معرض الكتاب الـ 56.. مراسلات الغربة وحب السينما في حياة "شيمي" و"خان"

في عالم تتقاطع فيه الفنون وتتداخل الحدود بين الإبداع البصري والتعبير الأدبي، يظل اللقاء بين الأدب والسينما واحدًا من أكثر العلاقات إلهامًا وإثارة للجدل، فبينما ترسم الكلمة جسور الخيال، تصوغ الصورة أبعاد الواقع الحي المُعاش، ما يجعل العلاقة بينهما حوارًا ممتدًا عبر الزمن.

هذه العلاقة حكى عنها مدير التصوير السينمائي سعيد شيمي، في لقاء خاص ضمن محور "كاتب وجوائز" في ثاني ندواته أمس الثلاثاء، بالقاعة الدولية في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ 56، في ندوة أدارها الكاتب والناقد الفني محمود عبد الشكور، حيث تم الكشف عن ملامح رحلة طويلة جمعت بين الصورة والكلمة، السينما والأدب، الحلم والحقيقة.

لم يكن اللقاء مجرد استعراض لذكريات شيمي مع صديقه المخرج محمد خان، بل كان تأريخًا لعلاقة جيل كامل من المبدعين الذين عشقوا السينما منذ الطفولة، وأرادوا أن يصنعوا منها لغة خاصة بهم. فمن خلال كتاب "رسائل محمد خان إلى سعيد شيمي: مشوار حياة"، استعرض شيمي كيف توثقت هذه الصداقة، وشغف خان العميق بالسينما، وكفاحه المستمر خارج مصر حتى عودته وإخراجه لأعمال شكلت بصمة فارقة في تاريخ السينما المصرية.

كما لم يتوقف الحديث عند الماضي، إذ سلط محمود عبد الشكور الضوء على الحاضر أيضًا، مشيرًا إلى أن المعرض هذا العام حمل العديد من الكتب التي تناولت العلاقة بين الأدب والسينما.

اقرأ أيضًا:معرض الكتاب الـ56.. الخديعة ممتدة في "هيمنجواي"

19 عامًا من الرسائل توثيقًا للصداقة والسينما

بدأ مدير التصوير السينمائي سعيد شيمي حديثه باستعادة ذكريات صداقته بالمخرج الراحل محمد خان، موضحًا أن هذه العلاقة بدأت منذ الطفولة، حيث جمعهما حب السينما، وكانا يقضيان أوقاتهما في تقليد الفنانين وإعادة تمثيل المشاهد السينمائية التي يحفظانها عن ظهر قلب.

المخرج محمد خان ومدير التصوير سعيد شيمي -صورة أرشيفية
المخرج محمد خان ومدير التصوير سعيد شيمي -صورة أرشيفية

حين غادر خان إلى لندن في عام 1959، يبدأ فصل جديد من هذه الصداقة، استمر عبر مراسلات دامت 19 عامًا، امتدت من لحظة سفره حتى عام 1977، لم تكن تلك الرسائل مجرد تبادل للحديث بين صديقين، بل هي وثائق تسجل رحلة خان وكفاحه خارج مصر -بحسب شيمي- وتعكس عشقه العميق للسينما، حيث تحدث خلالها عن شغفه الفني، ودراسته للإخراج، والتحديات التي واجهها في رحلته المهنية.

"البطيخة".. أول تعاون سينمائي بينهما

في عام 1972، تحققت أولى خطوات التعاون الفعلي بينهما من خلال فيلم "البطيخة"، وهو فيلم قصير بلغت مدته تسع دقائق، كان بمثابة العمل السينمائي الأول الذي جمعهما على أرض الواقع، إلا أن المحطة الأهم جاءت عام 1977، حين عاد محمد خان إلى مصر بشكل نهائي، ليقدم فيلمه الروائي الأول "ضربة شمس"، بعد أن نجح في إقناع الفنان نور الشريف ببطولته، لتكون هذه التجربة بمثابة الانطلاقة الحقيقية لمسيرته السينمائية.

اقرأ أيضًا:معرض الكتاب الـ 56.. نساء صنعن التاريخ وأطفال عايشوا الحرب

توثيق الرسائل في كتاب يؤرخ لمسيرة خان

عن فكرة تحويل هذه المراسلات إلى كتاب يوثق رحلة خان الفنية والشخصية، يوضح شيمي أنه شعر بمسؤولية كبيرة تجاه صديقه الراحل، وقد غمره حزن عميق بعد وفاته، ما دفعه إلى تصنيف الرسائل وترتيبها وعرضها على الناقد محمود عبد الشكور لتقييم قيمتها الأدبية والتاريخية.

"استغرقت خمسة أشهر في ترتيب الرسائل وإعدادها للنشر، حتى خرجت في ثلاثة أجزاء، تحمل عناوين: "مشوار حياة"، و"انتصار السينما"، و"مصري للنخاع"، لتكون هذه الكتب شهادة حية على مسيرة مخرج عاش ومات وهو يحلم بالسينما.

في حب الصورة والكلمة

الناقد محمود عبد الشكور.. حديث خاص لـ فكّر تاني

الناقد محمود عبد الشكور أثناء حديثه مع فكّر تاني
الناقد محمود عبد الشكور أثناء حديثه مع فكّر تاني

في حديث خاص لـ فكر تاني، صرّح الكاتب والناقد الفني محمود عبد الشكور بأن معرض الكتاب هذا العام يشهد حضورًا قويًا للكتب التي تناولت العلاقة بين الأدب والسينما، خاصةً في جناح الهيئة المصرية العامة للكتاب، حيث ضم العديد من الإصدارات التي وثّقت هذا التداخل الإبداعي بين الفنين. 

وأشار إلى أن بعض هذه الكتب كانت مترجمة، بينما كان لبعض الكتّاب المصريين مساهمات بارزة في هذا المجال، من بينهم مدير التصوير السينمائي سعيد شيمي، نجم هذا اللقاء- الذي قدّم كتابين مميزين هما: "حياة في السينما" و"بلاغة المشهد السينمائي".

وأوضح عبد الشكور أن هذين الكتابين، رغم صغر حجمهما، يمثلان إضافة مهمة، حيث يخلّد شيمي فيهما مشاهد سينمائية من تاريخ السينما المصرية، ويشارك القرّاء ذكرياته الشخصية مع بعض هذه المشاهد التي أثّرت فيه. ويوصي عبد الشكور كل المهتمين بالسينما، بقراءة هذه الكتب والاستمتاع بها، لما تحمله من رؤى عميقة حول صناعة الأفلام وأثرها في وجدان المشاهد.

اقرأ أيضًا:معرض الكتاب الـ56.. أي مخاطر أخلاقية قادمة للتكنولوجيا؟

صالون ثقافي شهري لمحبي السينما

وخلال حديثه، أشار الناقد الفني محمود عبد الشكور إلى أن سعيد شيمي يدير صالونًا ثقافيًا شهريًا في جمعية كتاب ونقاد السينما، حيث يلتقي بمجموعة من عشاق السينما، خاصةً الشباب الطامحين لدخول هذا المجال، في جلسات مفتوحة تهدف إلى مناقشة قضايا السينما المصرية والعالمية، وتقديم الإرشادات العملية حول الصناعة، مؤكدًا أن هذا الصالون يعد فرصة قيمة لمحبي السينما، حيث يمكنهم التعلم والاستفادة من خبرات شيمي الواسعة.

كما أشاد عبد الشكور بدور معرض الكتاب في الجمع بين السينما والأدب، مشيرًا إلى أنه يمثل ظاهرة ثقافية مهمة، تتيح لمحبي الفنون والآداب فرصة الاطلاع على أعمال ثرية ومتنوعة.

وأشار الناقد الفني إلى أن المعرض يتميز بتنوع فكري كبير، حيث يضم كتبًا من مختلف الفئات والاتجاهات، ما يتيح للقارئ فرصة اختيار ما يناسبه ويعبر عن اهتماماته، وشدّد على أهمية زيارة المعرض والاستفادة من هذا التنوع الثقافي، داعيًا الشباب إلى استثمار هذه الفرصة لتنمية معارفهم والاطلاع على أفكار جديدة.

السينما والأدب.. عالمان متكاملان أم منفصلان؟

وفي إجابته على سؤال حول تحويل الأعمال الروائية إلى أفلام سينمائية، وهل يخدم ذلك النص الأصلي أم يقلل منه، أوضح عبد الشكور لـ فكّر تاني، أن لكل من السينما والأدب خصوصيته ورونقه الخاص، قائلًا: "أؤمن أن كل عمل فني له طابعه المستقل، السينما لها تفردها والأدب له زهوته، ولا يمكن القول إن أحدهما يخدم الآخر بالضرورة، فكل مجال يخضع لمعايير فنية مختلفة، ولكل منهما أدواته الخاصة في التعبير عن الأفكار والقصص".

وأكد الناقد محمود عبد الشكور أن التحولات الفنية من الأدب إلى السينما ليست مجرد ترجمة بصرية للنصوص الأدبية، بل هي عملية إبداعية مستقلة تخضع لرؤية المخرج وفريق العمل، ما يجعلها تجربة متميزة بذاتها، حتى لو استمدت جذورها من نص أدبي.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة