تستأنف لجنة تسعير المنتجات البترولية اجتماعاتها الشهر المقبل، بعد هدنة استمرت 6 أشهر، تعهد خلالها رئيس الحكومة الدكتور مصطفى مدبولي بعدم رفع أسعار الوقود، من أجل تخفيف الضغط على معدلات التضخم المرتفعة في البلاد.
فبعد رفع اللجنة سعر الوقود ثلاث مرات متتالية في أقل من 7 أشهر عام 2024، أعلنت الحكومة التزامها بإلغاء دعم البنزين في موعد أقصاه نهاية 2025، باستثناء البوتاجاز والسولار، نظرًا لتأثيرهما على أسعار السلع والمواطنين من محدودي الدخل، ما يعني أن قرار اللجنة سيكون الرفع.
يُباع لتر بنزين "80"، حاليًا، بـ 13.75 جنيه، وبنزين "92" بـ 15.25 جنيه، وبنزين "95" بـ 17 جنيهًا للتر، والسولار بـ 13.50 جنيه للتر، والمازوت الصناعي بـ 9500 جنيه، وسعر غاز السيارات بـ 7 جنيهات.
وتوقعت وحدة بحوث "سي آي كابيتال"، زيادة بأسعار البنزين بنسبة 25-30% وزيادة في أسعار الديزل "السولار" بنسبة 50-55% لتحقيق استرداد التكاليف عام 2025، مقارنة بنسبة 33-38% في البنزين عام 2024 وبنسبة 63% للسولار، لكن الحكومة تعهدت بالإبقاء على السولار والاكتفاء بتحريك البنزين.

ما الأسعار المتوقعة للوقود؟
يقول المهندس مدحت يوسف نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، إن سعر تكلفة السولار على ضوء الوضع الحالي، يتراوح بين 18 و19 جنيهًا للتر، والبنزين بمتوسط 20 جنيهًا للتر (بمعني بنزين 95 في حدود 22 جنيهًا، وبنزين 92 في حدود 20 جنيهًا، وبنزين 80 في حدود 18 جنيهًا للتر الواحد).

وتوقع "يوسف" أن يكون تحرير البنزين من الدعم بالتدرج الزمني وبشكل كامل بنهاية عام 2025 لارتباطه بطبقات من يملك سيارة في ظل وجود بديل وهو الغاز الطبيعي المضغوط، الذي وجب أخذ دوره الحقيقي في منظومة وقود السيارات ليكون الوقود الأول للسيارات بمصر، ومحققًا وفرًا كبيرًا للطبقات المتوسطة مقارنًا بأسعار البنزين.
اقرأ أيضًا: 11 زيادة في عقد.. الوقود يُدخل المصريين إلى دائرة التكيف القسري
أطلقت الحكومة مبادرة لتحويل 1.5 مليون مركبة للعمل بالغاز الطبيعي المضغوط، باعتبار أن تحويل السيارات العاملة بالسولار للعمل بالغاز يوفر 50% من استهلاك الوقود، ما يقلل في الدعم المقدم للمنتجات البترولية، كما يعمل على زيادة كفاءة محرك السيارة بنسبة 10%.
وبلغ إجمالي أعداد السيارات التي تم تحويلها من الوقود التقليدي إلى الغاز الطبيعي لنحو 550 ألف سيارة، كما بلغ إجمالي عدد المحطات القائمة التي تعمل بالغاز الطبيعي إلى 805 محطات بنسبة استغلال 60%.
وأضاف يوسف أن أغلب دول العالم تفرض ضرائب كبيرة على أسعار الوقود وتزداد كلما ازدادت الدول تقدمًا ورفاهية لذلك أسعار البنزين تختلف من دولة لأخرى، ومعروف أن أغلي سعر بيع للمستهلك 3.3 دولار بهونح كونج والأرخص إيران بسعر 3 سنتات بالبطاقة و6 سنتات لما يزيد، بينما مصر تحتل المركز العاشر للدول الأرخص سعًرا بسعر 29 سنتًا للتر كمتوسط لأنواع البنزين الثلاثة.
كيف يتم تسعير الوقود بمصر؟
تستخدم مصر مرجعية "فوب البحر المتوسط" كأساس سعري لاستيراد البنزين مع تحميله بتكاليف النقل البحري والتي تختلف حسب حجم الشحنات وكذلك التأمين البحري والميزة النسبية لموقع التوريد، لذلك نجد سعر البنزين المستورد لمصر يحدد بسعر سي آند إف (التسليم في الموانئ المصرية)، أي شامل النقل والتأمين البحري وخلافه.
السعر العالمي للبترول هو سعر تداول البنزين بين الدول في الصفقات التجارية، والذي يتوقف على مدى قرب الدول من مصادر إنتاج البنزين عالميًا، فمثلًا هناك سعر البنزين فوب البحر المتوسط، وفوب روتردام، وفوب الخليج العربي (الفوب هو التسليم علي ظهر ناقلة النفط) وهكذا ونجد اختلاف سعري بينهما.
وبالنسبة لسعر البيع المحلي للبنزين والسولار، يقول مدحت يوسف إنه قيمة حصة مصر المجانية من الإنتاج المحلي ناتج الاتفاقيات البترولية المختلفة مع الشركاء الأجانب والتي لا تحسب في تكلفة منتجاتنا المصنعة محليًا، وهي أساس انخفاض تكلفة المنتج البترولي عن السعر العالمي.
ويضيف يوسف أن هذا يمثل نوع من الدعم غير المنظور، وبالتالي فإن تكلفة المنتجات البترولية تشتمل على الآتي: الحصة المشتراه من حصة الشريك الأجنبي وكذا الزيت الخام المحسوب لاسترداد نفقات البحث والاستثمار والتنمية وكذلك الزيت الخام المستورد من الخارج والمنتجات البترولية المستوردة أو المشتراه من الشركات الاستثمارية المصرية من سولار وبنزين لزوم استكمال احتياجات البلاد من المنتجات علاوة على تكاليف التكرير والتجهيز وخلافة.
وبحسب بيانات وزارة البترول، فإنها تضخ في السوق يوميًا نحو 40 مليون لتر سولار، بفاتورة دعم تصل إلى 500 مليون جنيه يوميًا بواقع 10 – 15 جنيهًا للتر، ونحو 1.2 مليون أنبوبة بوتاجاز، ما يعني دعم بقيمة 250 مليون جنيه يوميًا للبوتاجاز، ليصل إجمالي دعم البوتاجاز والسولار يوميا نحو 750 مليون جنيه.

كيف ستتأثر حياة الناس؟
يرى الدكتور رمزي الجُرم، الخبير المصرفي ونائب مدير عام قطاع الرقابة الداخلية لدى بنك القاهرة، أن نجاح المراجعة الرابعة وصرف 1.2 مليار دولار، إلى جانب الموافقة المبدئية على قرض جديد بقيمة 1.3 مليار دولار في إطار برنامج الصلابة والاستدامة، يمثل تطورًا إيجابيًا في ظل تصاعد حدة الأزمة المالية الحالية، وانخفاض إيرادات قناة السويس، والحاجة الملحة لتوفير النقد الأجنبي، لكن لا ينبغي أن يتحمل المواطن العبء.
اقرأ أيضًا: "الرفا والإسكافي".. مؤشر غير تقليدي على التضخم في مصر

ويؤكد الدكتور محمد معيط، المدير التنفيذي في صندوق النقد الدولي ووزير المالية السابق، التزام مصر الكامل برفع الدعم عن الوقود نهائيًا بحلول ديسمبر 2025، مشيرًا إلى أن آلية تسعير الوقود تعتمد على الأسعار العالمية، والتي تصب حاليًا في صالح مصر مع تراجع أسعار النفط عالميًا.
لكن الجرم يرى أنه لا ينبغي أن يتحمل المواطن العبء الكامل لهذه الإجراءات، لأن رفع الدعم بالكامل عن المحروقات بنهاية العام الحالي قد يؤدي إلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات التضخم، ويجب التذكير بأن المواطن هو المتأثر الأول بأي إصلاحات على كل المستويات.
وتراهن الحكومة على أن الإبقاء على سعر السولار لن يرفع التضخم باعتباره هو الأساس في حركة نقل البضائع والمواصلات العامة، لكن من ناحية أخرى سيؤدي ارتفاع البنزين إلى تحريك أسعار التاكسي، وخدمات مثل سيارات النقل الشخصي مثل النقل بالتطبيقات.
ويقول مسؤول بوزارة البترول، إن التراجع النسبي في الأسعار العالمية للوقود إلى مستوى 70 دولارًا حاليًا، وهو أقل مما وعته تقديرات الدولة للعام المالي الحالي 2024/ 2025 المُقدر بـ 80 دولارًا، وكذلك استقرار سعر الدولار أما الجنيه فسيحد من أي زيادات كبيرة في أسعار بيع البنزين.
لكن يتوقف تأثير البنزين على الأفراد وفقًا لنشاطها الاقتصادي والاجتماعي، فمعدل إنفاق الوقود لا يقل عن 10%، وهي نسبة مؤثرة من إجمالي الإنفاق وتؤثر على رفاهية الأسرة وعلى قدرتها على مواجهة التكاليف الأخرى لأنها تمثل اقتطاع من احتياجات الأسر الأساسية.

هل يوجد بديل؟
يعيب الخبراء على الحكومة دائمًا الاستسهال في قرار تحريك المحروقات رغم وجود بدائل أخرى، كتطوير خطط إنتاج الوقود (بنزين وسولار) التي تبنتها الحكومة خلال السنوات الماضية والتي لم يتم تفعيلها حتى الآن.
وتشير الدراسات إلى أن الشركة المصرية العامة للبترول وما يتبعها من هيئات، هي اللاعب الوحيد في السوق فيما يتعلق بإنتاج المنتجات المشتقة من النفط، وتعاني من سوء إدارة هيكلية، وبالتالي من ضعف في كفاءة الإنتاج.
ويقترح المختصون ضرورة العمل على تحديث حالة معامل تكرير النفط الخام واتباع طرق إنتاج أكثر كفاءة واستدامة لتوفير جزء من احتياجاتنا النفطية من الخارج، يتراوح بين 25% و30% من الإجمالي، ولتحقيق فائض أعلى في الإنتاج المحلي وما ينتج منه من انخفاض في الأسعار وتكلفة الدعم المقدم.