مساحة جديدة لجأ إليها سياسيون والعديد من أسر سجناء الرأي، في محاولة لفك ألغاز تعطيل قوائم الإفراج عن سجناء الرأي من المحسوبين احتياطيًا والمحكومين، بمخاطبات مباشرة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي.
هذه المناشدات تزامنت أيضًا مع مقترح بإنهاء ملف سجناء الرأي مقابل توقيع المفرج عنهم إقرارًا بالموافقة على توقيع العزل السياسي عليهم لمدة 5 سنوات، طرحه الباحث السياسي والحقوقي مصطفى شوقي، بينما اتجهت الحركة المدنية إلى تقديم بلاغ رسمي إلى النائب العام، عبر وفد رفيع المستوى من قياداتها، وسط مناقشات داخل الحركة حول أسباب تجميد الملف وعدم حلحلته في الفترة الأخيرة.
يأتي ذلك في وقت أكد المستشار محمود فوزي، وزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي، في كلمة بمجلس النواب في 14 يناير الجاري، أن مصر بها محكوم عليهم في جرائم جنائية أو متهمون وفقًا للقانون، ويحاكمون أمام قاضيهم الطبيعي ووفقًا للقانون وطبقًا للإجراءات المقررة وبالضمانات الدستورية الواجبة. فيما نفى وجود معتقلين ردًا على حديث أحد النواب عن سجناء الرأي، وصف المسجونين سياسيًا بالـ”معتقلين”.
سجناء الرأي.. الملف المُجمد
بحسب مصادر “فكر تاني”، فإن ملفات سجناء الرأي موجودة لدى الجهات المعنية جميعها، لكنها تعاني من تجميد خلال الفترات الماضية، خاصة بعد توقف نشاط لجنة العفو الرئاسي عند تقديم الأسماء، وعدم وجود جديد يذكر حول الملف عند قنوات التواصل بين أحزاب المعارضة والجهات التنفيذية المعنية.
وترجح بعض المصادر أن يشهد ملف الحبس الاحتياطي انفراجة محدودة بعد انتهاء مجلس النواب من إقرار قانون الإجراءات الجنائية في الفترة الأخيرة، لكن لا توجد مؤشرات على ذلك حتى الآن.

وأصدرت جهات التحقيق خلال الشهر الأخير قرارات إحالة لعدد من القضايا إلى المحاكمة الموضوعية، بعد سنوات من الحبس الاحتياطي، في دلالة لدى بعض المحامين العاملين في الملف على ترتيبات تخص قوائم الإفراجات، بحيث يقتصر الأمر على المتبقين فقط في الحبس الاحتياطي، وفق حديثهم لـ”فكر تاني”.
ويؤكد المحامي الحقوقي خالد علي ضرورة “تصفير هذه السجون وإطلاق سراح كل من لم يشارك في أي أعمال عنف أو تخريب”.
ويضيف علي لـ”فكر تاني” أنه آن الأوان بعد كل هذه السنوات من قيام ثورة يناير أن يتم إغلاق هذا الملف. ويوضح أن شباب وبنات مصر يواجهون ما يصفه بـ”قبضة أمنية مفزعة”، تمنعهم من التعبير عن آرائهم وأفكارهم وانحيازاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حتى امتلأت بهم السجون، مؤكدًا أن الوقت يتطلب إنهاء القبضة الأمنية وفتح المجال العام وإنهاء ملف الحبس الاحتياطي وسجناء الرأي.
مناقشات مليئة بالإحباط
داخل الحركة المدنية، تسود مناقشات مليئة بالإحباط الممزوج بالغضب من تأخر قوائم الإفراج، وفق مصدر بالحركة تحدث لـ”فكر تاني”.
وفي اجتماع 15 يناير الجاري، ناقش مجلس أمناء الحركة المدنية الديمقراطية الملف في حضور مدحت الزاهد رئيس مجلس أمناء الحركة رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، وحمدين صباحي القيادي بالحركة، وطلعت خليل منسق عام الحركة عضو المجلس الرئاسي لحزب المحافظين، وجميلة إسماعيل رئيسة حزب الدستور، وصلاح عدلي رئيس الحزب الشيوعي المصري، وسيد الطوخي رئيس حزب الكرامة، ووليد العماري المتحدث الإعلامي للحركة.

وأوضح المصدر أن الاجتماع أصر فيه الحضور على تضمين بيان الاجتماع مطلب “الإفراج عن سجناء الرأي” كمقدمة لتهيئة المناخ الانتخابي، حيث أشارت الحركة في بيانها إلى أن “توفير مناخ مناسب لإجراء الانتخابات يتطلب الإفراج عن المعارضين السلميين من أصحاب الرأي”.
وكان الزاهد قد أكد في حواره مع منصة “فكر تاني” مؤخرًا أن إطلاق سراح سجناء الرأي شرط مهم للمشاركة في الانتخابات المقبلة.
ولم تمر أيام حتى تقدم وفد رفيع المستوى من الحركة المدنية في 20 يناير بطلب للنائب العام برقم 5355 لسنة 2025، لإخلاء سبيل المحبوسين على ذمة قضايا الرأي.

وضم الوفد الزاهد، وصباحي، وجميلة إسماعيل، وخليل، والعماري، وهلال عبد الحميد، وكيل مؤسسي حزب الجبهة الديمقراطية، فيما وقع على العريضة عدد من القيادات البارزة في الحركة، منهم عبد الجليل مصطفى، وعمار علي حسن، وأكمل قرطام، رئيس حزب المحافظين، وأحمد بهاء شعبان، الأمين العام للحزب الاشتراكي، وأكرم إسماعيل، وكيل مؤسسي حزب العيش والحرية تحت التأسيس، وسمير عليش، القيادي بالحركة المدنية، ومجدي عبد الحميد فرج، القيادي بالحركة.
والتقت رئيسة حزب الدستور، مفوضةً من الوفد وممثلة للحركة المدنية، المستشار محمد حسام، رئيس الاستئناف بمكتب النائب العام المكلف من النائب العام، لمناقشة العريضة واستلامها، وعرضت تفاصيل العريضة، فيما تعهد حسام بعرضها على النائب العام.
محاولة للفهم من شباب يناير
في مسار مختلف، صاحب اقتراح الحقوقي مصطفى شوقي جدلًا على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، بين شباب الحركة المدنية الديمقراطية وجيل الوسط من شباب ثورة 25 يناير 2011.
يوضح شوقي، في حديثه لـ”فكر تاني”، أن مقترحه كان محاولة للفهم في ظل صعوبة تطبيقه، ومحاولة للإجابة على سؤال رائج هو: “حتى متى يكون هذا الموقف العدائي الراهن من السلطة التي تمثل يونيو 2013 لثورة 25 يناير 2011 وكل من يمثلها؟”.

ويضيف أنه رغم مرور أكثر من 10 سنوات، إلا أن السلطة مصرة على عدم الاعتراف أو التصالح أو التعامل مع أبناء يناير 2011، وهو ما يلقي بظلاله على المجال العام ويعمق الأزمة، موضحًا أن بعض شباب يناير اندمجوا بمساحات مختلفة مع السلطة، والبعض الآخر يشارك في أي مبادرة جادة من السلطة للحوار حول الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي.
ويؤكد شوقي أن شباب يناير متمسكون بالوضوح والنهج السياسي السلمي والتوجه إلى شعارات يناير الرئيسية من عيش وحرية وكرامة إنسانية، وبالتالي فهم لا يمثلون خطرًا إرهابيًا أو تهديدًا لثوابت الدولة، مؤكدًا أهمية إنهاء هذا الملف في أقرب فرصة ممكنة.
رسائل إلى الرئيس
بعث العديد من السياسيين رسائل إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، فيما نشرت “فكر تاني” على مواقع التواصل الاجتماعي تحت وسم “رسالة إلى الرئيس” عددًا من مناشدات ذوي السجناء، الذين طالبوا الرئيس بتفعيل حقه الدستوري بالعفو الرئاسي عن ذويهم، ومنهم: شادي علي علي محمد الشهير بـ”شادي محمد”، والمصور الصحفي محمد عطية أحمد عطية الشهير بـ”محمد الشاعر”، والشاب عمر محمد علي، والطالب علي محمد علي أبو المجد قطب، والمترجمة مروة عرفة، فيما أرسلت أسرتا السياسيين علاء عبد الفتاح ومحمد عادل رسائل إلى الرئيس للعفو عنهما.
يصف المحامي طارق العوضي، عضو لجنة العفو الرئاسي، ملف سجناء الرأي بأنه الملف صاحب الأولوية والأهمية للجميع، سلطة ومعارضة، مؤكدًا أن الملف بات مزعجًا للمعارضة وأداة للضغط على السلطة في الخارج، ما يجعل من مصلحة السلطة إنهاءه.

ويقول في حديثه لـ”فكر تاني”: “غالبية المحبوسين لا يستحقون البقاء في السجون، ولو يستحقون فغالبيتهم أنهوا أقصى مدة مقررة للحبس الاحتياطي، واستمرارهم في الحبس لا يتناسب مطلقًا مع الاتهامات الموجهة لهم”.
ويضيف أنه كان يتمنى مع إصدار قرارات بالعفو الرئاسي عن عدد من الجنائيين، أن يمتد الأمر إلى السياسيين، وتضاف إلى ذلك قرارات إفراج عن المحبوسين احتياطيًا، موضحًا أنه منذ عام، ليس لديه أدنى معلومة عن لجنة العفو الرئاسي، ولا يتلقى ردودًا على الطلبات التي يقدمها.
“لدينا إحساس بإصدار قرار ضمني بتجميد غير معلن للجنة العفو الرئاسي، والواقع يعزز ذلك”، يقول العوضي، مضيفًا أن الملف يحتاج إلى سرعة إغلاق بكل ما فيه.

وأطلق كل من السياسي حمدين صباحي نداءً إلى الرئيس عبر حسابه الرسمي على موقع “فيسبوك”، جدد فيه مطلب الإفراج عن كل سجناء الرأي الذين لم يرتكبوا عنفًا ولم يحرضوا عليه، تحقيقًا للعدل، في ظل التحولات العميقة في العالم العربي، التي يرى أنها تتطلب المزيد من الانتباه والحرص والتكاتف بين الجميع لمواجهة الأخطار عبر تماسك مصر واستقرارها ووحدة جبهتها الوطنية.
وفي الإطار نفسه، دعا النائب السابق عماد جاد، مستشار مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، في رسالة إلى الرئيس عبر حسابه على موقع “فيسبوك”، إلى وقف عمليات القبض العشوائي وفتح المجال العام، واحترام التعددية والتنوع.

كما قدمت الأكاديمية رفيدة حمدي، زوجة محمد عادل المتحدث السابق باسم حركة شباب 6 أبريل، خطابًا يوم الإثنين الماضي إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، ناشدته فيه استخدام صلاحياته لإصدار قرار بالعفو الرئاسي عن زوجها.
وفي منشور عبر حسابها على “فيسبوك”، أوضحت رفيدة أن زوجها محمد عادل، الصادر ضده حكمًا بالسجن 4 سنوات في 2 سبتمبر 2023، من المفترض أن يكمل مدة حكمه في 26 يناير الجاري، مبينةً أنه قضى فترة الحبس الاحتياطي على ذمة القضية من 19 يونيو 2018 حتى 27 يناير 2021، والمفترض أن تختصم قانونًا من فترة الحكم الصادر بحقه.


