
قبل بزوغ الفجر، أزال “خالد” البطانية الصوف عن جسد فقد حيويته منذ زمن. أزيز مفاصله يُسمع والألم شديد. إلا أن لا خيار أمام ساكن “المحتلة” في دمياط الجديدة، سوى مواصلة أيامه عملًا كلما أمكن، تدبيرًا لنفقات جهاز الابنة الكبرى وسداد قيمة دروس الوسطى. يكفيه ربما أن “عبد الله” الذي أكمل عامه الثالث بعد العشرين يُدرك ما يعنيه حمل الرجال، وقد اختار راغبًا أن يعين أبيه على مشقة الحياة، على ألم الكبر بعد 35 عامًا من “الشق في الصخر”، على السفر إلى العلمين الجديدة، حيث ينضمان إلى باقي عمال البناء باليومية لصالح مقاول يجلبهم لحساب إحدى الشركات الكبرى التي تُنفذ مشروع منطقة الأبراج. هؤلاء يبنون الجنة ولا يسكنونها.
في 16 نوفمبر 2021، نقلت “الأهرام الأسبوعية” المصرية، عن رئيس هيئة مدينة العلمين الجديدة وائل سمير، أن المدينة يعمل بها أكثر من 80 ألف عامل لبناء 148,000 فدان، حيث تشمل المرحلة الأولى 23,000 فدان وتتضمن مشاريع سكنية وتجارية وأبراجًا سكنية وممشى بطول 14 كيلومترًا يشبه كورنيش الإسكندرية.
من “المحتلة” إلى العلمين.. على أعتاب الجنة
الرحلة من المحتلة إلى العلمين الجديدة طويلة للغاية. أكثر من 4 ساعات يقضيها الأب وابنه في المواصلات، لذا لا يعودان إلى بلدتهما إلا مرتين كل شهر.

يصل خالد وابنه عبد الله إلى أعتاب الجنة، بحلول الثامنة صباحًا تقريبًا، لينضمان إلى طابور المتعبين المؤهلين جدًا لبناء الناطحات الفاخرة جدًا، المتأهبة لقلب هدوء هذا الساحل البكر صخبًا ملئ باحتفالات ربما يستمتع بها هؤلاء الذين حملوا القصعة يومًا على التلفاز. لكنهم أبدًا لن يذوقوها.
“تفتكر ممكن نشطب شقة هنا في يوم من الأيام ونسكن فيها؟!”؛ قالها خالد بينما كان يتأمل إحدى الناطحات وزجاجها الذي يعكس التقاء السماء والبحر كمنظر للجنة، ثم أدركها بابتسامة ساخرة تُعيده وابنه عبد الله إلى واقعهم ومن أين جاؤوا، حيث هذه البقعة السكنية المتهالكة “المحتلة”، قبل أن يربت على كتف الشاب وسعال متقطع بالكاد يسمح له بجملة “يلا يا ابني، شغلنا مش في الجنة والحلم، شغلنا هنا على الأرض، مع الأسمنت والطوب”.
في عام 2020، كان هناك ما يقرب من 17.5 مليون شخص يعملون في القطاع غير الرسمي في مصر. وبشكل عام، ارتفع التوظيف غير الرسمي في الفترة التي من 2010 إلى 2020، حيث بلغ أدنى مستوياته في عام 2012، عندما كان ما يقرب من 13.2 مليون شخص يعملون خارج المؤسسات الرسمية، وفق منصة Statista للبيانات. ويواجه هؤلاء تحديات في الحصول على التأمين الاجتماعي والحماية القانونية.

تلاتين مكسورة
الثلاثون في عمر “سيد” مكسورة بـ 6 لاحقة، أغلبها مُرهق، يركض أيامها خلف رزق لم يمنح أسرته كفافًا لائقًا.
اعتاد صاحب الـ 36 عامًا آلام الظهر، وسقف غرفة يتأوه مع كل اتساع في رقعة تشققات أحدثتها الرطوبة في المنزل الآيل للصراخ.
يعاني “سيد” إصابةً بالانزلاق الغضروفي، من الدرجة الثانية، والأطباء يطالبونه بالتوقف عن العمل في أعمال البناء، وإلا سيضطر للخضوع إلى جراحة خطرة مكلفة، لكنه لا يعير الأطباء انتباهًا. يقول: “طب لو بطلت هجيب حق الدوا منين. بلاش هأكل عيالي منين”.
“خد بالك من نفسك يا سيد، وما تنساش تاخد الدوا”؛ توصيه الزوجة التي تودعه بنصح يرد عليه بهزّ الرأس إيجابًا، ليتقط حقيبة تحمل بعض ملابسه وعُلبة طعام، مودعًأ قبلتين على رأس الطفلين النائمين مغادرًا شقته الصغيرة في فاقوس بمحافظة الشرقية، مستقلًا توكوك ينقله إلى موقف الميكروباصات المتجه إلى العاشر من رمضان.
اقرأ أيضًا: تروح فين الشمس يا عمال اليومية؟
رحلة “سيد” تمتد لساعة ونصف الساعة تقريبًا، مقابل أجرة يدفعها قدرها 30 جنيهًا ونصف الجنيه، وصولًا إلى إحدى حافلات شرق الدلتا، التي تتحرك عادة في تمام 6:30 صباحًا، حيث موقف رمسيس بالقاهرة، في ساعة وربع ساعة أخرى من الزمن، مقابل أجرة قدرها نحو 25 جنيهًا، حيث سيستقل من رمسيس أتوبيس نقل عام أو ميكروباصًا يقله إلى العاصمة الإدارية، مقابل أجرة 30 جنيهًا.
85.5 من الجنيهات على “سيد” دفعها في كل رحلة ذهاب أو إياب إلى محل عمله، تُجبره على العودة إلى فاقوس مرة أو اثنتين فقط في الشهر، لرؤية الأبناء والزوجة، التي حتى وإن أرادت مساعدة زوجها عملًا ستواجه مثل غيرها من النساء تحديات عديدة لعل أبرزها أن النسبة الأغلب منهن يعلن أطفالًا بشكل شبه كامل تعليمًا ورعايةً، ما يعوق فرصهن في الاستقرار الوظيفي.
وفقًا لأحدث الإحصائيات، تبلغ نسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة في مصر 16.45% مقارنة بحوالي 75% للرجال في عام 2023، بزيادة طفيفة عن 16.2% في عام 2022.

من خلق هذه الفجوة؟
في الظهيرة، عندما توقفت آلات البناء الضخمة لدقائق، جلس خالد وابنه عبد الله يستريحان من عناء العمل، مدّ عبد الله يده ليعطي والده زجاجة مياه، وبينما كان خالد يدخن سيجارة كانت عيناه معلقة بإحدى الشقق الفاخرة التي لم يكتمل تشطيبها بعد، إذ أبهرته الأرضيات الرخامية اللامعة، والنوافذ العريضة التي تطل على البحر.

“اللي هيسكن في الشقة دي، عمره ما شال طوبة، ولا خلط إسمنت”؛ تمتم خالد وهو ينفث دخان سيجارته التي تحترق بين إصبعيه، ليرد عليه عبد الله: “الواحد بيكون متحسر من اللي بيشوفه، بنبني في ملك غيرنا ونقعد نسأل نفسنا يا ترى مين اللي هيسكن هنا؟ وعارفين إن بعد ما المواقع دي تخلص عمرنا ما هنعرف نخشها تاني”.
لم تكن لدى الابن كلمات يواسي بها أبيه، الذي حاول إعادة نفسه وعبد الله إلى واقعهم: “هي برضه دمياط الجديدة مش وحشة، نعمة الحمد لله”.
يُرجع عادل عامر، رئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية، الفجوة الطبقية في مصر للاقتصاد الحر ورفع الدولة يدها عن رعاية المواطنين وسد الفجوة بينهم، وكون المدن السكنية التي تبنيها بعيدة عن العمران والمواصلات وتفتقد وسائل الإعاشة والخدمات المتكاملة، ما يؤدي إلى عزوف الأسر محدودة الدخل عن السكن في تلك الوحدات.
ويعزي عامر، في حديثه لـ فكر تاني، ارتفاع أسعار العقارات في مصر إلى استغلال أصحابها توقف أعمال البناء، عقب إصدار الحكومة قرار وقف البناء في مارس 2021، والذي ألغته وزارة التنمية المحلية في سبتمبر من العام الماضي، معلنةً العودة للعمل بأحكام قانون البناء 119 لسنة 2008، إضافة إلى ارتفاع أسعار مواد البناء وزيادة الطلب على العقارات، رغم وجود ملايين الوحدات السكنية الفارغة.
يصل حجم القطاع العقاري في مصر في عام 2023، إلى 1.450 تريليون دولار، ويساهم القطاع العقاري في مصر بنسبة تتراوح بين 10% إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتكشف نتائج بحث الدخل والإنفاق ومعدلات الفقر لعام 2017-2018، فيما يتعلق بخصائص الظروف السكنية للأسر المصرية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، أن هناك 14 مليون أسرة تعيش في وحدات سكنية تمليك بنسبة 61.6% من المصريين، وأن هناك 11.5% يسكنون بالإيجار القديم. وكانت مي عبد الحميد، رئيس صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري، وقتئذٍ، أعلنت، أن 76% من الأسر المصرية تمتلك مسكنها، ولم تصدر أرقام رسمية حديثة بذلك الصدد.

ويعتقد الباحث الاقتصادي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، محمد رمضان، أن مصر من بين أعلى الدول في العالم من حيث ملكية العقارات، والتي تصل نسبتها إلى 84%، وأنه على الرغم من ارتفاع الأسعار في سوق العقارات في مصر، والذي بدأ مع حالة التسليع المستمر لقيمة أمتار الأرض والعقارات وظهور ثقافة الكمبوند، منذ عام 2007، وتراجع القطاع غير الرسمي للعقارات والتي تُبنى على أراضي زراعية أو مخالفة والذي كان يوفر من 70% إلى 80% من الوحدات السكنية للطبقة الفقيرة والطبقة الوسطى في الريف والمدن، إلا أن ذلك لم يقلل من نسبة ملكية العقارات، إذ أن المستثمرين في قطاع العقارات لم يعودوا يستهدفون تلك الطبقات، بل يركزون على الطبقة العليا التي تمثل نحو 5% من المجتمع، ويتم استهدافها من المسوقين العقاريين في المدن الجديدة والكمبوندات والمجتمعات السكنية.
وتستمر عملية مراكمة العقارات وإنتاجها لمجرد الإنتاج والاستثمار، لوجود طلب عليها من الطبقات فوق المتوسطة واعتبارها منتجًا دفاعيًا ضد التضخم وانخفاض قيمة العملة، رغم وجود أكثر من 13 مليون وحدة سكنية فارغة، بحسب تقديرات رسمية في عام 2019.
ويؤكد رمضان، في تصريحاته لـ فكر تاني، أن بناء المدن الجديدة والعاصمة الإدارية أثرت على الموازنة العامة للدولة بشكل مباشر وغير مباشر؛ إذ أن الاستثمار في البنية التحتية والمرافق والطرق والمواصلات يرتبط بالمال العام، وأنفقت عليه الدولة الكثير من الأموال.

وكانت الحكومة المصرية أنفقت في الفترة من 2014 – 2023، نحو تريليون و300 مليار جنيه على إنشاء نحو 61 مدينة، منها 975 مليار جنيه لإنشاء وتنمية مدن الجيل الرابع بنسبة 75% من الاستثمارات، و325 مليار جنيه لتطوير ورفع كفاءة مدن الأجيال السابقة بنسبة 25% من الاستثمارات.
يرى سيف فرج، أستاذ التخطيط العمراني، أن كل مدينة سكنية من المدن الجديدة تخاطب فئة معينة من فئات المجتمع، فهناك مدن سكنية تناسب الشرائح محدودة الدخل أو المعدومة التي تحصل على الدعم المباشر أو غير المباشر من الدولة في مجال الإسكان، عبر الوحدات السكنية الاقتصادية التي يتم تقسيطها على 30 سنة، ومبادرات التمويل العقاري بفائدة تتراوح بين 7% إلى 12%، أو الطبقة المتوسطة التي تناسبها بعض الوحدات السكنية التي تبنيها الدولة على أراض أرخص سعرًا، وتكون مساحاتها أقل، وتكلفة تشطيبها أرخص سعرًا، وأخرى تخاطب الشريحة فوق المتوسطة التي تملك قدرة اقتصادية ولديها طلب فعّال، وتستطيع شراء الوحدات السكنية من الإسكان الفاخر الذي تبنيه الدولة أو القطاع الخاص.
يُرجع فرج ارتفاع أسعار العقارات في مصر إلى كون الاقتصاد حر يعتمد على العرض والطلب وارتفاع قيمة الدولار مقابل الجنيه المصري، وسعر البنزين والسولار، وزيادة أسعار الفائدة في البنوك، والتي يتحملها المستهلك الأخير، إلى جانب الزيادة العالمية لأسعار الإسمنت والحديد، وارتفاع قيمة يوميات العمال نتيجة ارتفاع الأسعار.
ويبيّن لـ فكر تاني، أن أزمة السكن ترجع إلى ارتفاع نسبة البطالة وضعف متوسط دخل المواطن؛ إذ لا يكفي الحد الأدني للأجور المقدر بـ 6 آلاف جنيه أو حتى 7 آلاف المقرر قريبًا، لتخصيص نسبة 25% منه لصالح السكن، في ظل ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
غياب الحماية الاجتماعية
بحلول غروب الشمس، كان خالد وعبد الله قد أنهيا عملهما، جلسا مع العمال، حيث امتزجت رائحة العرق بالإسمنت الجاف، ليتناولوا طواجن المعكرونة وعُلب الكشري، حين مر المقاول وأخبرهم أنهم سيحصلون غدًا على إجازة لأنه سيتم تخصيص اليوم لتشوين الطوب والرمل والإسمنت في موقع البناء، وسيواصلون العمل يوم الإثنين، ويعملون بدلًا من ذلك يوم الجمعة، وسيحصلون على أجورهم في نهاية الأسبوع.
اقرأ أيضًا: لماذا تخلى المصريون عن “نصف دينهم”؟

بعد رحيل المقاول تهامس العمال متبرمين حول خسارة يومية يوم الأحد بسبب التشوين، وتدمير مخططات بعضهم للسفر إلى قراهم وبلداتهم في نهاية الأسبوع. وبعد انتهاء حديثهم اتجه خالد وولده إلى الحافلة التي تقلهم إلى المنطقة السكنية التي توجد بها الشقة التي يتشاركان السكن فيها مع 13 عامل آخر.
يحصل خالد على يومية 500 جنيه بحكم كونه صنايعي بناء خبرة، أما ابنه عبد الله الذي يعمل عامل مساعد بناء، فيحصل على يومية تتراوح بين 250 إلى 300 جنيه، وينفق كل منهما نحو 200 جنيه يوميًا على الطعام والسجائر ونصيبه من إيجار السكن وأجرة السيارة التي تصطحب العمال للسكن، ناهيك عن أجرة المواصلات التي يدفعانها كلما عادا إلى دمياط الجديدة لزيارة الأسرة، أو سافرا مرة أخرى إلى العلمين.
في حين يجاهد خالد لتخصيص مبلغ يتراوح بين 250 إلى 300 جنيه من يوميته لاحتياجات أسرته وإيجار الشقة السكنية التي تقيم بها الأسرة، فإن عبد الله الذي يحلم بالزواج وتأسيس أسرة لا يستطيع إدخار أكثر من 100 جنيه من يوميته في أفضل الأحوال، ناهيك عن فترات البطالة التي يعانيان منها لا سيما الأب الذي بدأت فرصه في العمل تقل بعدما شارف على الخمسين من عمره، وبدأت صحته بالتدهور. ورغم ذلك، يبدو الوضع المادي لأسرته أفضل حالًا بكثير مما كان عليه الأمر قبل سنوات، حين كان لا يزال يعمل بناءً في محافظة دمياط، إذ كانت الأجور اليومية متدنية للغاية، وعانى من البطالة لفترات طويلة هو وابنه الأكبر الذي لم يستكمل تعليمه والتحق بالعمل في المعمار مع والده.
في موقع بناء كمبوند سكني داخل العاصمة الإدارية، كان عشرات العمال يتحركون كالنحل، بين الأتربة والكتل الخرسانية، كلٍ منهم يحلم بحياة أفضل، لكن الطوب والإسمنت يفترسان أحلامهم قبل أن تخرج من مهدها، حين بدأ العمل، شعر “سيد” بالألم يسري في ظهره سريعًا. كان الأمر أشبه بمطرقة تضرب عموده الفقري كلما انحنى، لكنه حاول التظاهر بالصلابة، كي لا يلاحظ المشرف على العمال أمر إصابته ويبلغ المقاول، فيتوقف عن توظيفه.
أزمة عمال اليومية
“خد بالك يا سيد، ظهرك مش زي زمان”؛ هكذا قال له صديقه الذي يعمل معه في موقع البناء، وهو يمرر له زجاجة مياه. ردّ سيد بابتسامة متعبة: “مين فينا ظهره زي زمان؟، هي شغلانة تقطم الضهر وتقصف العمر”، قالها وعاد إلى العمل سريعًا.

يكشف حسن البربري، الباحث في القضايا العمالية بالمركز المصري للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، أن العمالة غير المنتظمة ومن بينها عمّال البناء باليومية، يشكلون قطاعًا كبيرًا من قطاع العمالة في مصر، ويشكلون أزمة بالنسبة للحكومات المصرية المتعاقبة على مر عصور.
وقد أظهر آخر بحث لنشرة التعداد الاقتصادي الصادر عن وزارة القوى العاملة بالاشتراك مع الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، أن 18.7 مليون عامل من أصل 30 مليون عامل مصري، يعملون في القطاع غير الرسمي، ومن بينهم 44.3% من عمال التشييد والبناء.
ويضيف البربري، في حديثه لـ فكر تاني، أن قانون العمل الحالي لم يُعرّف العمالة غير المنتظمة، لكنه يشير إلى العمل المؤقت والعمل العرضي والعمالة الموسمية. ويحدد قانون التأمينات الاجتماعية لسنة 2019 فئات بعينها وأهمل فئات أخرى من العمالة غير المنتظمة، ولم يتم تسجيل سوى 375 ألفًا إلى 400 ألف عامل من العمالة غير المنتظمة، لدى وزارة القوى العاملة.
ويضطر العاملون في هذا القطاع إلى العمل لعدد ساعات تتراوح بين 10 ساعات إلى 12 ساعة يوميًا، وقد يحرمون من الإجازات، ونظرًا لكونهم عمالة غير منتظمة ويعانون غيابًا لمظلة الحماية الاجتماعية والنقابية، بالإضافة إلى طبيعة مجال البناء التي تعتمد على وجود وسطاء من المقاولين وشركات توريد العمالة التي تستقطع نسبة من أجور عمال البناء التي تدفعها شركات العقارات، ووجود فجوة في الأجور بين الصنايعي “الأسطى” والعامل المساعد، واضطرار العمال لتحمل نفقات علاجهم؛ فإنهم يلجأون إلى الاستدانة وخفض الإنفاق وعمل أكثر من فرد في الأسرة، كأن يعمل الأبوين أو يعمل الأبناء أو أحدهم مع أبيهم، أو يجمع رب الأسرة بين عملين، وذلك للتعايش في ظل السياسات الاقتصادية والاجتماعية الحالية.

ويتفق مع البربري الباحث الاقتصادي محمد رمضان، الذي يرى أنه لا توجد مظلة حماية اجتماعية حقيقية في مصر للقطاع غير الرسمي من العمال، وأنه حتى معاشات التأمينات الاجتماعية لا تغطي سوى نسبة تبلغ نحو 38% من الأشخاص فوق سن الـ60، وقيمتها لا تساوي شيئًا في ظل ارتفاع معدلات التضخم، ما يزيد من معدلات الإعالة في الاقتصاد ويزيد من الأعباء المالية على الأجيال الأصغر عمرًا.
ويؤكد الخبير القانوني عادل عامر أن قانون العمل المصري وقانون التأمينات الاجتماعية يُلزم المقاولين بالتأمين على عمال البناء ضد مخاطر المهنة وإصابات العمل، كتأمين مؤقت لحين انتهاء المشروع، لكن للأسف يتقاعس غالبيتهم ويتهربون من القيام بذلك، مستغلين تقصير مفتشي بوزارة القوى العاملة وخوف العمال من الإبلاغ لكي لا يتم الاستغناء عن خدماتهم، وبعضهم يجهل ذلك الحق القانوني.
ويوضح في حديثه لـ فكر تاني، أن قانون العمال الجديد الذي غلظ من عقوبة أصحاب الأعمال المتهربين من التأمين على العمال، وتنص المادة 49، على أنه إذا حالت الإصابة بين المؤمن عليه وبين أداء عمله تؤدي الجهة المختصة بصرف تعويض الأجر خلال فترة تخلفه عن عمله بسببها تعويضا عن أجره يعادل كامل أجره المسدد عنه الاشتراك، ويصرف هذا التعويض للمصاب في مواعيد صرف الأجور بالنسبة لمن يتقاضون أجورهم بالشهر، وأسبوعيا بالنسبة لغيرهم، ويستمر صرف هذا التعويض طوال فترة العجز أو حتى ثبوت العجز المستديم.
يتضمن مشروع قانون العمل الجديد، الذي وافقت لجنة القوى العاملة بمجلس النواب عليه، الأربعاء الماضي، ضمانات للعمال، منها إلغاء استمارة 6 وحظر العمل الجبري والفصل التعسفي، وإنشاء صندوق لحماية تشغيل العمالة غير المنتظمة وآخر لخدمات الرعاية الاجتماعية والصحية والثقافية للعمال، وتعزيز الحق في الإضراب السلمي، كما أقر تعديلات مهمة تحدد حقوق العاملين في الإجازات المرضية وتعويضاتهم المالية خلال فترة المرض وعدد من أوجه الحماية الاجتماعية.
استراحة مطرود من الجنة
خلال الاستراحة، جلس “سيد” وحده بعيدًا عن ضوضاء العمال، يتأمل العمارات الفخمة داخل الكمبوند السكني والبحيرات الصناعية والمساحات الخضراء التي تحيط بها. انتزعه من تأملاته اتصال هاتفي من زوجته تخبره بحاجة ابنهما إلى شراء الكتب الخارجية وبعض المستلزمات الدراسية، وأن مديرة حضانة الابن الأصغر سألتها عن المصروفات الشهرية التي تأخروا عن سدادها، وأنها لن تمهلها أسبوعين حتى يعود إلى فاقوس، لأن الشهر الجاري سيكون قد انقضى ويتوجب عليهم سداد اشتراك شهر جديد، فأخبرها أنه سيحصل على أجرته في نهاية الأسبوع، ويحول المبلغ المطلوب لها.

أنهى “سيد” المكالمة وهو يفكر في أنه لا يريد لطفليه أن يعيشا المعاناة نفسها التي عاشها، حين اضطر لترك المدرسة والعمل في البناء منذ كان في العاشرة من عمره، ليعول والدته وأشقاءه الصغار، وكيف كان يحمل الطوب وشكائر الرمل والإسمنت فوق ظهره الصغير، الذي تصدع بمرور الزمن.
لسنوات عمل سيد صنايعي بناء في العلمين الجديدة ثم في العاصمة الإدارية الجديدة، يتقاضى يومية قدرها 500 جنيه، وهو مضطر للإقامة في سكن متردي داخل موقع البناء، لأن الشركة التي يعمل لحسابها المقاول الذي وظفه، لم توفر للعمال سكنًا أو مواصلات، ليتسنى له توفير مبلغ يكفي سد الاحتياجات الأساسية لأسرته.
حين غربت شمس اليوم نفسه، حزم خالد وعبد الله أمتعتهما وغادرا السكن العمالي، بعد أسبوعين من العمل الشاق المتواصل لنحو 12 ساعة يوميًا في موقع البناء، ليسافرا إلى بلدتهما، وفي المساء كانا يستقلان الميكروباص المتجه إلى دمياط، وعندما وصلا إلى منطقة المحتلة، كانت الشوارع مظلمة لانقطاع التيار الكهربائي، وبدت لهما المنازل متلاصقة وكأنها تستند على بعضها البعض خشية السقوط، على شعاع الضوء المنبعث من كشاف الهاتف المحمول، صعدا بحذر درجات السلم الضيق إلى شقتهما الصغيرة.
بعدما بدلا ثيابهما، قدمت أم عبدالله، للأسرة طعام العشاء، وعلى المائدة سألت زوجها وابنها كيف كانت فترة الأسبوعين التي قضياها في العمل؟
تنهد الأب بعمق وهو ينظر إلى يديه المشققتين، كان رأسه يعج بالأفكار حول صحته التي تتدهور ومخاوفه تجاه عدم قدرته على العمل في المستقبل القريب، وخوفه على مستقبل البنات، وابنه الأكبر الذي لا يمل الحديث عن حلمه بالسفر للخارج، لكنه غير دفة الحديث. وقال مازحًا: “ابنك عايز يسكن في شقة من اللي بنبنيهم.. مفكّر أبوه مليونير”، ضحكت زوجته بسخرية، وقالت: “وماله يا خويا.. احلم براحتك، هو الحلم ببلاش”، لكن عبد الله لم يضحك، إذ كان شاردًا يُحدّق في جدار الصالة المتصدّع المتآكل الطلاء، وهو يتذكر الأبراج الفخمة الشاهقة التي تطل على البحر.


