجريمة، خاصةً لأنه أعلى منها: "سهل جدًا يضيع مستقبلي".
كشفت دراسة حديثة صادرة عن الاتحاد الدولي للخدمات العامة، مؤكدةً وصول التحرش ضد النساء في مصر إلى نسبة 88.9%، مع تضرر النساء العاملات من زيادة معدلات العنف والتمييز على أساس النوع الاجتماعي.
وينص القانون على: عقوبة التحرش في مكان العمل الحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تُجاوز 5 سنوات، وبغرامة لا تقل عن 200 ألف جنيه ولا تزيد على 300 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا أُرتكبت الجريمة في مكان العمل أو في إحدى وسائل النقل أو من شخصين فأكثر أو إذا كان الجاني يحمل سلاحًا أو إذا تكرر الفعل من الجاني من خلال الملاحقة والتتبع للمجني عليها/ـه.
وتؤكد المرشحة لمجلس النواب أميرة عز، لـ فكّر تاني: "البرلمان القادم يستطيع أن يقدم الكثير لو أن هناك نية صادقة لذلك، خاصةً أن المرأة في حاجة لسن قوانين جديدة تضمن لها الحفاظ على كرامتها داخل بيئة العمل، وأن تنأى بنفسها عن أي مضايقة أو تحرش أو تمييز".
وتضيف: "يمكن للبرلمان أن يراقب تنفيذ قانون العمل ويضمن مساواة عادلة في الفرص والأجور ويطالب بحضانات في أماكن العمل وإجازات أمومة محترمة، ويدعم مشروعات صغيرة للنساء في القرى والمناطق الشعبية".
اقرأ أيضًا:أميرة صابر: حياة الناس لم تعد سهلة.. وأتمنى برلمانًا مختلفًا في 2025 (حوار)
المرأة المعيلة
"بعد 7 سنين زواج.. طلقني وسافر للخارج، وتركنا أنا وأولاده الثلاثة دون أن ينظر مرة واحدة للوراء".. تقول مديحة لـ فكّر تاني.
تعمل مديحة -اسم مستعار- بائعة في محافظة الجيزة، كما أنها تعمل بالخياطة، ولكن الرزق قليل ،بحسب تعبيرها، ولا تستطيع أن تكفي متطلبات أولادها.
تقول ذات الـ 36 عامًا: "أحبال المحاكم طويلة. لدي أطفال يريدون من يصرف عليهم، وطليقي لا يرد ولا يرسل لهم النقود، وأهله لا يساعدوني ويتهموني أنني السبب في سفره وابتعاده عن أولاده".
توضح رانيا يحيى عضو المجلس القومي للمرأة: "يجب أن يكون هناك ضمانة للمرأة المطلقة في شكل قانوني تحتسب بعدد سنوات الزواج، فمن تتزوج ويتم طلاقها بعد عشرين سنة يكون لها حقوق غير التي تطلقت بعد عام فقط، يجب أن يتم حمايتها من المجتمع، من المشكلات الاقتصادية، من استخدام حق الطلاق بشكل جائر من خلال الزوج، وخاصةً تلك التي تزوجت عدد سنوات طويلة، وذلك بغض النظر عن سبب الطلاق، وبالفعل الدولة لها جهود ولكن نحتاج أكتر".
"العدالة الناجزة في محاكم الأسرة أمر هام جدًا. تتدخل الدولة أحيانًا لسرعة اجراءات التقاضي، لكن هناك حالات تستمر معاناتها لسنوات بسبب أجل القضايا الطويل، وهذا أمر نتمنى أن يخرج به تشريع لتكون مدة القضية شهر أو شهرين على الأكثر، ولا تظل المرأة في حالة من المماطلة لسنوات، والأولاد يدفعون الثمن".