وسط الزحام في معرض الكتاب، يطارد القراء عناوين تنظر من فوق الأرفف، كان لـ "دار كتوبيا" مساحتها الخاصة وأفكارها المبتكرة لعرض الكتب هذا العام، كان الدخول إلى جناحهم بمثابة رحلة قرائية متكاملة، مزجت بين الحداثة والتقاليد، وبين الابتكار والحنين، مقدمة نموذجًا فريدًا لصناعة النشر في مصر.
هناك، لم يكن القارئ مجرد زائر يعبر بين العناوين، بل كان جزءًا من تجربة ممتدة، عنوانها الشغف بالمعرفة، ومضمونها مشاريع ابتكارية تفتح آفاقًا جديدة لعلاقة القارئ بالكتاب، فبين إعادة إحياء الكتب المنسية، إلى خلق تجربة تفاعلية جديدة مع القراء وتوسيع نطاق الوصول إلى الكتاب عبر التكنولوجيا، رسمت كتوبيا هذا العام مسارًا استثنائيًا جديدًا، عبر مشروعاتها الفريدة مثل "ذاكرة الأدب" التي تستعيد التراث الأدبي برؤية معاصرة، و"جواز سفر كتوبيا" التي يحوّل القراءة إلى مغامرة ممتدة، و"آلة بيع الكتب الذاتية"، و"متحف كتوبيا" الذي يجعل من هذه التجربة الثقافية البصرية التي قدمتها الدار هذا العام نموذجًا مختلفًا للنشر.
بهذه المشاريع، لم تكن "كتوبيا" مجرد دار نشر، بل صانعة لحمايات تتجاوز الورق وتفتح أبوابًا أمام القارىء لرحلة لا تنتهي مع المعرفة.
وفي لقاء مع فكّر تاني، تحدث المهندس أيمن حويرة، مدير الدار عن مشاريع "كتوبيا" التي لا تسعى فقط لنشر الكتب، بل أيضًا إلى إعادة تعريف تجربة القراءة بطرق حية، فيقول: "نحن لا نرى الكتاب مجرد سلعة، بل نافذة على عوالم لا حصر لها، هدفنا ليس فقط نشر الكتب، بل أن نجعل من القراءة عادةً ممتعة، وأن نبني مجتمعًا قرائيًا يشعر من فيه بالانتماء، حيث لا يكون القارئ مجرد مستهلك، بل شريكًا في هذه الرحلة الأدبية".

إحياء نصوص منسية
في ظل تسارع الإنتاج الأدبي، يقول أيمن حويرة: "هناك أعمالًا أدبية لم تأخذ حقها من الضوء، إما لأنها نُشرت في زمن لم يكن التقدير فيه كافيًا، أو لأنها ببساطة فُقدت وسط زحام العناوين الجديدة، من هنا، ولدت فكرة مشروع ذاكرة الأدب في كتوبيا".
يهدف هذا المشروع إلى إعادة نشر وإحياء الأعمال الأدبية القيمة التي لم تعد متوفرة، سواء ورقيًا أو رقميًا، مضيفًا أنهم لا يعيدون طباعة أي كتاب فقط لأنه قديم، بل يبحثون عن النصوص التي تستحق أن تُقرأ مجددًا،ولديهم قناعة بأن هناك كنوزًا أدبية لم يُقدرها الزمن كما ينبغي، وهم يحاولون تصحيح ذلك.
واستعرض حويرة معظم العناوين التي حددها هذا المشروع، بعد أن أكد أن هذه هي المشاركة الأولى للمشروع في معرض الكتاب، والذي كان قد انطلق رسميًا في سبتمبر الماضي، وشهد إصدار أكثر من 22 كتابًا لكُتّاب بارزين مثل محمد فريد أبو حديد، وعلي أحمد باكثير، وحسن المحامي، وسميرة عزام، ومحمد عبد الحليم عبد الله، إلى جانب بعض الأعمال غير المتداولة لغسان كنفاني، مثل رواية "الشيء الآخر: من قتل ليلى الحايك".
تجربة انتماء مختلفة
وفي وسط أجواء تبحث فيه دور النشر عن الأفضل، قررت كتوبيا أن تقترب من القراء وأن تكون بطريقة بسيطة ومبتكرة في نفس الوقت، وجواز السفر هذا ليس مجرد بطاقة خصومات، بل نظام عضوية يمنح القارئ تجربة استثنائية داخل عالم كتوبيا، يشرح أيمن حويرة الفكرة قائلًا: "استلهمنا فكرة جواز السفر من رحلاتنا وأسفارنا حول العالم، حيث يمثل الجواز هويةً وانتماءً، أردنا أن نمنح قرّاء كتوبيا هذا الشعور، أن يكون لديهم ما يميزهم، ما يجعلهم جزءًا من عائلة قرائية حقيقية".

وأكد حويرة أن هذا الجواز يمنح لحامله العديد من الامتيازات مثل خصومات حصرية داخل كتوبيا، وفي بعض دور النشر والمكتبات الأخرى، كذلك إمكانية حضور فعاليات خاصة مثل اللقاءات الأدبية والندوات المغلقة، وحصول الأعضاء على إصدارات محددة قبل توزيعها في السوق، وفرص للمشاركة في مشاريع حصرية وجلسات خاصة، موضحًا أنه يريد أن يكون القارئ أكثر من مجرد زائر يشتري كتابًا، بل شريكًا في هذه التجربة، يشعر أن له مكانًا داخل هذا العالم الذي يبنيه.
اقرأ أيضًا:دينا قابيل: منع "المرايا" قرار غير مفهوم ويؤثر على استمراريتنا
آلة بيع الكتب الذاتية

لأكثر من ثلاث سنوات، كانت كتوبيا تعمل بصمت على مشروع قد يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة يحمل رؤية جديدة لمستقبل توزيع الكتب في مصر وهو "آلة بيع الكتب الذاتية أو الـ Vending Machine، والتي جاءت فكرتها -كما أشار حويرة- من أزمة التوزيع الموجودة حاليًا في مصر والتي تمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه دور النشر، وكانت هذه الآلة ردًا على سؤال: ماذا لو كانت الكتب نفسها هي التي تذهب إلى القارئ؟
هذه الماكينة، التي يمكن وضعها في أماكن مثل المولات، محطات المترو، والجامعات، تتيح للقراء شراء الكتب بسهولة، دون الحاجة إلى زيارة مكتبة تقليدية، لكن تنفيذ المشروع لم يكن سهلًا، حيث واجهت الدار تحديات تتعلق بتكاليف الشراء، والنقل، وضمان تجربة شراء سلسة للمستخدمين.
"حازت هذه الفكرة على إعجاب الزوار والقراء في معرض الكتاب، ولفتت انتباههم لأنها موجودة للمرة الأولى ليس في المعرض فقط ولكن في مصر".. يقول أيمن حويرة.
متحف كتوبيا
ولأول مرة هذا العام، قررت كتوبيا أن تمنح القراء تجربة تفاعلية فريدة داخل جناحها في المعرض، من خلال "متحف كتوبيا"، وهو مساحة صُممت لتأخذ الزائر في رحلة داخل كواليس صناعة النشر، حيث يؤكد حويرة أن القارئ يرى الكتاب في صورته النهائية، لكنه لا يعرف الرحلة التي مر بها قبل أن يصل إليه، وهم في كتوبيا، أرادوا أن يقدموا للقراء هذه الفرصة، ليروا بأنفسهم كيف يتم اختيار الكتب، وكيف تُصنع التجارب الأدبية.

واحتوى المتحف على وثائق ومخطوطات نادرة من بعض إصدارات كتوبيا، كذلك مقتنيات شخصية متعلقة بمشاريع الدار، مثل مذكرات، ومسودات أولى لكتب نشرتها الدار، وتذكارات من سفريات مدير النشر وزوجته وتتعلق بسلسة أدب الرحلات في الدار المعونة بـ عن العشق والسفر، والذي صدر الجزء الرابع منها هذا العام، كما تخطط الدار لتوسيع المتحف في العام القادم، بحيث يصبح محطة رئيسية للزوار داخل المعرض، ومركزًا لاستكشاف تاريخ الأدب والنشر.
اقرأ أيضًا:معرض الكتاب الـ 56.. "سماوي" وتجربة قراءة لا تُنكر التقنية
كتوبيا في الصالة المخفضة
ومن ضمن جهود دار كتوبيا في جعل الكتب أكثر إتاحة لشريحة أوسع من القرّاء، خصصت جناحًا في الصالة المخفضة هذا العام، حيث قدمت كتبًا بأسعار أقل بسبب عيوب طباعة طفيفة، أو إصدارات سابقة لم تعد متوفرة في المكتبات، ويعلق أيمن: "في السابق، كنا نقوم بإعدام الكتب التي تعاني من مشاكل بسيطة في الطباعة، لكننا وجدنا أن هناك قراءً لا يهتمون بالشكل الخارجي بقدر اهتمامهم بالمحتوى، لهذا، قررنا أن نوفر هذه الكتب بدلًا من إهدارها".
قد يبدو أن كتوبيا أطلقت عددًا كبيرًا من المشاريع في وقت واحد، لكن وفقًا لمديرها، كان ذلك جزءًا من خطة طويلة الأمد، حيث لم يكن الأمر عشوائيًا، بل كل مشروع تم الإعداد له على مدار سنوات، وحقيقة أنها تم تنفيذها معًا، جاء نتيجة تزامن التخطيط مع الفرص المناسبة، قائلًا: "والمحصلة إقبالًا غير مسبوق على جناح كتوبيا في المعرض، ليس فقط بسبب الكتب، بل بسبب التجربة المختلفة التي قدمتها، حيث لم يكن الجناح مجرد مكان للبيع، بل مساحة للتفاعل، والاستكشاف، والانتماء لعالم القراءة".
