“فرحي كمان شهرين، ولحد دلوقتي مش ناسية يوم ما ختنوني في إجازة نص السنة، لما سافرت مع ماما لأهلها في قنا”.. تحكي آية حليم -اسم مستعار- تجربتها المؤلمة مع جريمة الختان لـ فكّر تاني، قائلة: “عمري ما نسيت اليوم ده ولا اللي حصل فيه، بترعب كل ما أفكر هيحصل إيه لما أتجوز”..
آية بعدما بلغت 28 عامًا، ما زالت تشعر بذلك اليوم الذي حُفرت تفاصيله بذاكرتها، يوم ارتدت جلبابًا قصيرًا، اعطته لها أمها في حجرتها القديمة، وقفت آية أمام المرآة المُغطاة بطبقات من الغبار والبقع الداكنة، وحين نظرت لانعكاس وجهها كان يبدو مشوشًا ومشوهًا، ولم تدرك حينها أن لهذا الجلباب القصير غرض واحد في عائلتها، ترتديه كل فتيات العائلة حين يصلن إلى سن العاشرة.
“طلبت من أمي نروح لدكتور نساء ونطمن، نشوف حصلي إيه عشان ماكسفش الراجل اللي هتجوزه، لكنها رفضت وقالتلي: معندناش بنات تروح لدكاترة نسا قبل الجواز. هيكون حصلك إيه يعني؟ كل بنات العيلة متختنين ومتجوزين ومعاهم عيال”..
ترفض آية الذهاب إلى قنا منذ ذلك اليوم، وحين تذهب مضطرة تحاول ألا تدخل هذه الغرفة الكئيبة التي فقدت فيها جزءًا من جسدها أمام نساء لا تعرفهن، يقفن بجوار أمها ويساعدن “زينب” القابلة أو “الداية” التي استخدمت الموسى اللعين، الذي ما زالت تشعر بحدته رغم مرور كل هذه السنوات.
وآية ليست الوحيدة في معاناتها، إذ تواجه حوالي 230 مليون امرأة حول العالم نفس التجربة وفقًا لأحدث بيان صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة -اليونيسف، والتي أشارت إلى ارتفاع عدد المختونات بنسبة 15% في السنوات الأخيرة.

“مش هعمل في بناتي زي ما تعمل فيّ، ده جسمهم، مش هقطع فيه عشان العادات والتقاليد، أنا جوزي دايمًا يقولي إنت باردة.. تقول هبة كمال -اسم مستعار- لـ فكّر تاني عن تبرير والدتها: “مكنتش أقدر ماسمعش كلام حماتي، هي اللي قالت نختنك لما جسمك فار”.
وتضيف هبة أنها الآن تبلغ من العمر 33 عامًا، لكنها لا تنسى تفاصيل هذا اليوم، لكن الكلام عنه يُشعرها دائمًا بالعجز والمرارة: “كتفوني وقطعوا من جسمي، مكنتش عارفة أنا عملت إيه غلط”.. لكنها أدركت مع الوقت أن الخطأ لم ترتكبه هي، بل ارتكبته نساء عائلتها باسم المجتمع وعاداته.
بينما تحكي مريم حسن -اسم مستعار- عما واجهته من تنمر بسبب مظهر شعرها المموج: “كرهت التجمعات العائلية بسبب تعليقاتهم السلبية على شعري، كانوا ينادوني بألقاب زي “كدشو، وليفة، وسلكة مواعين”..
توضح مريم لـ فكّر تاني، أنها فكرت كثيرًا في ارتداء الحجاب لكنها لم تقتنع يومًا بهذه الخطوة، خاصة أن التفكير فيها كان للتخلص من تنمر عائلتها: “ماما كانت بتقولي مين هيرضى يتجوزك بشعرك ده؟ وأجبرتني أكوي شعري واستخدم كريمات الفرد من المرحلة الإعدادية”.. لكن عادت ثقتها بنفسها بعدما أنهت دراستها الجامعية وبدأت حياتها العملية: “شفت بنات بشعر كيرلي في الشغل، ورجعت لي ثقتي بنفسي”.
جسمها حقها
نظمت 7 مؤسسات ومبادرات نسوية حملة بعنوان “جسمها حقها.. وحقها تقرر” على مدار عشرة أيام، من 20 إلى 30 أكتوبر الماضي، بهدف نشر الوعي ودعم ومناصرة حق النساء في اتخاذ القرارات الصحية والطبية الخاصة بأجسادهن دون أي وصاية.
وركزت الحملة على العمل لإزالة الوصم الذي يلحق بالنساء، خاصة فيما يتعلق بصحتهن الجنسية والإنجابية، والدعوة إلى مراجعة الإجراءات والممارسات التي تفرض قيودًا على حريتهن في اتخاذ قراراتهن الصحية.
وشاركت في الحملة كل من مؤسسة إدراك للتنمية والمساواة، ومبادرة صوتك، ومؤسسة مصريين بلا حدود، ومؤسسة جنوبية حرة، ومبادرة سند، ومبادرة نسيج، ومبادرة ميريت.
وما تزال حملة “جسمها حقها” مستمرة في نشر رسائلها عبر منصات التواصل الاجتماعي الخاصة بالمؤسسات والمبادرات الشريكة لنشر الوعي بشكل أوسع ودعم حق النساء في اتخاذ قراراتهن الصحية.
لا وصم على أجساد النساء
توضح ميار مزيد، المسؤولة الإعلامية لمؤسسة إدراك للتنمية والمساواة، بأن حملة “جسمها حقها” انطلقت لتؤكد حق المرأة في اتخاذ قرارات طبية تخص جسدها بعيدًا عن وصاية الأقارب، وقالت إن الهدف هو تصحيح المفاهيم الخاطئة وإزالة الوصم المتعلق بصحة النساء الجنسية والإنجابية.

وتُشير ميار في حديثها مع فكّر تاني، أن الحملة جاءت استجابةً لرسائل المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي: “استطعنا أن نحصر أهم الزوايا التي تشغل النساء من خلال الرسائل”، وتُضيف، أن الحملة اعتمدت على أبحاث ومؤشرات استكمالًا لجهود سابقة في التوعية بقضايا الصحة الإنجابية، بحملات مثل “صحتك أولوية” و”عدالة دورتنا” و”الحياة دورة ودورتها حياة”، التي تناولت جوانب متعلقة بالدورة الشهرية والختان وتزويج القاصرات.
وبالحديث عن أبرز الانتهاكات الصحية التي تستهدفها الحملة، تؤكد ميار، أن بعض النساء يواجهن قيودًا تجعل قرار إجراء العمليات الجراحية في الجهاز التناسلي غير متاح لهن إلا بموافقة أحد الأقارب من الذكور.
وتوضح، وقد تصل المعاناة إلى حالات طبية عاجلة، مثل العمليات المتعلقة بثقب المهبل، التي قد يتسبب رفض الأهل لإجرائها في وفاة الفتيات.
وتؤكد مزيد أن “جسمها حقها” نجحت بالفعل في التفاعل الجماهيري على منصات التواصل، مشيرةً إلى مواجهة بعض الانتقادات، وتُرجع ذلك إلى كسر الحملة للعديد من التابوهات الاجتماعية التي تحيط بقضايا الصحة الجنسية والإنجابية، والتي لا يزال المجتمع يفتقر إلى الوعي الكافي بمدى أهميتها.
مبادرة صوتك
وتوضح ياسمين أبو ريا، المديرة التنفيذية لمبادرة “صوتك”، أن الصحة الجنسية والإنجابية ومناهضة العنف ضد النساء هي محاور رئيسية لعمل “صوتك”، ويشمل ذلك تصحيح المفاهيم المغلوطة المتعلقة بجسد المرأة.
وتؤكد ياسمين أن الحملة تسعى لتوعية النساء بحقوقهن الصحية وعلاقتهن بأجسادهن، وتفكيك الأفكار التقليدية التي تقيّد فهمهن لجوانب مهمة مثل الدورة الشهرية والممارسات الجنسية.
وفي تصريحها لـ فكّر تاني، تقول ياسمين: “خلال الحملة، وفرنا بيئة آمنة للفتيات لطرح الأسئلة وتبادل الآراء حول أجسادهن، وكسر الحواجز الاجتماعية التي تجعل زيارة طبيب النساء قبل الزواج غير مقبولة، وهدفنا تعزيز الحق الكامل للسيدات في ملكية أجسادهن”.
وتُشير: “ركزنا في الحملة على ثلاث مفاهيم مغلوطة: أولها محاربة الوصم المصاحب للدورة الشهرية، بأنها شيء مقزز وفاسد” وتوضح ياسمين أن هناك عائلات ترفض أن تطبخ المرأة أثناء فترة حيضها لأنها في هذه الفترة “نجسة” وقد تنقل الأمراض.
“وركزنا على غشاء البكارة وفكرة ربطه بشرف المرأة وعلاقته بالعذرية، وأخيرًا ركزنا على حق الفتاة في زيارة طبيب النساء وطلب المساعدة الطبية في أي وقت حتى لو غير متزوجة” وتضيف: “بل قمنا بالتوعية بالحق في رفض أو الموافقة على الإجراء الطبي المناسب لها وعدم الرضوخ لقرارات الغير”.
وتؤكد أبو ريا أن حملة “جسمها حقها” استخدمت وسائل توعوية متنوعة، مثل الـ”ريلز” والمقاطع الصوتية والحكايات المصورة، إلى جانب جلسات تفاعلية مع خبيرات في القانون والطب النسائي، ما أتاح للسيدات فرصة التعرف على حقوقهن الصحية ومناقشتها بعمق.

الدراما وتطبيع العنف ضد النساء
نشرت “جسمها حقها” مشاهد مصورة من بعض الأفلام كوسيلة تفاعلية تهدف إلى توعية الجمهور حول تأثيرات الأعمال الدرامية في ترسيخ الصور النمطية السلبية عن النساء، وتُشير ياسمين: “بعض الأفلام والمسلسلات لعبت دورًا سلبيًا كبيرًا، حيث أنكرت حق المرأة في ملكية جسدها، وأظهرتها كجسد معد فقط لإمتاع الزوج والإنجاب”، معبرة عن أن هذا التصوير المتكرر للمرأة يسهم في استدامة تلك الأفكار في المجتمع.
وتضيف، أن هناك بعض التغيير الإيجابي في الدراما خلال العامين الماضيين، حيث ظهرت أعمال درامية تعتمد على بطولات نسائية وتتناول قضايا حقوقية متنوعة، إلا أن الإرث السينمائي الذي يتجاوز عمره مائة عام قد رسخ الكثير من الأفكار المغلوطة والمسيئة، كما أن بعض الأفلام الحديثة ما زالت تُطبع العنف ضد النساء وتروج له بأسلوب كوميدي، ما يزيد من صعوبة التخلص من هذه القوالب التقليدية.
وفي السياق ذاته، تتفق معها ميار مزيد: “الفن أحد أكثر الوسائل تأثيرًا في ترسيخ المعتقدات على مر الأجيال”، وتضيف: “على مدار عقود طويلة، صورت الأعمال الفنية النساء كخاضعات لرغبات الذكور من أفراد العائلة، حيث يعتبر خروجهن عن هذا النمط، واتخاذ قرارات مستقلة، انحرافًا عن المألوف وعصيانا للتقاليد”.
وتُكمل ميار: “الدراما غالبًا ما تُرسخ لفكرة أن دور المرأة الأساسي يقتصر على الرعاية المنزلية، بينما إذا كانت المرأة عاملة، تُحمل مسؤولية فشل الأسرة، ويتم تصويرها كأنها مقصرة بحق زوجها وأطفالها، ما يبرر لجوء الزوج للخيانة أو الزواج الثاني”.
الحملة مستمرة
جاءت توصيات حملة “جسمها حقها” بعد عشرة أيام من العمل الجماهيري ونقاشات اللقاءات المفتوحة مع المتخصصين على منصات التواصل الاجتماعي للمبادرات والمنظمات النسوية، وجاء على رأس الأولويات: “ضرورة مواصلة العمل وبذل الجهد المشترك بتشكيل مجموعة عمل دائمة، للاشتباك والتفاعل من خلال أنشطة المناصرة والتوعية الممتدة، لتعزيز حقوق الصحة الجنسية والإنجابية للنساء والفتيات”.
وأوضحت المنظمات والمبادرات النسوية في بيانها الختامي دوافع إطلاق مجموعة العمل التي جاءت استجابة للحاجة الملحة التي برزت خلال الحملة والتي أظهرت أهمية تعزيز الفهم المجتمعي للمفاهيم المتعلقة بالصحة الجنسية والإنجابية والعمل على تصحيح المفاهيم الخاطئة المرتبطة بصحة الجسد، إلى جانب توفير مساحات آمنة لنقل المعرفة وتبادل الخبرات المتنوعة.

كما تهدف مجموعة العمل إلى بناء وعي شامل في المجتمع يُمكّن الأفراد، وخاصة النساء والفتيات، من ممارسة حقوقهن في الصحة الجنسية والإنجابية بكرامة واستقلالية، مستندات إلى قرارات واعية ومستنيرة، كذلك تسعى إلى تحقيق بيئة صحية آمنة للنساء والفتيات تكفل لهن ممارسة حقوقهن بحرية وأمان.
وخرجت الحملة بمجموعة توصيات أخرى منها: مراجعة القرارات والإجراءات والممارسات التي تفرض قيودًا على حرية النساء في اتخاذ قراراتهن الصحية، والاستمرار في تنظيم الحملات التوعوية حول صحة النساء الجنسية والإنجابية لضمان تواصل الجهود.
كما دعت إلى توقيع بروتوكول تعاون بين المؤسسات النسوية ووزارة الصحة يشمل حملات إعلامية ونشرات توعوية توضح الحد الفاصل بين السلوكيات السليمة والانتهاكات، بهدف رفع الوعي وتعزيز الحق في الصحة الجسدية والنفسية للنساء.
