بينما تستعد مصر لاستحقاقها الانتخابي البرلماني القادم، المقرر مبدئيًا في النصف الثاني من العام الجاري 2025، يلف الغموض مستقبل القانون المنظم للعملية الانتخابية والنظام الذي تُجرى وفقه، سواء كانت القوائم بنوعيه النسبي أو المطلق، أو النظام الفردي، أو نظامًا مختلطًا يجمع بينهما.
هذه الحالة من عدم اليقين تترك الفاعلين/ات السياسيين/ات والمرشحين/ات المحتملين/ات، وبشكل خاص أولئك المنتمين/ات لشرائح قد تواجه تحديات إضافية، في حالة من الترقب الحذر. وفي قلب هذا المشهد، تبرز قضايا وتطلعات ومخاوف شريحة سكانية وازنة ومؤثرة، هم الأشخاص ذوو/ات الإعاقة في مصر.
يقدر تعداد هذه الشريحة المهمة في البلاد بنحو 10 ملايين مواطن/ة، وهو ما يمثل حوالي 11% من إجمالي سكان الجمهورية، وفقًا لأحدث البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS) في ديسمبر 2024، والتي أشارت أيضًا إلى ارتفاع طفيف في نسبة الإعاقة بين الإناث مقارنة بالذكور.
هذا الرقم الضخم لا يعكس فقط حجم الشريحة، بل يؤكد على الأهمية القصوى لضمان تمثيلها العادل ومشاركتها الفعالة في الحياة السياسية والبرلمانية، وهي مشاركة لا تزال تصطدم بالعديد من التحديات الهيكلية والمجتمعية واللوجستية التي تتطلب معالجة جذرية لتحقيق التمكين المنشود.
“الكوتة” خطوة.. والآمال معلقة بالزيادة
تؤكد النائبة زينب بغدادي، عضوة البرلمان عن كوتة ذوي/ات الإعاقة في الأقصر ونائب رئيس حزب العدل، على هذه النقلة النوعية قائلةً في حديثها لـ فكّر تاني: “الأشخاص ذوو/ات الإعاقة كانوا مهمشين/ات جدًا في السابق، أما الآن أصبح هناك ثمانية نواب من ذوي/ات الإعاقة في مجلس النواب”.

لكن الطموحات لا تتوقف عند هذا الحد، فهناك توقعات وآمال واسعة، تشاركها فيها النائبة ابتهاج الطوخي عضوة لجنة التضامن الاجتماعي والأسرة والأشخاص ذوي/ات الإعاقة بمجلس النواب والأمين المساعد لأمانة حزب الشعب الجمهوري، بأن يشهد البرلمان القادم زيادة في هذه النسبة المخصصة، ربما تصل إلى عشرة مقاعد أو أكثر. إذ أن مثل هذه الزيادة لن تحمل فقط دلالة رمزية باعتراف أكبر بأهمية تمثيلهم/ن، بل ستوفر أيضًا فرصة لتمثيل أوسع لتنوع الإعاقات والمناطق الجغرافية، وتعزز من قدرتهم/ن على التأثير في التشريعات والسياسات.
بلغ عدد النواب في كوتة الأشخاص ذوي/ات الإعاقة في مجلس النواب الحالي ثمانية نواب: مها شعبان، وعزة أحمد حسين، ومحمد فوزي الرفاعي، وهند حازم، ونجوى خلف، وابتهاج الطوخي، ونجلاء العسيلي، وزينب بغدادي. ومن المتوقع أن تزيد النسبة إلى 10 بحسب بعض النواب.
ومع ذلك، تبقى هذه الآمال معلقة في انتظار وضوح الرؤية بشأن الإطار القانوني للانتخابات القادمة.
تشير النائبة بغدادي إلى حالة الترقب قائلة: “نحن بانتظار معرفة ما إذا كان هناك تغيير في القانون أم ستجري الانتخابات بالقانون 46 لسنة 2014”.
هذا الوضوح القانوني يعتبر حاسمًا ليس فقط لمعرفة حجم الكوتة النهائية، ولكن أيضًا لفهم آليات الترشح والاختيار ضمنها، وهو أمر ضروري للأحزاب والمرشحين المحتملين لوضع خططهم واستراتيجياتهم الانتخابية.
الأعباء المالية واللوجستية والبيئة غير الموائمة
رغم الأهمية المبدئية لنظام الكوتة في ضمان حد أدنى من التمثيل، إلا أن الطريق نحو المشاركة السياسية الفعّالة للأشخاص ذوي/ات الإعاقة لا يزال محفوفًا بالعديد من التحديات العملية والهيكلية التي تتجاوز مجرد الحصول على مقعد:
التحدي المالي المتزايد: تشكل تكاليف الحملات الانتخابية عبئًا كبيرًا على جميع المرشحين/ات، ولكنها قد تكون أشد وطأة على الأشخاص ذوي/ات الإعاقة.

تشرح النائبة ابتهاج الطوخي هذا الجانب في حديثها لـ فكّر تاني، فتقول: “زيادة معدل التضخم من بين الأسباب (المعوقة) نظرًا للتكلفة المرتفعة للدعاية والإعلان، ما يشكل عبئًا ماليًا بزيادة ملحوظة عن الانتخابات الماضية”. فارتفاع تكاليف الدعاية، وتنظيم الفعاليات، والتنقلات، وإدارة فرق العمل الانتخابية، قد يشكل رادعًا قويًا للكثيرين/ات، خاصةً في ظل احتمالية وجود فوارق في متوسط الدخل أو صعوبات أكبر في الحصول على تمويل للحملات مقارنة بغيرهم من المرشحين/ات، بالإضافة إلى أية تكاليف إضافية قد تتطلبها الحملة لجعلها متاحة وموائمة.
التحدي اللوجستي والحركي: توضح النائبة زينب بغدادي أن الفرق الأساسي بين المرشح ذي الإعاقة وغيره يكمن في “القدرة على التحرك بسهولة بسبب نوع الإعاقة”، ما يجعل خوض الحملات الانتخابية، خاصةً في النظام الفردي الذي يتطلب حركة واسعة، أكثر صعوبة.
وتشير إلى أن الجميع، سواء من ذوي/ات الإعاقة أم لا، “يفضل القائمة”، وأن القدرة على الترشح فرديًا تعود لـ”قدرة الشخص على خوض المعركة الانتخابية”. ورغم عدم حسمها قرار الترشح للدورة القادمة بعد، إلا أنها تستبعد فكرة الترشح بنظام الفردي.
تحديات ما بعد الانتخاب (إدارة المكاتب الخدمية): لا تنتهي التحديات بفوز المرشح، بل تستمر في مرحلة ممارسة العمل النيابي، ومن أهمها إدارة مكاتب خدمة المواطنين.
تشير النائبة الطوخي، بناءً على تجربتها، إلى “صعوبة اختيار مكتب خدمة المواطنين للنواب ذوي/ات الإعاقة”، مؤكدةً على الحاجة الماسة لأن يكون فريق العمل “من أهل الثقة والكفاءة”، خاصةً في بداية التجربة البرلمانية.
وتضيف أن “التكلفة المادية المرتفعة” لإنشاء وتشغيل هذه المكاتب تمثل عبئًا إضافيًا. وتطالب بـ “مساعدة الحكومة للنواب من ذوي/ات الاحتياجات الخاصة في تشكيل المكتب”، وهو مطلب يمكن اعتباره جزءًا من توفير بيئة عمل برلمانية موائمة وممكنة للجميع.
النظرة المجتمعية: وإن لم يتم التوسع فيه، فإن إشارة النائبة بغدادي العابرة إلى “بعض الضيق” الذي قد ينجم أحيانًا عن “معاملة الجمهور”، تلمح إلى تحدٍ آخر يتعلق بالصور النمطية أو نقص الوعي المجتمعي بكيفية التعامل مع الأشخاص ذوي/ات الإعاقة في الفضاء العام، وهو ما يتطلب ليس فقط مرونة من المرشح/ة، بل جهدًا مجتمعيًا أوسع لتعزيز ثقافة الدمج والاحترام.
يُعرف القانون المواطن ذي الإعاقة: هو من يعاني من إعاقة لا تمنعه من القيام بمباشرة حقوقه المدنية والسياسية على نحو ما يحدده تقرير طبي يصدر وفق الشروط والضواط التي تضعها اللجنة العليا للانتخابات، بعد أخذ رأي المجلس القومي للأشخاص ذوي/ات الإعاقة.
شرط التأهيل
تمتد إشكالية الوصول والبيئة الموائمة لتشمل البنية التحتية للدولة ومؤسساتها، بما في ذلك مقر السلطة التشريعية ذاته.

ينتقد غريب سليمان المدير التنفيذي لمؤسسة حقوقي لحقوق الأشخاص ذوي/ات الإعاقة، في حديثه لـ فكّر تاني، هذا الواقع مشيرًا إلى “ضرورة وجود تجهيزات في البرلمان للأشخاص ذوي/ات الإعاقة البصرية والحركية”، مثل المنحدرات، ودورات المياه المجهزة، واللافتات بلغة برايل، وربما أنظمة ترجمة للغة الإشارة أو أنظمة صوتية مساعدة، مقارنًا بالوضع في برلمانات أخرى كالبرلمان الألماني التي توفر مثل هذه التجهيزات.
لكن سليمان يربط هذه الملاحظة المحدودة بقضية أشمل وأعمق، وهي “غياب التصميم العام” أو “التصميم الشامل” في مصر.
يشرح قائلًا: “مصر يغيب عنها التصميم العام في كل شيء ليناسب الجميع”. هذا الغياب لا يؤثر فقط على الأشخاص ذوي/ات الإعاقة، بل يمتد تأثيره ليشمل شرائح واسعة أخرى مثل “كبار السن ومن يعانون ألم المفاصل والقلب” وغيرهم/ن ممن قد يواجهون صعوبات مؤقتة أو دائمة في الحركة أو الإدراك.
إن عدم وجود أرصفة ممهدة، أو وسائل نقل عام مجهزة، أو مداخل مباني سهلة الوصول، أو معلومات متاحة بأشكال متعددة، لا يعوق فقط قدرتهم على ممارسة حياتهم اليومية باستقلالية وكرامة، بل يقف حائلًا مباشرًا أمام مشاركتهم السياسية الفعالة، سواء كان ذلك في الوصول لمقار اللجان الانتخابية، أو حضور الندوات والاجتماعات السياسية، أو حتى التنقل بحرية لممارسة العمل النيابي.
ووفق سليمان، لا يجب أن يُنظر إلى مفهوم التصميم الشامل كرفاهية أو خدمة لفئة محدودة، بل كحق أساسي ومبدأ تخطيطي ضروري لبناء مجتمع دامج يضمن المواطنة الكاملة للجميع.



التعليقات