معرض الكتاب الـ 56.. “الأفرو سنتريك” جدل الهوية وإعادة قراءة التاريخ

يتغير العالم بوتيرة متسارعة، ما يجعل الحفاظ على الهوية والتاريخ ضرورة ملحّة، خاصة في ظل محاولات متعددة لإعادة تشكيل الماضي وفقًا لرؤى وأجندات مختلفة، وبينما يعتمد الباحثون والمؤرخون على الأدلة العلمية والوثائق في كتابة التاريخ، هناك من يسعى إلى إعادة صياغته بروايات غير مثبتة علميًا.

برزت حركة “الأفرو سنتريك” كنموذج فكري، يحاول تسليط الضوء على إسهامات الثقافة الإفريقية في تاريخ العالم، بدأت تلاتينيات القرن العشرين في الولايات المتحدة عند الأفارقة الأمريكيين ثم انتشرت حول العالم. فيما يخص مصر، تدعي هذه الحركة إن المصريين القدماء كانوا من أصول إفريقية، وأن الحضارة الفرعونية ليست سوى امتداد للتراث الإفريقي الأسود. 

وفي إطار تسليط الضوء على هذه الأفكار، استضافت القاعة الرئيسية بمعرض الكتاب، أمس الأربعاء، ندوة تثقيفية بعنوان “الثقافة الإفريقية والأفرو سنتريك”، ناقش خلالها عدد من الخبراء والمتخصصين افتراضات هذه الحركة، مستعرضين الحقائق العلمية والتاريخية التي تفندها، شارك في الندوة أستاذ التاريخ الدكتور علاء الدين شاهين، والدكتورة هبة جمال الدين، رئيسة قسم الدراسات المستقبلية بمعهد التخطيط القومي، واستشاري الأبحاث الجينية اللواء الدكتور طارق طه، وأدار النقاش الدكتور السيد فليفل.

اقرأ أيضًا:معرض الكتاب الـ 56.. مراسلات الغربة وحب السينما في حياة “شيمي” و”خان”

الأفرو سنتريك.. إعادة التأويل المنحاز

نوقش في اللقاء أفكار حركة الأفرو سنتريك التي تسعى إلى إعادة تأويل تاريخ الحضارة المصرية وفق منظور منحاز، استند النقاش إلى أدلة علمية وتاريخية موثقة، قدمها الخبراء لدحض المزاعم التي تحاول طمس الهوية المصرية وإعادة تشكيلها وفق رؤى أيديولوجية محددة، واستعرض المتحدثون كيف تؤثر هذه الحركة على الأجيال الجديدة، وكيف يتم التلاعب بالوثائق والنصوص التاريخية لتوظيفها في سياقات تبدو خطرة.

وفي محاولة الإجابة على تساؤلات رئيسية مثل: ما مدى صحة الادعاءات التي تروج لها الحركة؟ وما الأدلة العلمية التي تدحضها؟ وما هو الأصل الجيني للمصريين؟ وكيف يمكن لمصر مواجهة هذه الطروحات وحماية هويتها؟ 

وضحت الدكتورة هبة جمال الدين في مداخلتها طبيعة هذه الحركة، مؤكدةً أنها ليست مجرد توجه فكري، بل مشروع أيديولوجي يسعى إلى إعادة صياغة التاريخ من منظور منحاز، يتجاهل الحقائق العلمية لصالح رواية ذات أهداف خفية.

وأضافت هبة أن ظهور الأفرو سنتريك في بدايات القرن العشرين كان بدعوى تصحيح “المظلومية التاريخية” بحسب وصفها، مؤكدةً على أن فكرة إعادة قراءة الحضارة المصرية باعتبارها جزء من التراث الإفريقي يتناقض مع ما أثبتته الدراسات العلمية، التي تؤكد اختلاف التكوين الجيني للمصريين عن سكان وسط وغرب إفريقيا.

وقالت رئيس قسم الدراسات المستقبلية، إن هناك محاولات متزايدة لإدراج هذه السردية في الخطاب الحقوقي الغربي، بما قد يؤدي إلى إثارة قضايا دولية تطالب بـ “استعادة الهوية الإفريقية لمصر”، كما حدث مع ملفات أخرى استُغلت سياسيًا على الساحة العالمية.

وفي تعليقها لـ فكّر تاني، أكدت الدكتورة هبة جمال الدين على أهمية ترسيخ الوعي التاريخي لدى الأجيال الجديدة، وترى أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب إدراج دراسات مكثفة في المناهج التعليمية، خاصة فيما يتعلق بتاريخ مصر خلال الأسرة 25. 

الدكتورة هبة جمال الدين أثناء حديثها مع فكّر تاني
الدكتورة هبة جمال الدين أثناء حديثها مع فكّر تاني

وأشارت إلى أهمية عدم الاكتفاء بتناول هذه السردية في كتب التاريخ فقط، بل أن تمتد دراستها إلى كليات اللغات، مع ترجمات متعددة، لضمان وصولها إلى مختلف الفئات في المجتمع، ما يفتح المجال أمام الرد العلمي.

“تأثير هذه الادعاءات أصبح تهديدًا، لا سيما في ظل الترويج الإعلامي غير الواعي لمفاهيم مغلوطة”. وأضافت أن غياب المعرفة التاريخية لدى بعض الشباب قد يجعلهم عرضة لتصديق الشائعات، محذرةً من أن استمرار انتشار هذه الأفكار قد يؤثر على حقوق مصر المائية إذا لم يتم التصدي لها بآليات علمية مدروسة.

اقرأ أيضًا:معرض الكتاب الـ56.. أي مخاطر أخلاقية قادمة للتكنولوجيا؟

دراسات زمكانية

من جانبه، تناول الدكتور علاء الدين شاهين خلال الندوة، الأساليب التي تستخدمها الحركة لإعادة كتابة تاريخ مصر، مشيرًا إلى أنها لا تستند إلى أي أدلة أثرية أو علمية، بل تعتمد على مجرد تفسيرات وتأويلات.

وتوقف عند واحدة من أشهر المزاعم التي تروجها الحركة، وهي أن “العرب سرقوا الحضارة المصرية من الأفارقة الأصليين”، موضحًا أن هذا الطرح يتجاهل تمامًا التسلسل الزمني للحضارة المصرية، كما يفترض وجود صراع عرقي لم يكن له أي أساس في التاريخ القديم.

وقال: “إن هذه الادعاءات لا تهدف فقط إلى تقديم قراءة بديلة للتاريخ، بل تسعى إلى فصل مصر عن جذورها الحقيقية، وإعادة تصنيفها وفق رؤية تتجاهل حقائقها الجغرافية والثقافية”.

وأضاف أستاذ التاريخ، أن هناك محاولات للتلاعب بالرموز المصرية، فقد قيل: “إن تحطيم أنف أبو الهول كان عمدًا لإخفاء ملامحه الإفريقية” موضحًا أن الوثائق والصور القديمة تؤكد أن الأنف كان مكسورًا منذ قرون طويلة، نتيجة عوامل طبيعية وأعمال تخريب متفرقة، وليس بسبب مؤامرة تستهدف طمس ملامحه.

وفي حديثه مع فكّر تاني، أكد الدكتور علاء الدين شاهين على ضرورة تكثيف الجهود لمواجهة أي محاولة لتحريف التاريخ، خاصةً مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التي يمكن استغلالها في الترويج لخطابات زائفة. 

“لزيادة الوعي يجب العمل على دراسات معمقة للإطارين الزمني والجغرافي الذي تتحرك فيه هذه الادعاءات، مع التركيز على الأبحاث التاريخية والأثرية، بما يتيح الرد عليها بالأساليب ذاتها التي تعتمدها”، يقول شاهين، ويضيف إن مروجي هذه الادعاءات يسعون لإضفاء شرعية على خطابهم من خلال تبني “خطاب المظلومية”، في محاولة للسطو على التاريخ المصري وإعادة صياغته بما يخدم أهدافهم.

اقرأ أيضًا:معرض الكتاب الـ 56.. نساء صنعن التاريخ وأطفال عايشوا الحرب

الحقائق يكشفها العلم

الدكتور طارق طه بدأ مداخلته بمواجهة الادعاءات بالأدلة العلمية القاطعة، حيث قدم تحليلًا جينيًا لمصريين عبر فترات تاريخية مختلفة، موضحًا أن التكوين الوراثي للمصريين لم يطرأ عليه تغيير جوهري على مدار آلاف السنين.

واستشهد بعدد من الدراسات الدولية، مثل أبحاث معهد ماكس بلانك، التي أثبتت أن المصريين القدماء يتشاركون فقط 8% من جيناتهم مع سكان إفريقيا جنوب الصحراء، ما ينفي الادعاء بأنهم كانوا من أصول زنجية خالصة. كما أشار إلى دراسات أجرتها جامعتا ستانفورد وبرشلونة، والتي أكدت أن المصريين أقرب وراثيًا إلى سكان شمال إفريقيا والشرق الأدنى القديم، وليس إلى سكان غرب ووسط إفريقيا.

اقرأ أيضًا:معرض الكتاب الـ56.. الخديعة ممتدة في “هيمنجواي”

الدكتور طارق طه، استشاري الأبحاث الجينية والطب التجديدي
الدكتور طارق طه، استشاري الأبحاث الجينية والطب التجديدي

وفي تصريحه لـ فكّر تاني، أكد استشاري الأبحاث الجينية أن الحديث عن الأفرو سنتريك لا يعني الهجوم على الأفارقة، بل حماية التاريخ من الادعاءات بالحقائق العلمية والأدلة المثبتة، مشيرًا إلى أن علاقات مصر داخل القارة الإفريقية راسخة ومتينة، ولن تنجح محاولات الوقيعة بينها وبين محيطها الطبيعي. 

“أثبتت الأبحاث الجينية الحديثة بما لا يدع مجالًا للشك أن الحضارة المصرية نشأت وتطورت مستقلة منذ فجر التاريخ، وهو ما تؤكده الدراسات الحديثة التي أجريت على الحمض النووي للمصريين القدماء”.

كيف تحافظ مصر على هويتها؟

وأكد المتحدثون في الندوة أن مواجهة هذه المزاعم لا يجب أن تقتصر على الردود الأكاديمية فقط، بل تتطلب جهودًا متكاملة تشمل تعزيز الوعي التاريخي لدى الأجيال الجديدة، ودعم الأبحاث العلمية، وإنتاج محتوى ثقافي وإعلامي قوي يوضح الحقائق بأسلوب مبسط ومؤثر.

كما أوصوا بضرورة الانفتاح على النقاشات الدولية، وتقديم حقائق التاريخ المصري بلغة علمية موثوقة، لمنع محاولات التشويه التي تستهدف إعادة كتابة الماضي وفق رؤى أيديولوجية مغلوطة.

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة