غزة الوحيدة.. كيف يُكتب السطر الأخير في قصة الإبادة؟

لم تهدأ وتيرة الموت والدمار في قطاع غزة؛ إذ واصلت القوات الإسرائيلية عدوانها المكثف الذي تصفه مصادر فلسطينية وحقوقية دولية بأنه يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية المستمرة منذ أشهر.

وقد شهدت الساعات الماضية فصولًا مروعة من الاستهداف الإسرائيلي للمدنيين والبنية التحتية. وأفادت مصادر طبية فلسطينية، نقلت عنها "الجزيرة" القطرية، باستشهاد ما لا يقل عن 16 شخصًا منذ فجر الأحد في الغارات التي طالت مناطق مختلفة من قطاع غزة، لترتفع بذلك حصيلة الشهداء خلال الـ 24 ساعة الماضية إلى 46 شهيدًا، بينهم 10 في مدينة خان يونس وحدها.

وفي منطقة المواصي غرب خان يونس، التي سبق وصنفتها إسرائيل منطقة إنسانية قبل أن تتعرض لقصف متكرر، استهدفت غارة جوية خيمة تؤوي نازحين، مما أسفر عن استشهاد 7 مدنيين، بينهم نساء وأطفال. وفي حي الأمل غربي المدينة ذاتها، استشهد 3 فلسطينيين من عائلة واحدة بقصف منزلهم.

واستشهد 3 فلسطينيين في قصف على حي الشجاعية، وأصيب آخرون برصاص طائرات مسيرة إسرائيلية من طراز "كواد كابتر" استهدفت نفس الحي، الذي يشهد توغلًا إسرائيليًا لليوم الثاني على التوالي وسط قصف عشوائي يحاصر العائلات في ظروف إنسانية كارثية. كما استشهد مواطنان وأصيب آخرون بقصف منزل قرب مدرسة عين جالوت بحي الزيتون جنوب شرقي المدينة.

وفي رفح، أقصى جنوب القطاع، استمر القصف الجوي والمدفعي وإطلاق النار من الآليات المتوغلة طوال الليل، وأفاد شهود عيان بحدوث انفجارات ضخمة ناجمة عن عمليات نسف لمبانٍ سكنية شمال المدينة، فيما أطلقت الدبابات الإسرائيلية نيرانها بكثافة شمال وشرق المدينة، التي هُجر معظم سكانها. يأتي ذلك بعد إعلان الجيش الإسرائيلي بدء عمليات في محور "موراغ" جنوبي القطاع للمرة الأولى. بينما في المقابل، أعلنت سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، عن تدمير آلية عسكرية إسرائيلية بعبوة ناسفة في حي الشجاعية.

ويأتي هذا التصعيد الدامي، الذي حصد أرواح أكثر من 1335 فلسطينيًا وأصاب ما يزيد عن 3 آلاف منذ استئناف العدوان في 18 مارس الماضي بحسب بيانات رسمية (فيما تتجاوز الحصيلة الإجمالية منذ 7 أكتوبر 165 ألف شهيد وجريح ومفقود وفقًا للمصادر نفسها)، ليؤكد المخاوف المتزايدة من نوايا إسرائيل المعلنة بالسيطرة على غزة وإبادة أو تهجير أهلها.

أين إسرائيل الآن في غزة؟

استأنفت القوات الإسرائيلية قصفها المكثف على قطاع غزة في 18 مارس، وأعقبته بهجوم بري جديد، ما أنهى هدنة استمرت قرابة شهرين بين إسرائيل وحركة حماس، عقب ‘حباط إسرائيلي للمفاوضات حول المراحل التالية للاتفاق. ومنذ تجدد القتال، أفادت وزارة الصحة في غزة، بمقتل ما لا يقل عن 1042 شخصًا جراء الهجمات الإسرائيلية.

آليات عسكرية إسرائيلية (EPA)
آليات عسكرية إسرائيلية (EPA)

وكان إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن توسيع الهجوم و"السيطرة على مناطق واسعة" بمثابة التحول الأكبر في الخطاب الرسمي الإسرائيلي، الذي كان يتجنب سابقًا التصريح بنيّة الاستيلاء على أراضٍ في القطاع. وهو ما علق عليه مراقبون، مثل جيسون بيرك من صحيفة "الجارديان"، بأن "اللغة التي تعبر عن اهتمام واضح بالسيطرة على الأراضي... تبدو الآن أكثر صراحة".

لطالما حذر محللون من أن الهجوم الإسرائيلي قد يقود إلى ضم أراضٍ أو إعادة توطين المستوطنين، وهو ما يبدو أنه يكتسب زخمًا حاليًا في ظل تبني شخصيات مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطط تتضمن تهجير الفلسطينيين، وتشجيع اليمين المتطرف في إسرائيل الذي يدعو صراحة لإعادة احتلال غزة.

وبينما قد تكون السيطرة على الأرض ورقة ضغط أو مساومة، يشتبه الكثيرون في وجود "دوافع أخرى" تتعلق بمشروع أيديولوجي طويل الأمد لليمين الإسرائيلي يهدف لتغيير ديموغرافية وجغرافية القطاع بشكل دائم.

وتشير منظمة "جيشا" الحقوقية الإسرائيلية إلى أن إسرائيل سيطرت بالفعل على نحو 17% من مساحة غزة كمنطقة عازلة، فيما أكد نتنياهو عزم قواته السيطرة على "طريق فيلادلفيا ثانٍ" -محور صلاح الدين- على الحدود مع مصر، مبررًا ذلك بالضغط لإطلاق سراح الرهائن.

غزة.. ليس هناك يوم تال

يقول الخبير السياسي خوسيه فيريكات، في تحليل نُشر في المعهد الأوروبي للبحر الأبيض المتوسط (IEMed)، إن إعادة إعمار غزة تتطلب إطارًا سياسيًا وأمنيًا متينًا، يبدأ بالاعتراف بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة، مضيفًا أن خطة اليوم التالي في غزة ليست هي المفقودة، وإنما إرادة تنفيذها.

يستعرض التحليل الكلفة الهائلة للدمار في قطاع غزة، وأبعاد الأزمة السياسية والأمنية التي تعيق جهود إعادة الإعمار، مشيرًا إلى أن الحملة العسكرية الإسرائيلية، التي بدأت عقب هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر 2023، أدت إلى تدمير شبه كامل للقطاع، في واحدة من أعنف عمليات القصف بتاريخ الحروب الحديثة.

ويشير إلى استدعاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطابه رواية "عماليق"، العدو التوراتي لليهود، لتبرير حملة تدمير وُصفت بـ"التوراتية" ضد غزة، وصلت إلى مستوى غير مسبوق من الدمار، وقورنت حتى بما حدث في هيروشيما.

غزة وهيروشيما المدمرتين إسرائيليًا وأمريكيًا
غزة وهيروشيما المدمرتين إسرائيليًا وأمريكيًا

وقد دفع هذا المشهد الوحشي المحكمة الجنائية الدولية لإصدار مذكرة توقيف بحق نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف جالانت في نوفمبر الماضي، في حين تحقق محكمة العدل الدولية فيما إذا كانت إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية.

وقد وصفت منظمات حقوقية مرموقة التصعيد الإسرائيلي بـ"جريمة الجرائم"، وسط اتهامات باستخدام الهجوم كذريعة لتنفيذ مخطط تطهير عرقي في غزة.

بايدن و"اليوم التالي".. من بدأ هذا؟

يُحمل التحليل إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن مسؤولية فشل الجهود لوقف الحرب، بسبب رفضها الضغط على إسرائيل لوقف عملياتها. فمنذ بدايات النزاع، اختارت إدارة بايدن التركيز على ما سُمّي بـ"اليوم التالي" في غزة، واضعةً خطة تقوم على القضاء على حماس، وانسحاب إسرائيلي، وتسلم السلطة الفلسطينية زمام الحكم، ومن ثم السير نحو حل الدولتين.

ومع نهاية أكتوبر، بدأ وزير الخارجية أنتوني بلينكن يروّج لفكرة "سلطة فلسطينية مُفعلة" تحكم غزة، وربط العودة السياسية للسلطة بضرورة إصلاحها. إلا أن هذا الطرح أضعف فرص الحل، إذ اعتُبر مماطلة وتهربًا من ممارسة الضغط الفعلي على إسرائيل، بحسب التحليل.

وفي بداية الحرب، رفضت الدول العربية الرئيسية، مثل مصر والأردن والسعودية، الانخراط في سيناريوهات "اليوم التالي" تفاديًا لإعطاء انطباع بدعم استمرار الهجوم الإسرائيلي. لكن مع اتفاق الهدنة في 19 يناير، بدأت هذه الدول التحرك باتجاه بلورة خطة إنقاذ سياسي وأمني للقطاع.

ترامب ومخطط التهجير

وفي تحول مفاجئ، كشف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، عقب عودته إلى البيت الأبيض في فبراير، عن خطة صادمة لترحيل سكان غزة واستيلاء الولايات المتحدة على القطاع لاحقًا، مبررًا الفكرة بأن غزة باتت غير صالحة للسكن، وأن "حضارة قد دُمرت بالكامل". كما اقترح توطين سكان غزة في مصر والأردن، مما أثار صدمة في العواصم الإقليمية الهشّة.

وقد برر مساعدي ترامب برروا الخطة بأنها "البديل الوحيد المطروح"، ما دفع الدول العربية إلى عقد جلسة طارئة بجامعة الدول العربية للتوافق على خطة إعادة إعمار لا تتضمن ترحيل السكان.

فلسيطنيون نازحون (وكالات)
فلسيطنيون نازحون (وكالات)

الخطة المصرية: خارطة طريق لإعادة الإعمار

قدّمت مصر خطة مفصلة بعنوان "الإنعاش المبكر وإعادة الإعمار والتنمية في غزة"، تتكون من 91 صفحة، تعرض إجراءات ملموسة لإعادة بناء القطاع.

وتشمل الخطة توزيعًا جديدًا للأراضي، وبناء مساكن مؤقتة، وتفاصيل لإدارة الأنقاض، مستلهمةً من تجارب هيروشيما، وبرلين، وبيروت. كما تسعى لحماية الهوية الفلسطينية المعمارية وتبرير كلفة إعادة الإعمار المقدرة بـ53 مليار دولار، في ظل الاستفادة من الخبرات المصرية في المشروعات العمرانية الضخمة.

لكن إعادة البناء لن تنجح دون إطار سياسي وأمني متين، كما يقول فيريكات؛ إذ تعرض الوثيقة مبادئ سياسية، على رأسها تأكيد حق الفلسطينيين في تقرير المصير، ورفض محاولات فصل غزة عن الضفة الغربية، والدعوة إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وهو ما ترفضه إسرائيل.

تحديات السلطة والضمانات الأمنية

تُقر الخطة المصرية بوجود ثلاث عقبات رئيسية: رفض إسرائيل لأي شكل من الحكم الفلسطيني في غزة، ومصير حماس، ومتطلبات إسرائيل الأمنية. وتقترح لذلك إنشاء لجنة إدارة انتقالية من التكنوقراط تحت إشراف الحكومة الفلسطينية، وإعداد كوادر أمنية فلسطينية في مصر والأردن، إضافة إلى دراسة خيار نشر قوة دولية لحفظ السلام.

في المقابل، تختلف المواقف الإقليمية حول التفاصيل. فبينما تضغط الإمارات من أجل إصلاح شامل للسلطة الفلسطينية، تشير مصر إلى الحاجة للإصلاح دون اعتباره شرطًا مسبقًا. أما الفصائل الفلسطينية، وبينها حماس وفتح، فرغم انتقاداتها، تدرك أن الظروف لا تمنحها قدرة كبيرة على الاعتراض.

مرونة حماس ونزع السلاح

يرى التحليل أن حماس تسعى منذ سنوات للتخلي عن إدارة غزة دون فقدان ماء الوجه، وتطالب الآن بدور رمزي في الإدارة المستقبلية، مثل حق النقض على تعيين شخصيات معينة. كما يرفض التحليل طرح نزع سلاح الفصائل كشرط فوري، معتبرًا أن ذلك دون حل سياسي شامل سيكون بمثابة استسلام كامل.

نحو حل شامل

ووفق فيريكات، فإن أي حل جدي يتطلب ثلاثة عناصر: التزام واضح بإقامة دولة فلسطينية، وعودة السلطة الفلسطينية إلى غزة، وانسحاب إسرائيلي كامل. بينما من دون العنصر الأول، ستُعتبر أي سلطة دولية أو فلسطينية جديدة قوة احتلال.

ويلفت الخبير وهو محرر أول بمعهد الكانو الملكي -وهو هو مركز أبحاث للدراسات الدولية والاستراتيجية مقره إسبانيا- إلى أن "غياب الخطة" هو ذريعة للتنصل من الضغط الحقيقي على إسرائيل، في ظل إجماع دولي على أغلب عناصر الحل، الذي يفتقر لإرادة سياسية تدفع نحو التنفيذ. وهو ما يوضح كيف يُكتب السطر الأخير في قصة الإبادة والتهجير في غزة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة