ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ56، استضافت قاعة "فكر وإبداع"، أمس الثلاثاء، جلسة نقاشية حول المجموعة القصصية "خدعة هيمنجواي" الصادرة عن دار "العين" للكاتب أحمد مجدي همام، بحضور الكاتبين أحمد عبد العاطي ومحمد سرور، وأدار الحوار المنسق الثقافي مصطفى الطيب.
عِقد من الكتابة وتحولات فنية متعددة

بدأ مصطفى الطيب النقاش بطرح تساؤلات حول التوجه السردي للمجموعة، مشيرًا إلى أن "خدعة هيمنجواي" تضم إحدى عشرة قصة تحمل تنوعًا دراميًا مثيرًا، وبسؤال الكاتب عن المدة الطويلة التي استغرقتها كتابة المجموعة، أوضح همام أن العمل استغرق حوالي عشر سنوات حتى يخرج بصورته النهائية.
قدم الكاتب أحمد عبد العاطي قراءة نقدية للمجموعة، موضحًا أن ترتيب القصص، رغم عشوائيته، لم يكن عائقًا أمام تقديم تجربة أدبية متماسكة. وقال: "قصص المجموعة تدور في أجواء ديستوبية، ولكن ليس بالمعنى التقليدي المرتبط بالحروب والدمار، بل من خلال تصوير الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما يتجلى في قصص مثل (السبيكة الذهبية) و(فلسفة النار)".. وأشاد عبد العاطي بأسلوب همام الذي يجمع بين اللغة الشعرية والتوصيف الدقيق، معتبرًا أن الكوميديا السوداء تُعد عنصرًا أساسيًا في بناء النصوص.
الخديعة عنصرًا محوريًا
ومن جانبه، رأى الكاتب محمد سرور أن الخديعة تُعد العنصر المشترك في أغلب القصص، مستشهدًا بقصة "الدرس" التي تتناول كذب طفل على والدته في إطار درامي مشوّق.
"كل قصة تحمل نوعًا مختلفًا من الخديعة، مما يجعل القارئ في حالة ترقب مستمر حتى النهاية"؛ كما أشار إلى أن قصة "خدعة هيمنجواي" تحمل دلالات رمزية عميقة، حيث تتغير شخصياتها تدريجيًا مع تصاعد الأحداث بشكل غامض ومثير للدهشة.
اتفق المشاركون في الندوة على براعة أحمد مجدي همام في توظيف الرموز اللغوية لتقديم نصوص متعددة المستويات. وأوضح سرور: "الغموض المدروس الذي يميز المجموعة يعزز من قوتها الأدبية، وهو ما يظهر جليًا في الصور البلاغية المستخدمة، مثل النقطة الزرقاء التي تحمل دلالات مفتوحة على التأويل."
ديستوبيا
وأشاد النقاد بقدرة همام على تقديم أدب ديستوبي متقن، حيث استخدم ثلاثة أساليب سردية مختلفة: المتكلم، والمخاطب، والتعليم، ما أضفى على القصص أبعادًا متعددة، وساهم في تعميق الشخصيات وإبراز تحوّلاتها تحت تأثير الظروف المحيطة.
واختُتمت الجلسة بالإشادة بالتجربة الأدبية، حيث أثنوا على قدرته على تقديم نصوص تتسم بالجرأة وتتناول قضايا مجتمعية بأساليب مبتكرة. وأكدت الندوة على أهمية تقديم أعمال أدبية تثير التفكير وتفتح المجال للتأمل والتفسير، مما يجعل القارئ شريكًا في بناء المعنى واكتشاف أبعاد النصوص المختلفة.
اقرأ أيضًا:معرض الكتاب الـ 56.. نساء صنعن التاريخ وأطفال عايشوا الحرب
أحمد مجدي همام لـ فكر تاني: الخديعة ممتدة في هيمنجواي ولا تخطيط مسبق
في حديث خاص لـ فكر تاني، أكد الكاتب أحمد مجدي همام أن ثيمات مثل الخديعة، والاغتراب، والخذلان ظهرت في مجموعته القصصية "خدعة هيمنجواي" دون أن يكون هناك تخطيط مسبق لإدراجها ضمن الأحداث الرئيسية لكل قصة.

وأوضح أن الخديعة كانت العنصر الأكثر بروزًا في المجموعة، لكنها لم تكن نتيجة قرار متعمد، بل جاءت بشكل تلقائي أثناء عملية الكتابة. وأشار إلى أن بعض النصوص تفرض نفسها على الكاتب، حيث يبدأ بالسطر الأول، ثم تتوالى الأحداث لتتشكّل القصة في صورتها النهائية.
وعن التنوع السردي داخل المجموعة، أوضح همام أنه حرص على تقديم تجربة غنية تشمل عدة أساليب، من الومضات القصصية إلى السرد السريالي والاجتماعي، بالإضافة إلى الخط الديستوبي الذي يضفي على المجموعة بعدًا فلسفيًا.
وأكد همام لـ فكّر تاني، أنه يسعى دائمًا إلى التنوع في أعماله، قائلًا: "لا أستطيع تخيّل أن تتشابه قصتين داخل المجموعة، أو أن ترتبط جميع النصوص بأسلوب أو تقنية سردية موحّدة. فالتجديد هو متعتي الكبرى ككاتب، وأحرص على أن يعكس كل عمل أدبي بصمتي الخاصة ويختلف عن سابقيه".
اقرأ أيضًا:معرض الكتاب الـ56.. أي مخاطر أخلاقية قادمة للتكنولوجيا؟
البساطة الظاهرة والتأويلات العميقة
وعن العلاقة بين أسلوب الكاتب الأمريكي إرنست هيمنجواي وهذه المجموعة، أوضح همام أن العنوان لم يكن استعارة مباشرة لأسلوب هيمنجواي في الكتابة، بل جاء مستلهمًا من رمزية روايته الشهيرة "العجوز والبحر"، مؤكدًا أن قصة "خدعة هيمنجواي" كُتبت بفكرة مشابهة، حيث تبدو أحداثها بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تحمل بين سطورها رموزًا ومعانِ متعددة يمكن للقارئ تأويلها بطرق مختلفة.
"تتميز نصوص المجموعة ببنية تحتمل أكثر من قراءة، وهو ما يترك مساحة مفتوحة أمام القارئ للتفاعل بحرية مع القصص وفق رؤيته الخاصة".
وفيما يتعلق بالتحديات التي واجهها خلال كتابة المجموعة، خاصة في ظل هذا التنوع السردي، أشار همام إلى أنه يولي أهمية كبيرة لمسألة التماسك الفني، موضحًا: "إذا شعرت أن تعدد الأساليب السردية قد يؤدي إلى إضعاف النص أو جعله غير مترابط، أُفضل التخلي عن القصة بالكامل. فالعمل الأدبي يجب أن يكون محكمًا ومتماسكًا، وإلا فلن يكون قادرًا على جذب القارئ".
معرض القاهرة للكتاب.. مساحة للحوار الثقافي
وعن مشاركته في معرض القاهرة الدولي للكتاب، عبّر همام عن اعتزازه بالتواجد في هذا الحدث الثقافي الكبير، مؤكدًا أن المعرض يُعدّ واحدًا من أهم المنصات التي تجمع الأدباء والمثقفين العرب. وأشار إلى أن المعرض، بصفته الأقدم والأكبر عربيًا، يتفوّق على غيره من المعارض من حيث عدد الزوار والمبيعات، بالإضافة إلى الفعاليات الثقافية التي تستقطب أسماء أدبية بارزة من مختلف الدول.
وأضاف: "يكفي أن تجد قاعات المعرض ممتلئة بالحضور في ندوات ثقافية تجمع كتّابًا من مختلف الاتجاهات، إلى جانب توافد مئات الآلاف من الزوار يوميًا، ما يعكس أهمية هذا الحدث في المشهد الثقافي العربي".