"حصلت على عقد عمل في السعودية العام الماضي، وخلال إنهاء الإجراءات، طلبت مني السفارة موافقة أحد الذكور من العائلة. مشكلتي أنني مطلقة ووالدي متوفى، كما أن أعمامي وأخوالي يقيمون خارج مصر، أما شقيقي الوحيد فهو قاصر، وبالتالي لا يمكنه تقديم الموافقة المطلوبة. بناءً على ذلك، قدمت للسفارة وثائق تثبت وضعي العائلي، فوافقت على استثناء حالتي بشرط إحضار إقرار موثق من الشهر العقاري يثبت أن والدتي هي ولية أمري، رغم أنني كنت قد بلغت 25 عامًا حينها"..
ندى عيسى مواطنة مصرية، تحكي تجربتها لـ فكّر تاني، مع نظام الوصاية خلال محاولتها السفر للعمل في السعودية العام الماضي، وتوضح أنها توجهت حينذاك إلى مصلحة الشهر العقاري مع والدتها لإنجاز المعاملة، لكنها لاحظت غضب واضح من الموظف المسؤول، الذي قال: "أنا مش بعمل إقرارات لستات عشان المسئولية!".
وبعد محاولات طويلة، تم تأجيل سفر ندى لمدة أسبوعين بسبب تعنت الموظف -بحسب كلامها- الذي استغل صلاحياته في المماطلة وعرقلة الإجراءات، بحجة أن الإقرار ينقصه الختم الرسمي، "ما اضطرني إلى التنقل بين مكاتب مختلفة للحصول عليه. هذه العرقلة كادت أن تتسبب في خسارتي للوظيفة، وهو ما يؤكد أن بقايا نظام الولاية لا تزال قائمة بطريقة غير رسمية".
اقرأ أيضًا:النساء والتغيرات المناخية.. أعباء العمل والجوع والتهميش

لم يكن سفر المرأة إلى السعودية يومًا أمرًا بسيطًا، فبالإضافة إلى إجراءات التأشيرة المعتادة، وجدت كثير من المصريات أنفسهن في مواجهة عقبات إضافية تتعلق بموافقة ولي الأمر، في الوقت الذي تسير فيه دول عدة نحو تعزيز استقلالية المرأة، ما تزال بعض النساء يواجهن اشتراطات إدارية ومجتمعية تعرقل حركتهن، حتى لو لم يكن هناك نص قانوني صريح بذلك.
واقع ما يزال يؤثر على حياة كثير من النساء، حيث تتداخل القوانين مع الأعراف والتقاليد، ما يؤدي إلى عراقيل مستمرة حتى بعد التعديلات القانونية التي ألغت معظم قيود الولاية. ورغم التغيرات التدريجية، فإن بعض الإجراءات تخضع لاجتهادات الموظفين والسلطات الإدارية، ما يجعل من سفر المرأة إلى السعودية، سواء للعمل أو الدراسة، مشروطًا برضا أطراف أخرى، وليس فقط بقرارها الشخصي.
في عام 2011، ومع اندلاع ثورات الربيع العربي، شهدت السعودية موجة احتجاجية قادتها النساء للمطالبة بإسقاط نظام الوصاية، في هذا السياق، تقدمت بعض الناشطات السعوديات بطلب رسمي إلى وزارة العمل لإلغاء شرط موافقة ولي الأمر عند التقدم للوظائف. وأوضحن في طلبهن أن الشريعة الإسلامية تساوي بين الرجل والمرأة، وأن استمرار نظام الولاية يتناقض مع المبادئ الشرعية التي تستند إليها المملكة في قوانينها.
اقرأ أيضًا:"جسمها حقها".. حملة تكسير التابوهات عن حقوق النساء الصحية
أما هند إيهاب، فتقول لـ فكّر تاني: "أنا وأخواتي السبع كنا نعيش في السعودية مع والدي، ولم نواجه أي مشكلات تتعلق بنظام الولاية، ولم يُطلب منا موافقة ولي أمر في أي موقف. لكن ما لاحظته هو نظرة المجتمع المستهجنة لحياتنا بدون وجود رجل ظاهر في الصورة، ليس فقط من السعوديين، بل حتى من بعض المصريين المقيمين هناك".
عندما نظرت هند إلى حال السعوديات اللاتي يخضعن لنظام الولاية، وجدت أن التطبيق عرفي أكثر منه قانوني، إذ يختلف من مدينة إلى أخرى.
"لكن في النهاية، يظل المجتمع السعودي مجتمعًا قبليًا يمتثل لأعراف موحدة، حتى وإن اختلفت القبائل. هذه الأعراف قد تؤدي أحيانًا إلى رفض ولي الأمر تزويج ابنته دون مبرر، خاصة إذا كان يحقق مصلحة مالية من بقاء الفتاة غير متزوجة".
وفي عام 2019، تم إلغاء نظام الوصاية على النساء رسميًا، لكن بقاياه ما تزال مترسخة في بعض المؤسسات، حيث أن بعض أماكن العمل تتطلب موافقة أحد الأقارب الذكور، ويبدو أن هذا النظام لم يكن مجرد تشريع قانوني مكتوب، بل أصبح جزءًا من العقل الجمعي للمجتمع السعودي، ما جعله مستمرًا في بعض المناطق وفقًا لاجتهادات الأفراد والهيئات المختلفة.
السعودية خلال السبعينيات والثمانينيات

تقول نجلاء سامي لـ فكّر تاني، أن تجربتها في العيش بالسعودية أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات كان بعد حادثة المستشار الملكي الذي وقع في حب سكرتيرته وتزوجها، ما أدى إلى تشديد القيود على النساء العاملات، وذلك حين كان عمل النساء مقصورًا على وظائف محددة كالتدريس والتمريض.
"كنت أعمل إحدى شركات السيارات الكبرى، وتم تهريب الموظفات إلى الخارج عند ورود بلاغ بوجود نساء عاملات بالشركة قبل وصول الشرطة".
عاشت نجلاء في السعودية مع زوجها وأبنائها، وذكرت أنه تم افتتاح بنك خاص بالنساء بسبب الحاجة الملحة، إذ كانت هناك سيدات أعمال سعوديات بحاجة إلى خدمات مصرفية دون التعامل مع الرجال.
لاحقًا، عملت نجلاء في السفارة الكندية، حيث لاحظت أن سيارة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانت تتابعها عند خروجها من العمل، وبحسب روايتها، كانت الهيئة على علم بوجود موظفات داخل السفارة، لكنها لم تكن قادرة على التدخل لأن السفارة تُعتبر أرضًا تابعة لدولة أجنبية.
"نظام الولاية كان أقرب إلى العرف الاجتماعي منه إلى القانون المكتوب، كما أن عملي في سفارة أجنبية وتعاملي مع بنك النساء جنبني الحاجة إلى ولي أمر". وتشير نجلاء إلى أن السعودية تأثرت بالأحداث الفردية التي فرضت قيودًا إضافية على النساء، مثل حادثة الأميرة مشاعل التي حاولت الهروب للزواج من رجل لبناني، وهو ما أدى إلى تشديد القيود على سفر النساء.
وفي ختام حديثها، تؤكد نجلا أن إصدار قانون رسمي يقنن نظام الولاية يظل أمرًا مستبعدًا، حيث إن القضية أصبحت محل اهتمام عالمي، ولا يمكن اعتبارها مجرد شأن داخلي للمملكة.