سد الجوع.. شعار تكايا قاهرة المعز في زمن الغلاء (2-3)

في شارع "السد"، مع نهاية مسجد السيدة زينب، في وسط القاهرة التاريخية، ستجد على يسارك، وأنت قادم من الميدان، لافتة مكتوب عليها "تكية الرحمن"، وإلى جوارها عبارة "أكل ببلاش". هنا تتشابك قصص العطاء مع الرأفة، وتعلو معاني الرحمة والتكافل الخيري الشعبي، في مشاهد يلمسها الفقراء من رواد زيارة مساجد القاهرة التاريخية.

اقرأ أيضًا: حبايب السيدة والحسين في تكايا قاهرة المعز (1-3)

والتكية، وفقًا للباحثين، تعد من العمائر الدينية المهمة التي تعود نشأتها إلى العصر العثماني. وحديثًا، باتت تعني "المأوى"، وهو المكان الذي يقيم فيه الفقراء أو المسافرون أو حتى المحتضرون الذين ينتظرون وفاتهم، وعادةً ما يتم الإنفاق عليها من قبل جهات أو منظمات دينية. لكن في وسط القاهرة، ارتبطت التكية عادةً بالإطعام.

يقول الشيخ عبد اللطيف الشرقاوي، المشرف على إحدى الخدمات، إن التكية تختلف عن الخدمة. فالأخيرة هي خدمة الفقراء وإطعامهم، وبدأت مع المهاجرين في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بينما نشأت التكية بعد ذلك وكانت تحت إشراف الدولة في العهود الإسلامية السابقة. أما الآن، فقد انتهى هذا الدور الرسمي. ومع ذلك، ترى "الحاجة حلاوتهم"، صاحبة إحدى خدمات الإطعام، أن "التكية هي الخدمة بعينها".

تكية الرحمن - فكر تاني
تكية الرحمن - فكر تاني

تكية الرحمن.. الفقراء وأسر المرضى

إلى جوار لافتة "تكية الرحمن"، توجد لافتة صغيرة تحمل اسم أحد مشاهير رجال الأعمال العرب. وبحسب العاملين في التكية، فإن التمويل يأتي من زوجته الفنانة المصرية الشهيرة، بينما تتولى ابنتهما إدارة التكية كمساهمة في مساعدة الفقراء.

إسلام سيف، أحد المشرفين على التكية، شاب في الثلاثينيات من عمره، ولد في منطقة السيدة زينب، وحصل على بكالوريوس التجارة عام 2019. يسعى إلى إدارة التكية بشكل يليق بالمترددين عليها.

يقول سيف لـ"فكر تاني": "احنا ما بنقدمش طبيخ في أطباق، بنقدم وجبات. يوميًا بنقدم 500 وجبة، فراخ ورز وخضار. بنوزعها هنا يوم في الأسبوع، وباقي الأيام بنروح بعربية نوزعها عند مستشفى الأطفال للأهالي المقيمين خارج المستشفى".

ويُبرر سيف عدم تقديم وجبات يومية للفقراء من أهل المنطقة بأن أهالي الأطفال المرضى أكثر استحقاقًا، لأنهم مغتربون وأكثر تحضرًا في التعامل مع استلام الوجبات، على حد وصفه.

يعاني سيف من الدخلاء الذين يزاحمون الفقراء والمحتاجين في طوابير توزيع الوجبات بدافع الفضول أو الطمع، مما يتسبب في تعكير النظام المخصص للمستحقين.

سألنا بعض رواد التكية عن جودة الطعام، فقالوا إن الأكل جيد جدًا باستثناء الدجاج، الذي يحتاج إلى مزيد من العناية، وهو ما نفاه سيف مؤكدًا أن النظافة تُعد أمرًا أساسيًا في التكية.

ومع ذلك، أشار كل من محمد الناجي وسمارة، وهما من المترددين على التكية، إلى وجود قصور في الأداء، مؤكدين أنه تم تغيير الطباخين سابقًا بسبب بعض هذه الملاحظات.

يقول سيف موضحًا حرصهم على تقديم كميات كافية رغم ارتفاع الأسعار: "إحنا بنطبخ 20 كيلو أرز يوميًا، الأرز درجة أولى، ومعاه خضار بنفس المستوى، بنستخدم 4 كيلو فاصوليا ولوبيا، وشوال بطاطس 50 كيلو، والطماطم 20 كيلو مع معجون الصلصة".

تكية السيدة زينب.. أكل على أنغام التهامي وابن الفارض

بعد تكية الرحمن، في شارع السد، يأتي صوت الشيخ ياسين التهامي منشدًا:" قلبي يحدثني بأنك متلفي، روحي فداك عرفت أم لم تعرفِ"، من قصيدة لسلطان العاشقين ابن الفارض.

اطعام الفقراء في التكايا يصاحبه روحًا للتكافل - فكر تاني
اطعام الفقراء في التكايا يصاحبه روحًا للتكافل - فكر تاني

كلما اقتربت من مصدر الصوت، تلمح أكثر من 40 "كولمان" بألوان مختلفة، مملوءة بالمياه الباردة، وعلى كل "كولمان" كوب من الألمنيوم معلق بخيط. تتراص هذه "الكولمانات" بشكل لافت على طاولات حديدية وخشبية، يفصل بينها ممر صغير يؤدي إلى داخل التكية التي تمتد على مساحة تزيد عن 50 متراً. تتوسط الساحة طاولات حديدية كبيرة محاطة بكراسٍ بلاستيكية مخصصة للرجال، بينما تحيط الطاولات البلاستيكية كراسٍ بلاستيكية أخرى مخصصة للنساء والأطفال.

في آخر الساحة، وقبل المبنى الصفيحي الأخضر اللون، تجد على يسارك عصيًّا تنتهي أعلاها بفرعين قصيرين، بعضها مغطى بالجلد. بجوار العصي، يوجد برميلان، أحدهما عليه قورمة جزارة، ويقف على أحد البرميلين صقران؛ أحدهما حر ولكنه لا يطير، ويكتفي بفرد جناحيه أو الأكل والشرب، بينما الآخر مربوط من قدميه.

على الجانب الآخر، توجد مسابح وخيزران، بعضها مطعّم وبعضها سادة، بألوان وأشكال متنوعة.

عن الصقر، يقول الجعفري: "هذا نوع نادر من الصقور واسمه 'إمبريال ملكي'. سميته حورس، واسم حورس يعني 'من هو فوق' و'البعيد'." أما العصي الموجودة على يسار الداخل إلى التكية، فيوضح أنها مأخوذة من أشجار "السلم" بوادي حميثرة، وهو شريط طويل من الشجر يربط مصر بالسودان. هذه الأشجار، التي تتحمل الجفاف وتعيش على المياه الجوفية، يُقال إنها مباركة، ويُصنع من أغصانها عصي تُستخدم من قبل كبار المتصوفة وبعض الفقراء. تُباع هذه العصي مقابل 50 جنيهاً فقط، وتُقطع من الشجرة الأم بطريقة خاصة، حيث يتم قص حوالي 20 سنتيمتراً من الفرعين بواسطة مشرشرة أو محشة.

يضيف الجعفري: "بعد قطع الفرع، نخرج زكاة تتمثل في عجينة من الدقيق والسكر، نضعها مكان القطع لتأكل منها النمل."

أما العصا ذات الفرعين القصيرين، أو العصا المزدوجة، فيرتبط بها المتصوفة، حيث يُقال إنها تشبه سيف الإمام علي بن أبي طالب.

ملزمة السيدة زينب

في الظهيرة، جلست "فكّر تاني" بين طالبي الطعام. جاء أطفال يحملون صواني بلاستيكية عليها عدد من أطباق الألومنيوم، كل طبق يحتوي على مكرونة بالصلصة. كان يقف على القزان شخصان؛ الأول يرتدي قميصًا وبنطلونًا تظهر عليهما بقع الصلصة، بينما الآخر يرتدي جلبابًا أبيض نظيفًا ويضع عمامة بيضاء، ذو لحية كثيفة ووجه أسمر. كان الأول يغرف المكرونة في طبق ويضعها في الأطباق الأخرى، بينما الثاني بالمغرفة يضع الصلصة على المكرونة.

بعد الانتهاء من إطعام الفقراء، توجهنا إلى "الشيخ أسامة الجعفري".

أحد مطابخ اعداد الطعام - فكر تاني
أحد مطابخ اعداد الطعام - فكر تاني

دعانا للجلوس داخل متجره، حيث توجد كتب على الأرفف وصورة له مع الصقر. وعلى الطاولات هناك "شالات" في أكياس بلاستيكية، وجلاليب بيضاء، وكوفيات صوف.

يقول الجعفري: "اسمي أسامة الجعفري من آل البيت، جدي الشيخ صالح الجعفري، وجدي الـ43 هو سيدنا الحسين رضي الله عنه. وكان سيدي صالح الجعفري من علماء الأزهر الشريف. من صغري، لم أصدق كل ما قالته لي عائلتي حول كوننا من آل البيت، وأنني يجب أن أقتدي بهم وأتحلى بالخلق الصالح وأتبع نهجهم".

يتنهد الجعفري، ويضيف أن شبابه مر في كازينوهات شارع الهرم، وعمل "فرد حراسة" مع العديد من الفنانين. ويقول إن هؤلاء الفنانين يأتون إلى مائدة الرحمن التي يقيمها في شهر رمضان في إحدى ضواحي القاهرة. وقد قرر التوجه إلى الإطعام بعد رؤيا منامية، دفعته، وفقًا لما يؤمن، إلى "ملزمة مسجد السيدة زينب" وإقامة هذه التكية قبل خمس سنوات، بالإضافة إلى دعم أربع تكايا أخرى في بحري وقبلي.

"يا أهل مصر نصرتمونا نصركم الله، وآويتمونا آواكم الله، وأعنتمونا أعانكم الله، جعل الله لكم من كل ضيق مخرجًا ومن كل هم فرجًا"، هذا الدعاء الشهير للسيدة زينب، يزين جدران التكية الخضراء، بجانب كتابات باللون الأبيض، تحمل ألقاب السيدة زينب، مثل "المشيرة"، و"رئيسة المجلس"، و"عقيلة بني هاشم".

تأثير الأوضاع الاقتصادية

مسجد السيدة زينب- فكر تاني
مسجد السيدة زينب- فكر تاني

"مصروفاتنا اليومية تشمل 50 كيلو مكرونة، أو 30 كيلو أرز و3 أو 4 كيلو عدس، بالإضافة إلى 15 كيلو فول نابت. وعندما يكون الفول بالصلصة، نصنع 10 كيلو فول، وفي يوم الجمعة نقدم فتة ولحمة. نتجنب العيش لأنه مكلف، حيث يصل سعره إلى 600 جنيه للعيش. ولذلك، عندما نعد الأرز والمكرونة، يتناولها الجميع"، يضيف الجعفري، مشيرًا إلى الأزمة الاقتصادية التي تؤثر على مستلزمات الإطعام في التكية.

أما عن توصيل الطعام إلى مستحقيه، فيستكمل الجعفري قائلًا: "أحيانًا نقدم خدماتنا 'دليفري' عندما يقترب المخزون من الحبوب من أن يصبح غير صالح للاستخدام".

وعن تأثير ارتفاع الأسعار على طعام الفقراء، قال الجعفري: "الآن نقدم ما يسد الجوع فقط، أما قبل ذلك، حين فتحت التكية قبل خمس سنوات، كنا نقدم لحومًا يوميًا، إما دجاجًا أو لحمًا، مع الأرز والخضار. كنت أقدم وجبتين مشبعتين".

ويضيف: "لكنني الآن آكل من طعام الفقراء الذي أقدمه لهم، حتى أتأكد من أنها وجبة مشبعة. طبق الكشري عندي يكلفني 4 جنيهات إلا ربع، بحساب الماء والكهرباء والغاز، وحتى الماء والصابون الذي أغسل به. بينما في المطاعم، لا يقل سعر طبق الكشري عن 20 جنيهًا اليوم! أما في الموالد، فتعمل التكية على مدار 24 ساعة".

جميع أطياف المصريين

وعن رواد التكية، يقول الجعفري: "يأتي إلى التكية هنا جميع طوائف المصريين، ليس الفقراء فقط. يأتي لنا زوار السيدة، ومنهم أصحاب مناصب".

ولا يرى الجعفري فرقًا بين التكية والخدمة، مؤكدًا أن جميع ما يتم تقديمه هو "نفحات من عند الله للفقراء".

ويوضح أن "التكية موجودة في مصر منذ أيام محمد علي"، فيما يرى أن "تعميم التكايا على مستوى الجمهورية فكرة تستحق الدراسة، حيث إنها ستوفر الكثير من الجهد والوقت والمال".

تكية المحروسة

ولا تقتصر التكايا على السيدة زينب، فقد أنشأ بنك الطعام المصري "تكية المحروسة"، وهي برنامج لتلبية احتياجات الفقراء والمحتاجين الغذائية، حيث يقوم بتجهيز وتوزيع وجبات ساخنة يوميًا للفقراء والأسر المحتاجة مجانًا على مدار العام، في شكل وجبات يومية للمستحقين من خلال مطابخ مجهزة.

تكية المحروسة
تكية المحروسة

وتستهدف التكية المرأة المعيلة، وكبار السن، وحالات العجز والإعاقة، والطلبة الوافدين، وعابري السبيل. ويتم تنفيذ برنامج التكية في 16 محافظة من محافظات الجمهورية، وهي: "القاهرة، الجيزة، البحيرة، الدقهلية، الغربية، المنوفية، الشرقية، كفر الشيخ، الفيوم، بني سويف، المنيا، أسيوط، سوهاج، الأقصر، أسوان، البحر الأحمر".

ويصل عدد الوجبات المقدمة شهريًا إلى 61,000 وجبة تكفي 2,100 مستحق يوميًا في المحافظات المذكورة سابقًا. وتتكون الوجبات من "أرز أو مكرونة مع دجاج أو لحمة وخضار".

ويدعو بنك الطعام إلى المساهمة في التكية بمبلغ 500 جنيه، أو تقديم مبلغ مقابل الوجبة الساخنة وهو 65 جنيهًا.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة