بينما تتصاعد النيران في قطاع غزة ويستمر القصف الإسرائيلي للأسبوع الثالث على التوالي، يجد العرب أنفسهم مجددًا في موقع المتفرّج على واحدة من أخطر الأزمات الأمنية والإنسانية في تاريخ المنطقة. ورغم الزخم الدبلوماسي العربي وتصريحات الدعم المتكررة، يطرح الواقع أسئلة جوهرية حول غياب رؤية جماعية واضحة تفضي إلى تسوية حقيقية تحفظ الدم الفلسطيني وتؤسس لأمن إقليمي متماسك.
في هذا السياق، يناقش تحليل مشترك للدكتور عمرو حمزاوي مدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي والباحثة ناتالي تريش جذور الفشل العربي في بناء ترتيبات أمن جماعي حالية، مستعرضًا دروسًا من تجارب تاريخية أثبتت أن السلام ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية تتجاوز الشعارات.
تجارب الأمن الجماعي السابقة
يستهل حمزاوي وتريش تحليلهما بالتأكيد على أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ليست غريبة على محاولات بناء آليات للأمن الجماعي. فالقرن العشرون، بما شهده من تقلبات هائلة - بدءًا من السياسات الاستعمارية وحركات الاستقلال، مرورًا بإنشاء دولة إسرائيل وبروز الولايات المتحدة كقوة عظمى مهيمنة، وصولًا إلى الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية والحروب العربية الإسرائيلية المتعاقبة - شكل مسرحًا لهذه المحاولات.
ويشير الكاتبان إلى أمثلة بارزة كتلك التي سعت فيها القوى الإقليمية، وأحيانًا بالتعاون مع أطراف دولية، إلى إرساء حوارات ثنائية ومتعددة الأطراف وجهود تسوية. ويُبرز حمزاوي وتريش مثالين رئيسيين من تلك الحقبة: الأول هو "معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي" التي وقعتها دول جامعة الدول العربية عام 1950، والتي نصت على التزام جماعي بحماية السلامة الإقليمية والسيادة لكل دولة عضو. والثاني هو "حلف بغداد" الذي أنشأته المملكة المتحدة برعاية أمريكية، وضم إيران والعراق وباكستان وتركيا بهدف احتواء النفوذ الشيوعي. كما يذكر المقال الإعلانات المختلفة التي ألزمت قوى إقليمية ودولية بالتنسيق الأمني.
ومع الإشارة إلى الموقف العربي الموحد الحالي الداعم لخطة مصر لإعادة إعمار غزة، والتأكيد على عدم تهجير الفلسطينيين وتوفير ضمانات أمنية لجميع الأطراف المعنية بما فيها إسرائيل، يرى حمزاوي وتريش أن الوقت قد حان للنظر بعمق في تجارب سابقة نجحت فيها ترتيبات أمنية ثنائية أو متعددة الأطراف في إنهاء حروب إقليمية أو على الأقل احتوائها.

خمس محطات تاريخية فارقة
يقدم المقال تحليلًا لخمس دراسات حالة يعتبرها حمزاوي وتريش ذات دلالة عميقة على إمكانية نجاح الالتزام المستمر بالأمن الجماعي، ليس فقط في إعادة إعمار غزة، بل وفي ضمان السلام والاستقرار الإقليمي الأوسع:
الحرب الأهلية اليمنية في الستينيات وقرارات الخرطوم (1967):
يوضح حمزاوي وتريش كيف انخرطت مصر والمملكة العربية السعودية في حرب بالوكالة في اليمن، وكيف أن التغيرات الجذرية على الصعيدين المحلي (خلافات داخلية سعودية) والإقليمي (هزيمة يونيو 1967 لمصر) دفعت الطرفين، تحت مظلة جامعة الدول العربية، إلى التوصل لتسوية في قمة الخرطوم. فقد اتفقتا القاهرة والرياض على وقف تمويل وكلائهما وسحب قواتهما، مع إعطاء الأولوية للأمن الجماعي العربي ولم الشمل في مواجهة تداعيات الهزيمة، وهو ما نجح في إنهاء الحرب اليمنية آنذاك.
معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية (1979):
يسلط المقال الضوء على التحول الجذري في العلاقة المصرية الإسرائيلية، من حالة العداء والحروب المتكررة (1948، 1967، 1973) إلى صنع السلام. إذ يرى حمزاوي وتريش أن القرار الجريء للرئيس المصري الراحل أنور السادات، وزيارته التاريخية للقدس، بدعم ومشاركة أمريكية فاعلة في مفاوضات كامب ديفيد، أثمرت عن معاهدة سلام رسمية. ويعتبر الكاتبان هذه التجربة مثالًا على القيادة الجريئة التي تحركها رؤية السلام.
قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598 (وقف الحرب العراقية الإيرانية 1988):
بعد ثماني سنوات من الحرب المدمرة، يوضح حمزاوي وتريش كيف أن إدراك كل من العراق وإيران لوصولهما إلى طريق مسدود عسكريًا واستحالة تحقيق نصر حاسم، فتح الباب أمام المفاوضات. ويشير المقال إلى الدور المحوري للأمم المتحدة، بدعم من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، في صياغة وتنفيذ القرار 598 الذي دعا إلى وقف فوري لإطلاق النار، وانسحاب القوات إلى الحدود المعترف بها دوليًا، وتشكيل فريق مراقبين أممي، واقتراح بحث سُبل تعزيز الأمن الإقليمي. وقد أنهى قبول الطرفين للقرار الحرب رسميًا.
اتفاق الطائف (1989):
يتناول المقال كيف أنهى اتفاق الطائف الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 15 عامًا، والتي شهدت تدخلات إقليمية متعددة (إسرائيل، سوريا، منظمة التحرير). ويرى حمزاوي وتريش أنه على الرغم من أن الاتفاق لم يغير البنية الطائفية للنظام السياسي اللبناني بشكل جذري، بل أعاد توزيع الحصص ضمنها، إلا أنه نجح في إرساء تسوية أوقفت الحرب، وسمحت للمؤسسات الحكومية باستعادة جزء من سلطتها، وخففت من حدة الأزمة الاقتصادية. ويعتبر المقال أن الاتفاق مثل تسوية ناجحة نسبيًا، بضغط من جامعة الدول العربية وبقيادة سورية وسعودية.
إعلان دمشق (1991):
يعرض المقال كيف جاء هذا الإعلان في أعقاب تحرير الكويت من الغزو العراقي، حيث اجتمعت دول مجلس التعاون الخليجي مع مصر وسوريا للتأكيد على مبادئ التعاون والأمن الجماعي، وتشكيل قوة سلام عربية. لكن حمزاوي وتريش يوضحان كيف أن هذا الجهد العربي سرعان ما أصبح غير ذي جدوى. فالواقع الإقليمي تغير مع ترسيخ الوجود العسكري الأمريكي الدائم في المنطقة، وتوقيع دول خليجية لاتفاقيات أمنية ثنائية مع الولايات المتحدة، التي أصبحت الضامن الأمني الرئيسي في الخليج. وهكذا، تفككت الوحدة العربية المعلنة في دمشق أمام بدائل أمنية بدت أكثر واقعية وقوة، مما أدى إلى فشل الاتفاق في تحقيق هدفه الأمني الجماعي.
اقرأ أيضًا: غزة الوحيدة.. كيف يُكتب السطر الأخير في قصة الإبادة؟

وصفة السلام المستدام في غزة والمنطقة
بتحليل هذه الحالات الخمس المتباينة، يستخلص حمزاوي وتريش ثلاثة شروط أساسية يعتبرانها ضرورية لنجاح التسويات السلمية في الشرق الأوسط:
الشرط الأول: إدراك استحالة الحسم العسكري والقبول بالتسوية؛ إذ يؤكد الكاتبان على أن الخطوة الأولى نحو السلام تبدأ عندما تدرك الأطراف المتحاربة والمتصارعة عجزها عن تحقيق نصر عسكري حاسم، وتصبح بالتالي مستعدة للنظر في التنازلات وقبول الجهود الدبلوماسية والمفاوضات.
ويشيران إلى أن هذا الإدراك هو ما دفع مصر والسعودية لقبول تسوية الخرطوم في اليمن، والعراق وإيران لقبول قرار مجلس الأمن 598. ويلفت حمزاوي وتريش الانتباه إلى أن هذا الاقتناع قد يأتي أحيانًا في سياق أزمات داخلية أو خارجية حادة، مثل الهزيمة العسكرية المصرية في يونيو 1967، أو انهيار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في العراق وإيران بعد سنوات الحرب الطويلة.
الشرط الثاني: وجود قيادة سياسية ذات رؤية. وهنا يشدد المقال على أهمية وجود قيادات سياسية قادرة على تجاوز منطق الدمار وسفك الدماء، وتبني خيار صنع السلام بشجاعة.
ويعتبر حمزاوي وتريش أن قيادة الرئيس السادات تُمثل النموذج الأبرز لهذا الشرط، حيث سعى لإنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، وتفاوض مع عدو خاضت بلاده ضده حروبًا متعاقبة، وصولًا إلى زيارته التاريخية للقدس. ويرى الكاتبان أن هذه القيادة صاحبة الرؤية كانت أساسية في تحقيق السلام المصري الإسرائيلي واستدامته.
الشرط الثالث: ضمانات دولية قوية، لا سيما من القوى العظمى، وهي الشرط الحاسم لحماية التسويات السلمية وضمان الالتزام بها. ويقدم الكاتبان أمثلة على ذلك؛ فقرار مجلس الأمن 598 لم يكن ليصبح ممكنًا لولا الضمانات الأمريكية والسوفيتية والأوروبية. كما أن اتفاق الطائف، وفقًا لتحليلهما، استند إلى ضمانات أمريكية وأوروبية للأطراف اللبنانية وللقوى الإقليمية المتدخلة.
وعلى النقيض، يفسر الكاتبان فشل إعلان دمشق 1991 بأنه تعبير مباشر عن عدم كفاية ترتيبات الأمن الجماعي الإقليمية إذا ما رُفضت أو لم تحظ بدعم قوة عظمى. فالولايات المتحدة، بعد قيادتها لتحالف تحرير الكويت، لم تكن مستعدة لقبول ترتيبات أمنية عربية خالصة في الخليج، بل سعت لفرض هيمنتها ونشر قواتها.
اقرأ أيضًا: بضوء أخضر أمريكي.. إسرائيل تستأنف الحرب على غزة

تحديات غزة والمنطقة
يطبق حمزاوي وتريش هذه الشروط المستخلصة على الحروب والصراعات الراهنة في الشرق الأوسط، خاصة في غزة واليمن، ويخلصان إلى استنتاجات تبعث على القلق:
غياب القناعة بالتسوية:
يرى الكاتبان أنه ما لم تتخل إسرائيل وحماس (في غزة) والحوثيون (في اليمن) عن إغراء الحلول العسكرية وتقبل التسويات التفاوضية، فإن الحروب الحالية لن تنتهي.
دور إقليمي محدود التأثير:
يعتقد حمزاوي وتريش أن الفاعلين الإقليميين مثل مصر وقطر والسعودية والإمارات يمكنهم لعب دور بنّاء في إقناع حماس بالعودة إلى المفاوضات (بشروط قد تشمل عدم مشاركتها في حكم غزة مستقبلًا) والابتعاد عن الردود العسكرية. لكنهما يؤكدان أن الولايات المتحدة وحدها هي القادرة على دفع إسرائيل لوقف التصعيد الحالي والتفاوض على تمديد ترتيبات وقف إطلاق النار.
ومع ذلك، يشككان في رغبة الإدارة الأمريكية الحالية في اتباع هذا المسار.
أما بالنسبة للحوثيين، فبينما قد تنجح حملة عسكرية أمريكية مستمرة في تحييد تهديدهم، يرى الكاتبان أن إيران هي الطرف القادر على إقناعهم بتغيير سلوكهم، وهو أمر مستبعد طالما لم تجد طهران انفراجة في مفاوضاتها مع واشنطن بشأن برنامجها النووي ومصالحها الإقليمية.
فراغ القيادة صاحبة الرؤية:
ويعرب حمزاوي وتريش عن أسفهما لغياب القيادات صاحبة الرؤية في الشرق الأوسط اليوم، مقارنة بشخصيات مثل السادات في السبعينيات، أو حتى إسحق رابين الذي دفع إسرائيل لتوقيع اتفاقيات أوسلو، وياسر عرفات الذي قبل التسويات التاريخية لإنقاذ الحركة الوطنية الفلسطينية. وهذا الفراغ يجعل مهمة صنع السلام أكثر صعوبة، كما يقول الكاتبان.
ويختتم حمزاوي وتريش مقالهما بأن التجارب التاريخية الخمس تظهر بوضوح أنه بينما يمكن للفاعلين الإقليميين الشروع في بناء الأمن الجماعي، فإن هذه الجهود تحتاج حتمًا إلى دعم القوى العظمى لتنجح. فالضمانات الأمريكية كانت ضرورية للسلام المصري الإسرائيلي، والتطمينات الدولية كانت حاسمة لتنفيذ قرار 598. وبالتالي، فالجهود العربية الحالية لتحقيق أمن جماعي وتسويات سلمية للصراعات الجارية ستكون محدودة الفعالية في غياب الدعم الإيجابي من القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة.