انتقدت ورقة بحثية جديدة صادرة عن منصة فكر تاني، مواقف برلماني 2015 و2020 في ملف حرية الإبداع بأنماطه المختلفة، حيث أغفلا دورهما التشريعي فيما يتعلق بصيانة حرية الإبداع، وعملا على تعزيز ما وُصف بـ “ماكينة الرقابة” والتضييق على حرية الإبداع.
وأوضحت الورقة – التي أعدها محمد فوزي الباحث في الشؤون السياسية بعنوان “البرلمان وملف حرية الإبداع” – أن العديد من المواقف والتحركات للبرلمانيين خلال هذه الفترة مثّلت في مجملها مؤشرًا سلبيًا على مستوى تعامل المؤسسة البرلمانية في مصر مع ملف حرية الإبداع إلى جانب بعض الممارسات الأخرى الخاصة بالسلطة التنفيذية والتي حجمت من حرية الإبداع.
وأشارت إلى استخدام السلطة التشريعية سردية “حماية ثوابت المجتمع”، أو “الحفاظ على الذوق العام”، أو “ازدراء الأديان”، للتضييق على حرية الإبداع بمصر، مؤكدةً أن البرلمانات المصرية التي جاءت في أعقاب ثورة الثلاثين من يونيو 2013، وهي الفترة التي شهدت لسنوات تناميًا كبيرًا في معدلات العنف على وقع انتشار التطرف والإرهاب، أغفلت أن الفن والإنتاج الإبداعي هو ليس فقط أحد الأدوات التي تعبر عن التنوعات الإثنية والثقافية والسياسية في المجتمع المصري وأداة للتعبير عن شواغل هذا المجتمع وقضاياه، ولكنه أيضًا أحد أدوات مكافحة التطرف الذي يؤدي إلى الإرهاب، وفق الورقة البحثية.
للاطلاع على الورقة.. اضغط هنا
لمجلس النواب دور رئيسي في مسألة الإبداع الفني، باعتباره الجهة المسؤولة عن إصدار التشريعات المتعلقة بالحريات بشكل عام، وما تتضمنه من مسائل فرعية مثل حرية الإبداع وحرية الفن. إذ يملك العديد من الأدوات التشريعية والرقابية التي يمكنه من خلالها تعزيز الإبداع الفني والحريات المرتبطة به، وفي الوقت نفسه، يمكن أن تُستغل هذه الأدوات كأداة لمحاربة حرية الإبداع.
الدستور و حرية الإبداع
بحسب الورقة البحثية، فإن للدستور المصري تاريخ طويل في كفالة الحريات الإبداعية والفنية.
ينص دستور 1971 في مادته الـ49 على أن: “تكفل الدولة للمواطنين حرية البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني والثقافي، وتوفر وسائل التشجيع اللازمة لتحقيق ذلك”. أما الدستور الحالي بتعديلاته الأخيرة فقد نص في مادته الـ 67 على أن “حرية الإبداع الفنى والأدبى مكفولة، وتلتزم الدولة بالنهوض بالفنون والآداب، ورعاية المبدعين وحماية إبداعاتهم، وتوفير وسائل التشجيع اللازمة لذلك”.

كما ينص الدستور كذلك على أنه لا يجوز رفع أو تحريك الدعاوى لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية أو ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة، ولا توقع عقوبة سالبة للحرية فى الجرائم التي ترتكب بسبب علانية المنتج الفني أو الأدبي أو الفكري، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن فى أعراض الأفراد، فيحدد القانون عقوباتها.
واعتبرت الورقة البحثية هذه المادة درعًا يمنع حبس المبدعين بسبب نشر أعمالهم، ما يجعل كل مادة قانونية تخالف هذا المبدأ واجبة الإلغاء، خاصةً أن هذه المادة الدستورية تتيح للمواطنين القدرة على الطعن على أي تشريع يخالف حرية الإبداع أو ينص على مواد عقابية تحمل عقوبات سالبة للحرية ضد المبدعين، لكنها أيضًا وضعت بعض المحاذير في هذا الإطار خصوصًا ما يتصل بالتحريض على العنف، والتمييز بين الأفراد، والطعن في أعراض الأفراد.
للاطلاع على الورقة.. اضغط هنا
مؤشرات سلبية
ورصدت الورقة البحثية عددًا من المواقف السلبية بحق حرية الإبداع في برلماني 2015، و2020، مؤكدةً أنه البرلمان الحالي لم يختلف كثيرًا عن برلمان 2015 فيما يتعلق بالتعامل السلبي مع ملف حرية الإبداع.
وفي عام 2016، وقع البرلمان في التركيز على سردية “ازدراء الأديان”، بعد توقيع الحكم بحبس الباحث إسلام البحيري لمدة خمس سنوات وتخفيفها لاحقًا إلى سنة واحدة، لاتهامه بازدراء الأديان.
وتقدمت النائبة آمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة والعميدة السابقة لكلية الدراسات الإنسانية بفرع جامعة الأزهر بالإسكندرية، بمقترح لتعديل بعض مواد قانون العقوبات لعدم دستوريتها، حيث طالبت بحذف المادة رقم 98 الخاصة بازدراء الأديان من قانون العقوبات، ولاحقًا وقع 68 نائبًا على مقترح مشروع القانون.
وأثناء مناقشة المقترح، عارض عضو اللجنة التشريعية – في ذلك الوقت – السيد حسن البرديسي، وكذلك النائب مصطفى بكري، الذي ذهب إلى أن ترتيب عقوبة على ازدراء الأديان أمر “لا يتعارض مع حرية الإبداع، وأن هذا القانون حماية للمعتقدات الدينية من الازدراء”. 
في عام 2020، ثار جدل كبير بشأن أغاني المهرجانات، حيث تم منع العديد من مغني هذه الفئة من إقامة حفلاتهم، وتقدم وقتها نقيب المهن الموسيقية إلى إدارة بعض مواقع التواصل الاجتماعي بطلب لحذف أغاني المهرجانات.
ودخل البرلمان المصري على الخط نفسه، حيث تقدم آنذاك النائب فرج عامر بمقترح لمجلس النواب لتشديد عقوبة خدش الحياء العام لتصل إلى ثلاث سنوات، وأن يكون الحبس فيها وجوبيًا. وطالب عامر، رئيس لجنة الصناعة بالبرلمان في ذلك الوقت، بمحاكمة مغني المهرجانات بموجب هذه المادة بعد تشديدها.
ولم يكتفِ برلمان عام 2015 بالتغاضي عن أو تجاهل تعديل بعض المواد في بعض القوانين التي تساهم في تقييد حرية الإبداع، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث أقر البرلمان بالفعل بعض التشريعات الجديدة التي تحمل تأويلاتها مزيدًا من التضييق على حرية الإبداع، على غرار قانون “توقير العلم وتجريم إهانته”، وهو القانون الذي كان قد صدر بالأساس من قبل الرئيس المؤقت السابق عدلي منصور في 2014، على اعتبار أنه كان لديه صلاحيات تشريعية واسعة في ظل غياب البرلمان.
وفي عام 2019، تجدد النقاش حول قانون “إهانة الرموز التاريخية”، بعد الجدل المثار حول انتقاد الشيخ الشعراوي، إذ أشار أعضاء بمجلس النواب إلى أهمية إقرار قانون إهانة الرموز التاريخية، حتى لا تكون شخصيات مثل الشيخ محمد متولي الشعراوي عرضة للنقد.
للاطلاع على الورقة.. اضغط هنا
وكان الدافع وراء التقدم بمشروع قانون إهانة الرموز التاريخية ما اعتبره البعض قدحًا في شخصية صلاح الدين الأيوبي، بعد حلقة تلفزيونية أذيعت في 10 مايو 2017، وجه فيها الكاتب يوسف زيدان هجومًا وانتقادًا لاذعًا لصلاح الدين الأيوبي، فضلاً عن هجومه على أحمد عرابي.
وبعد تصريحات “زيدان” بأيام قليلة، تقدم النائب عمر حمروش، أمين سر لجنة الشئون الدينية والأوقاف في ذلك الوقت، بمشروع القانون، مُعتبرًا أن “الفترة الماضية شهدت محاولات متعددة لتشويه صورة الشخصيات والرموز التاريخية”.
وفي 8 نوفمبر 2017، أحال رئيس مجلس النواب في ذلك الوقت مشروع القانون إلى لجنة مشتركة من اللجنة التشريعية ولجنة الثقافة والإعلام والآثار.
ورغم أن البرلمان الحالي لم يتبنَّ تشريعات إضافية تدفع باتجاه تقييد حرية الإبداع في مصر على غرار برلمان 2015 ومواقف نوابه، إلا أنه مثل، بحسب الورقة البحثية، استكمالًا لهذا النهج بشكل ضمني وغير مباشر، على اعتبار أنه لم يمارس دوره فيما يتعلق بإصلاح القوانين الغامضة التي تسمح بسلطة مبالغ فيها من قبل بعض الهيئات فيما يتعلق بتحجيم حرية الإبداع، كما أنه أخفق في توفير بيئة تشريعية تضمن حرية الإبداع وتوفر ضمانات كافية ضد أي إجراءات تعسفية في هذا الصدد.


