شهدت المحاكم المصرية خلال السنوات القليلة الماضية، زيادة كبيرة في تكاليف التقاضي، خاصة بعد تراجع الحكومة عن تعديل قانون الرسوم القضائية 2018، عقب اعتراضات من نقابة المحامين والمجتمع المدني.
تواكب ذلك مع توسع الحكومة في تنفيذ خطط ميكنة خدمات المحاكم، والتي لجأت إلى فرض رسوم بقرارات من رؤساء المحاكم مقابل الأوراق، وتسببت تلك القرارات في حالة من الغضب بين المحامين لكونها غير مشروعة ومخالفة للدستور بشكل واضح بالإضافة لوجود مشكلات تقنية تؤدي لضياع الكثير من وقت المحامين بدلًا من تسهيل وتسريع الإجراءات، ولجأ المحامون إلى القضاء الإداري الذي حكم ببطلان فرض رسوم بدون قانون صادر عن السلطة التشريعية.
اقرأ أيضًا: انتفاضة المحامين ضد زيادة “الرسوم القضائية”.. وقفات احتجاجية وتصعيد بالاضراب

وفي ابريل 2024 التقي مجلس نقابة المحامين بوزير العدل للاعتراض علي رسوم الخدمات الإلكترونية والمشكلات الناتجة عن التطوير التقني، وجاء رد وزارة العدل بأن الوثائق المؤمنة أمر اختياري وأن المقابل يمثل التكلفة الفعلية، كما وعدت بالتنسيق مع النقابة في التطوير التقني، وهو ما اعتبره مجلس نقابة المحامين مكسب كبير.
وعادت القضية لبؤرة الضوء من جديد بعد قرار رئيس محكمة استئناف القاهرة بزيادة رسوم خدمات المحكمة، وسارعت نقابة المحامين بالاعتراض علي القرار وعقدت اجتماعات مع النقابات الفرعية وقررت تكليف النقيب بالتواصل مع وزارة العدل ومجلس القضاء الأعلى وهددت بالتصعيد في حالة عدم التراجع عن القرار.
وفي 13 أبريل الجاري، شارك آلاف من المحامين في وقفات احتجاجية أمام مقار النقابات الفرعية في العديد من المحافظات، احتجاجًا على تلك القرارات، استجابة لقرار النقابة العامة للمحامين.
الخلاف إذًا ليس على مدى قانونية زيادة رسوم المحاكم، بل على الأثار الخطيرة لزيادة تكاليف التقاضي على المجتمع بشكل عام وعلى الفقراء بشكل خاص.
ليست مجرد قضية مهنية
زيادة تكاليف التقاضي في مصر تمثل عقبة واقعية أمام حق المواطن في اللجوء للمحاكم للوصول لحقوقه وحل خلافاتهم، ورغم أنها قضية مهنية بامتياز حيث تمثل خطر على مهنة المحاماة، كما تؤدي عمليًا لانخفاض دخول المحامين لكنها ليست قضية المحامين فقط، فالحق في التقاضي ليس رفاهية وارتفاع تكاليف التقاضي يعيق بالفعل المواطنين عن اللجوء للمحاكم للحصول علي حقوقها وحل خلافتهم، ويؤدي ذلك بالضرورة إلي حلول وسائل أخري محل المحاكم لحل الخلافات مما يزيد من احتمالات العنف، وهو أمر يشكل خطر كبير على الجميع.
التقاضي الميسر قضية مجتمعية قبل كل شيء، فكل زيادة في الرسوم تضيف عبء مالي على المتقاضين في ظل أوضاع اقتصادية يتفق الجميع على صعوبتها خاصة على الفقراء، وعلى الجميع رفض تحول التقاضي إلى سلعة باهظة التكلفة ويفقد الفقراء الطريق الطبيعي للعدالة.
تمكين المتقاضين
يشغل الجانب القانوني مساحة لا يستحقها من قضية الرسوم القضائية، فلا يوجد من يجادل في حق التقاضي والالتزامات التي يفرضها الدستور علي الدولة لتمكين المواطنين من الوصول للعدالة، كما ان مخالفة قرارات رؤساء المحاكم في زيادة الرسوم أو فرض رسوم جديدة للدستور، تؤكدها العديد من أحكام القضاء الإداري.

كذلك من الواضح أن طريقة الحكومة في التعامل مع الموضوع تسير بنا في اتجاه تعديل قانون الرسوم القضائية، فعلي مدار العامين الماضيين لم تنفذ وزارة العدل ما وعدت به مجلس نقابة المحامين في 2023، واستمرت تكاليف التقاضي تزيد بقرارات من رؤساء المحاكم والنيابات.
فالحكومة ملتزمة تمامًا برؤية 2020/2030، التي تعمل على تسليع الخدمات دون مراعاة حساسية بعض الخدمات خاصة القضاء، فالخطة الاستثمارية لوزارة العدل تهدف لزيادة المتحصلات وتقليل النفقات طبقا لرؤية 2020/2030 وسبق أشار ممثل الوزارة اثناء مناقشة موازنة 2020 في مجلس النواب إلى أن الوزارة توفر من 300 إلى 350 مليون جنيه للموازنة العامة سنويًا.
الخلاف إذًا ليس على مدى قانونية زيادة رسوم المحاكم، بل على الأثار الخطيرة لزيادة تكاليف التقاضي على المجتمع بشكل عام وعلى الفقراء بشكل خاص.
