الوصفات الشعبية.. ويقتلني ما كان يمكنه شفائي

في زاوية صغيرة من منزلها الريفي بإحدى قرى الباجور بمحافظة المنوفية، جلست رحمة -الفتاة ذات السبعة عشر عامًا- تراقب الأيام وهي تمر ببطء، فيما تحاول جاهدة أن تتخطى ما تعيشه من ألم نفسي أنهك روحها قبل جسدها. 

لم تكن مشكلة رحمة -اسم مستعار- مجرد صعوبة المناهج أو ضغط امتحانات الثانوية العامة، بل كان صراعها الأكبر مع عائلتها التي لم تدرك ضعف قدراتها الدراسية، فأدخلتها قسرًا القسم العلمي دون أن يكون لها رأي، وكأنها مجرد دمية عليها أن تلعب الدور الذي اختاره لها الآخرون، لم تكن لها رغبات، لم يكن لها صوت، فقط أحلام فرضت عليها باسم “المستقبل الأفضل”.

في البداية، حاولت التكيف، أقنعت نفسها أن الاجتهاد قد ينقذها، لكنه لم يفعل. كانت تسهر كل ليلة، لا للدراسة، بل خوفًا من النتيجة، من نظرة والدها المتجهمة، ومن كلمات والدتها القاسية التي تذكرها دائمًا بأن إخفاقها يجلب لهم العار. 

ومع كل يوم يمر، كانت تغرق أكثر في دوامة من القلق والضغط النفسي، حتى لم تعد تستطيع رؤية الحياة خارج هذا الكابوس المستمر، أحست بالاختناق، لكنها لم تجد من يمد لها يد العون، على العكس، كلما أظهرت توترها، ازدادت عائلتها يقينًا بأنها ليست بخير، ولكن بطريقتهم الخاصة، قرروا أن السبب ليس نفسيًا، بل “شيء آخر”.

بدأت همسات الجيران تتردد: “البنت محسودة”، أو “ممسوسة”، فاقتنعت العائلة أن الحل لن يكون في الدعم النفسي، بل في الرقية الشرعية. 

بالطبع، لم يسألها أحد عمّ بها، ولم يحاولوا فهم معاناتها، فقط، أخذوها رغمًا عنها إلى أحد الدجالين، الذي ادعى أنه قادر على “إخراج بداخلها”.. لم تصدقه لكنها لم تملك حق الرفض، وصف لها خليطًا عشبيًا، وطلب: “اجبروها تشربه، سيزيل الحسد ويريحها من كل شيء”.

في تلك الليلة، جلست رحمة أمام كوب “الخلطة” أمامها، مترددة وخائفة، لكنها استسلمت أخيرًا وشربت الخليط، لكنها لم تشعر بتحسن، بل شعرت بضيق في صدرها وأن روحها تُسحب ببطء. حاولت إقناع نفسها أن أهلها على حق، وأن الحسد -ربما- السبب، لكنها كانت تعرف أن مشكلتها الحقيقية ليست في الحسد، بل في أحلام غيرها التي فُرضت عليها. 

استيقظت صباحًا على جسد متورم، وألم لا يُحتمل، ومع ذلك لم يُصب أهلها بالذعر، بل قرروا إعطاءها جرعة أخرى، مؤمنين أن الأعراض ما هي إلا دليل على نجاح العلاج!

أثرت الخلطة على الأوعية الدموية الكبيرة بجسمها وأدى إلى فشل في معظم وظائف الجسم، وحاول الأطباء معالجة هذه الآثار

لكن جسدها لم يحتمل، وسرعان ما فقدت وعيها، ليتم نقلها إلى المستشفى، حيث كشف الأطباء عن حالة تسمم حادة، مع فشل كلوي وتدهور خطير في وظائف الكبد، فقد تأثرت أوعيتها الدموية من “الخلطة” ما أدى إلى فشل في وظائفها الحيوية، وبينما يُسابق الأطباء الزمن لإنقاذها، كان والدها ما زال مقتنعًا بأن الحل ليس في العلاج الحديث، بل في المزيد من الرقية، وعاد يستشير الدجال مرة أخرى.

كما كان للدجال كلامًا جديدًا: “ابنتك ليست محسودة فقط، بل مسحورة، والحل هو مضاعفة الجرعة!” وبينما غفلت الرقابة الطبية للحظات، دسّ الأب جرعة جديدة في فمها، مؤمنًا أنه ينقذها، لكنه كان في الواقع يدفعها نحو الهاوية.

بعد يومين من الصراع بين الحياة والموت، بدأت حالة رحمة تتدهور سريعًا، وكل المؤشرات الحيوية تشير إلى النهاية، وبعد ساعات قليلة أسلمت الروح، دون أن تنطق بكلمة واحدة عمّا فعله والدها. 

“لم أختار أي شيء طوال حياتي، أموت راضيةً عن نفسي، وأنا أعرف أنهم يحملون ذنبي إلى الأبد”.. بتلك الكلمات التي قالتها لطبيبتها انتهت حياة رحمة، والتي  رغم ألمها الجسدي الذي عانته إلا أنها لم تنهار نفسيًا، كما تؤكد طبيبة الامتياز بالمستشفى خديجة محمد لـ فكّر تاني.

اقرأ أيضًا:روشتة بالمادة العلمية.. جدلية الدواء والاسم التجاري و”البزنسة”

“ما زال الكثيرون لا يستشيرون أهل الخبرة، ما زلنا نسمع أن الناس لا تحب التقيد بالأنظمة العلاجية الصارمة، بل أصبح التشخيص والعلاج ذاتي” يقول الدكتور محمود عسكر أخصائي الباطنة العامة والجهاز الهضمي لـ فكّر تاني، ويشير إلى أن الناس أصبحوا يعتمدون على تجاربهم الشخصية في تناول الأدوية، لا سيما في القرى، حيث يعود هذا السلوك إلى موروثات الطب الشعبي المنتشرة منذ عقود.

“معظم المرضى الذين يأتون إلى عيادتي الخاصة يعانون من مشكلات هضمية حادة تصل أحيانًا إلى التسمم، نتيجة الإفراط في استخدام المضادات الحيوية والمسكنات دون استشارة طبية”.

في مايو 2021 حذرت هيئة الدواء المصرية من المخاطر الجسيمة للإفراط في استخدام المضادات الحيوية دون وصفة طبية، موضحةً أن هذا السلوك يمنح البكتيريا فرصة للتكيف مع تأثير الأدوية، ما يؤدي إلى ظهور سلالات أكثر مقاومة للمضادات الحيوية، ويجعل علاج العدوى أكثر تعقيدًا وتكلفة، وقد يصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

عانت نورا من الصداع المزمن الذي لم يفارقها لأسابيع طويلة، لكنها، وهي في الخامسة والعشرين من عمرها، ما زال خوفها الطفولي المترسخ من “الدكاترة” يمنعها من العلاج في المستشفيات، ولجأت لـ “الخلطة” التي نصحتها بها عمتها.

ورثت نورا عبد الكريم، كما توضح لـ فكّر تاني، عن عائلتها “ممارسات الطب الشعبي” في إحدى قرى  محافظة الغربية، نصحتها عمتها إلى جانب الأعشاب أن تتناول يوميًا قرص “بنادول” وكلما زاد الألم، تزيد من جرعته حتى وصلت لأربعة أقراص في اليوم الواحد فلم يعد مؤثرًا،  لجأت نورا إلى مسكنات أقوى مثل “ديكلاك”، “جبتا”، و”فولتارين”، إلى جانب حقن “ديكساميثازون”، وكل ذلك تحت إشراف عمتها، التي لم تكمل تعليمها لكنها كانت الـ “خبيرة علاجية” في العائلة.

“لم أملك المال اللازم لشراء كل هذه الأدوية دفعة واحدة، بدأت تقسيط العلاج من الصيدليات، وتنويع أماكن شرائها حتى لا يلاحظ أحد تكرار طلبي للمسكنات، وعندما أدرك أهلي خطورة الأمر، رفضت التوقف عن تناول الأدوية، وهددت بالانتحار إذا أجبروني على زيارة طبيب”.

ذات ليلةٍ تعرضت نورا لألم حاد في جانبها الأيسر، ازداد معه الصداع حتى أصبحت غير قادرة على تحمله. حاولت الاستغاثة بعائلتها، لكن والدها ظن أنها تتحايل عليه لتجنب الذهاب للطبيب، ولم ينقذها سوى تدخل ابن عمها، الذي أقنع والدها بأهمية نقلها إلى المستشفى فورًا.

هناك، كشفت الفحوصات عن وجود حصوة كبيرة على الكُلى تستدعي التدخل الجراحي العاجل، تكبدت عائلتها تكلفة لم يكونوا مستعدين لها، لكنها كانت نقطة تحول، إذ قرر الجميع محاربة اعتمادها على المسكنات.

ونورا: “الصداع كان نتيجة لإجهاد عيني، ارتديت نظارة طبية وقاطعت عمتي”.

الاستخدام العشوائي

في جولتنا بين صيدليات من القرى والمحافظت، وجدنا انتشار للتشخيص الخاطئ، ورصدنا صرف الأدوية، بما فيها المضادات الحيوية، دون وصفة طبية، وهو ما يظهر بشكل أكبر في المناطق الريفية مقارنة بالمدن.

أكد بعض العاملين في صيدليات البنداري والطرشوبي بطنطا لـ فكّر تاني، أن هناك حالات استثنائية يضطرون فيها إلى صرف المضادات الحيوية دون وصفة طبية، نظرًا للحالة المتطورة أمامهم، لكنهم شددوا على أن هذا ليس القاعدة، بل إن معظم الأدوية تُصرف بوصفات طبية.

وفي شبين الكوم بمحافظة المنوفية، يوضح مدير صيدلية الولاء أن الوعي بأضرار المضادات الحيوية يكاد يكون معدومًا بين الأهالي، حيث يأتون بشكل متكرر لطلبها دون أي وصفة طبية. مشيرًا إلى أنه في أوقات نقص المضادات الحيوية، واجه هجومًا من المواطنين، ما اضطره إلى إغلاق الصيدلية لمدة يومين متواصلين.

 

 دواء أم سم؟
المسكنات هي واحدة من بين 134 نوعًا من الأدوية التي أقرتها هيئة الدواء المصرية كمستحضرات تُصرف بدون وصفة طبية، وتشمل كذلك خافض الحرارة، والفيتامينات، ومضادات الاحتقان، وأدوية الحموضة، وأدوية البرد والإسهال والإمساك. إلا أن الإسراف في استخدامها قد يؤدي إلى مشكلات خطيرة، ما يؤكد أهمية التوعية بالمخاطر الصحية الناجمة عن الاستخدام العشوائي للأدوية.

 

مواجهة الأزمة

في مدينة صنعاء باليمن، أُجريت دراسة لتقييم وعي السكان باستخدام المضادات الحيوية، وكشفت النتائج أن 68.6% من المشاركين استخدموها أكثر من خمس مرات خلال العام الماضي، وكان السبب الرئيسي وراء ذلك هو الأوضاع الاقتصادية والتجارب الشخصية السابقة. وأوصت الدراسة بضرورة تنفيذ حملات توعوية مكثفة لمواجهة سوء استخدام المضادات الحيوية ومقاومتها.

وفي أواخر مايو الماضي بمصر، قدمت النائبة سمر سالم عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، بطلب إحاطة لرئاسة مجلس الوزراء ووزير الصحة، مطالبةً بتفعيل أحكام قانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم 127 لسنة 1955، لمواجهة ظاهرة بيع الأدوية دون وصفة طبية، وشددت على ضرورة تصدي الجهات المعنية للفوضى الناجمة عن صرف الأدوية بدون روشتة طبية أو تداولها عبر الإنترنت، لما يشكله ذلك من خطر جسيم على صحة المواطنين.

النائبة سمر سالم

وأشارت النائبة إلى أن الإحصائيات الأخيرة تكشف أن حجم الإنفاق الشعبي على الدواء يتجاوز 30 مليار جنيه سنويًا، يُنفق أكثر من 50% منها على شراء أدوية دون وصفة طبية، أغلبها من المضادات الحيوية. وحذّرت من أن الاستمرار في تناولها بشكل عشوائي يؤدي إلى ضعف المناعة، مما يجعلها غير فعالة في مواجهة الأمراض، وينتج عن ذلك مشكلات صحية أكثر تعقيدًا.

اقرأ أيضًا:بنسب تصل إلى 60%.. “فكر تاني” ترصد ارتفاعات بورصة الأدوية

مخاطر صحية

من جانبه، يؤكد الدكتور أحمد محمود، أخصائي الأمراض الباطنية، أن الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية أو تناولها دون استشارة طبية يمكن أن يؤدي إلى عواقب صحية خطيرة، أبرزها مقاومة البكتيريا للمضادات، ما يجعل العلاج أقل فاعلية في المستقبل. كما أن بعض المضادات قد تسبب آثارًا جانبية مثل الغثيان، الإسهال، واضطرابات الجهاز الهضمي، فضلًا عن تأثيرها السلبي على الكبد أو الكلى عند تناولها لفترات طويلة أو بجرعات عالية.

وأضاف الدكتور محمود، أن الاستخدام العشوائي لهذه الأدوية قد يسبب حساسية لبعض المرضى، تظهر على هيئة طفح جلدي أو صدمة تحسسية خطيرة، كما أنه يؤدي إلى اختلال التوازن الطبيعي للبكتيريا المفيدة في الجسم، ما قد يتسبب في الإصابة بعدوى فطرية أو اضطرابات معوية.

وشدد على ضرورة استشارة الطبيب قبل تناول المضادات الحيوية، والالتزام بالجرعات الموصوفة حتى انتهاء فترة العلاج، تفاديًا لأي مضاعفات. كما أوصى بتوعية المرضى بخطورة التداخلات الدوائية التي قد تحدث عند تناول المضادات الحيوية مع أدوية أخرى دون الرجوع إلى مختص.

في ظل تفاقم أزمة صرف المضادات الحيوية دون وصفة طبية، يبقى الحل في تعزيز الوعي الصحي بين المواطنين، وتطبيق القوانين المنظمة لمزاولة مهنة الصيدلة، لمنع هذه الممارسات التي تهدد الصحة العامة، وتجعل مواجهة الأمراض أكثر تعقيدًا.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة