الجمعة, يناير 16, 2026
spot_img

حبايب السيدة والحسين في تكايا قاهرة المعز (1-3)

هنا كانت الخيول، التي هدّها التعب، تجري، ترقص كالطير بين البيوت والمقابر والمزارات التي أنقضها الزمن والحكومات!

كانت العجلات الحربية تجري خلف العدو فتطرده خارج الحدود، لتعود فتبني الحياة بما فيها من معابد ثم كنائس وأديرة ومساجد ومقامات، كانت ذات يوم قلاعًا للعلم والطب والرياضة والطعام والسكنى. ولم يتبقَّ منها سوى الطعام، وأحيانًا المأوى.

بين حيين عريقين من أحياء قاهرة المعز، تتبعت فكّر تاني آثار ما تبقّى من تكايا وخدمات تقدم الطعام مجانًا للفقراء إلى جوار مقامات الأولياء والمساجد.

لا عبق للتاريخ هنا غير عبق العرق والسعي خلف لقمة العيش. بالكاد تستطيع المرور من خرم إبرة؛ زحام بشري هائل في الطريق المؤدية لموائد وخدمات إطعام الفقراء جوار مسجدي السيدة زينب والحسين.

لكل فعل حكومي رد فقر

المنطق يؤمن بالعلاقة الطردية بين الأسعار والفقراء؛ كل لحظة ترتفع فيها الأولى تزداد فيها أعداد المنتمين للأخرى. هكذا أيضًا تثبت أرقام البنك الدولى أن معدل الفقر الوطني لمصر ارتفع في عام 2022 إلى 32.5%من 29.7% في العام المالي 2019-2020.

وتوقعت ورقة بحثية، نُشرت في يونيو 2023، أعدتها الباحثتان هبة الليثي ودينا أرمانيوس، ارتفاع معدل الفقر في مصر من 29.7% في عام 2020 إلى 38% في عام 2023. جاءت هذه التوقعات استنادًا إلى سيناريو يفترض معدل تضخم يبلغ نحو 23%.

مواطنون في ساحة أهل المحبة بالسيدة زينب - فكر تاني
مواطنون في ساحة أهل المحبة بالسيدة زينب – فكر تاني

“بكرة جاي للخدمة وليمة كبيرة، رأس ذبيحة والسقط بتاعها”؛ يقول عم سباعي، أحد طباخي الخدمات المجاورة لمقام السيدة زينب، فرحًا، مبررًا وصفه للرأس والسقط “أحشاء الذبيحة” بالوليمة الكبيرة، بأن هذا هو المُتاح مع الارتفاع الجنوني بالأسعار والانخفاض الرهيب لقيمة الجنيه.

في السنوات العشر الأخيرة، انخفض الجنيه المصري أكثر من مرة أمام الدولار، وتوقعت مؤسسة كابيتال إيكونوميكس تراجع سعر الجنيه المصري أمام الدولار إلى 49 جنيها بنهاية العام لجاري، 2024.

يأتي ذلك مع اتجاه الحكومة، الفترة المقبلة، إلى رفع أسعار الغاز الطبيعي للقطاع الصناعي بمختلف فئاته الإنتاجية، ما يؤدي بدوره لارتفاع الأسعار، خاصة أسعار المواد الغذائية والخضراوات واللحوم.

وارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي في الأيام الأخيرة، إلى 150 جنيهًا بدلًا من 100، بزيادة بلغت 50 جنيهًا، وسط مخاوف واسعة لتأثير ذلك على أسعار الغذاء، وهو ما برره مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، بأنه جاء “بعد أن فاقت الأوضاع قدرة الدولة على استيعاب ارتفاع الأسعار في استمرار الدعم بنفس القيمة”.

ويصل إنفاق المصريين إلى 1.1 تريليون جنيه في العام الحالي 2024 بينما يتوقع أن يصل إلى 1.2 تريليون جنيه في عام 2025. بحسب “فيتش سوليوشنز”، التي ترى أن الإنفاق على الطعام في مصر سيصل إلى 1.3 تريليون جنيه في عام 2026.

المبلغ الذي نراه كبيرًا، لا يعنى سوى أن أغلب المصريين لن يأكلوا سوى بعض الحبوب والخضراوات، فوجبة الإفطار التي تعتمد على الفول فقط تصل لما يزيد عن 20 جنيهًا، أما اللحوم بأنواعها، فهي لمن استطاع إليها سبيلًا.

لذلك، لسان حال رواد الخدمات عندما يعلمون بأن هناك نفحة لحوم أو دجاج آتية لإحدى خدمات الإطعام، هو أن يبلغوا بعضهم بعضًا بأن “الخدمة الفلانية فيها لحم”، مما يجعلهم يشدون الرحال إليها كشد الرحال إلى الأراضي المقدسة، أفواجًا من كل فج عميق تحمل معاناته.

خدمة الحاجة زكية

في الطريق إلى الخدمة، تسير في حواري وأزقة، بعد أن تمر إلى جوار الباب الأخضر والمئذنة القديمة لمسجد الحسين. تسأل عن خدمة الحاجة زكية، فتجد كثير من المارة يعرفونها جيدًا: “تمر بدرب القزازين وفندق نجمة الحسين في آخر الشارع، شمال في يمين”.

جانب من تجهيزات الطعام في إحدى الساحات - تصوير فكر تاني
جانب من تجهيزات الطعام في إحدى الساحات – تصوير فكر تاني

قبل أن تدخل أول شارع يمين تجد قهوة أحمد عبد العال، على المقهى يافطة كبيرة من الأرابيسك عليها اسمه وتحتها يافطة صغيرة من الخشب مدهونة باللون الأسود، مكتوب عليها باللون الأبيض “كله طلع شمال”، وعلى مدخل المقهى رسم جرافيتي للشيشة.

في آخر درب الطبلاوي منزل من عدة أدوار، يعلن نهاية الحارة، على داخلها العودة من حيث أتى، بين مبانٍ أكلها القدم، وعشش من صفيح وخشب، وقطعة أرض خلاء، يحاوطها سور من الطوب الأحمر، تجد أطفالًا ونساء قادمين بأطباق وحلل صغيرة مملوءة بالطعام.

يميز ساحة الحاجة زكية انتهاء درب الطبلاوي بها، وارتفاعها، ولونان من الخارج باللون الأخضر والأخضر الليموني. على عدة درجات لسلم صغير تدخل الساحة، فتعبر المدخل يمينًا تجد صالة عرضها لا يزيد على مترين وطولها حوالي 5 أمتار، باللون الأخضر أيضًا. وبوسط الحائط مساند حديدية توضع عليها أطباق الطعام، يأخذك الممر لباحة كبيرة تنزل لها بدرجتي سلم: “الباحة 4 أمتار في حوالي 10 أمتار.. بها 4 ترابيزات تحيط بها 4 مصاطب، كلها باللون الأخضر”.

التقت فكّر تاني محمد الشرقاوي، المسؤول عن مطبخ الخدمة، الذي رفض الحديث قبل تناول الطعام: “في الأول أجيبلك نفحة وبعدين نكمل كلامنا”، وكانت النفحة “طبق مكرونة بالكبدة” وكوب من الشاي.

يقول الشرقاوي بلهجة عامية مصرية: “أنا جيت الخدمة هنا من 6 شهور، كنت قبلها شغال نقاش، ومرة وحدة حبيت أبقى في حضن سيدنا الحسين وحبايبه. سألت ناس صحابي من الشرقية، دلوني على خدمة الحاجة زكية. ولأن صنعتي علمتني أن أعتمد على نفسي في إعداد مأكلي ومشربي، بسبب التنقل من مكان لمكان، كنت أجيد الطبخ، تقدمت للطبخ في الخدمة، وأصبحت أطبخ لأكثر من 500 شخص يوميًا. مش شطارة مني والله، بس ربنا رزقني كدا”.

يبدأ يومه من الساعة 11 صباحًا وينتهي 12 ليلًا. من الساعة 3 لـ5 يقدم وجبة الفول، ومن 5 لـ12 بالليل يقدم وجبة مكرونة أو بطاطس أو لوبيا أو أي نوع خضار. إنما في السبت والخميس، فيوجد مكرونة بالكبدة أو لحمة ورز وخضار، والجمعة يعرف بـ”العدس”.

يوضح أنه للوجبات اليومية يصرف حوالي 25 كجم مكرونة، و5 كجم فول مع 600 رغيف، هذا فضلًا عن البصل والزيت والطماطم، و4 كجم فاصوليا مع 30 كجم أرز.

“يوم اللحمة بيكلفنا حوالي 10 آلاف جنيه لو جبنا 15 كجم لحمة مع الخضار والأرز”؛ يقول الشرقاوي.

ويتابع طباخ خدمة الحاجة زكية، قائلاً: “الساحة هنا، غير إنها بتقدم الطعام للفقراء، تقدم السكن. داخل الساحة في الأدوار العليا يسكن قاهريون وصعايدة يخرجون للعمل صباحًا ويعودون مساءً يساعدون في نظافة المكان، كما يساعدونني في غسيل وتنظيف معدات الطعام. من الشرقية اتنين بس، أنا وعمي يوسف”.

محرر فكر تاني في إحدى ساحات الخدمات - فكر تاني
محرر فكر تاني في إحدى ساحات الخدمات – فكر تاني

تضم الساحة مسجدًا ومقامًا شرفيًا للحاجة زكية، وخلوتها التي كانت تختلي بها مع الله، ومنزل الحاج أحمد محمود، حفيد الحاجة زكية من ابنتها الوحيدة الحاجة نفيسة، التي انتقلت إلى العالم الآخر مؤخرًا، وتركت منزلها لابنها الحاج أحمد، وشقة كانت لرجل عجوز اسمه عمي إسماعيل، كانت والدته ترافق الحاجة زكية.

يقول محمد الشرقاوي: “أعمل وحدي بالمطبخ، أشتري لوازمه في الصباح، وأبدأ في تجهيز الأكل”.

وعن أجره مقابل كل هذا العمل وحده، يقول الشرقاوي: “أحصل على مقابل رمزي فقط، ولا آكل من أكل الخدمة. نجتمع أنا وبعض ساكني الساحة ونأتي بطعام لنا من الخارج”. عندما سألته عن السبب في ذلك، قال: “دا أكل مصروف لهم من عند ربنا، مش مصروف لي”.

خرج علينا في الساحة الحاج أحمد محمود، حفيد الحاجة زكية، مرحبًا باسمًا. في مطلع الخمسين من عمره هو، أبيض تظهر عليه النعمة أينما نظرت فيه، يرتدي جلبابًا لبنيًا مع طاقيته.

دعانا لدخول خلوة الحاجة زكية بعد إطفاء السيجارة. الخلوة صغيرة، لا تزيد مساحتها على مترين ونصف المتر في 3 أمتار، بها كنب صغير على اليمين واليسار، وصورة للحاجة زكية ترتدي نظارة سوداء، وقصائد داخل براويز مكتوبة في الحاجة زكية منها: “أوليتها نعمًا يا صاحب الكرم/ تحار في وصفها مجامع الكلم”.

حكى الحاج أحمد قصة وصولهم لهذا المشهد، الذي نحن فيه الآن، قائلًا: “بداية، نحن من الحسينيين، أحفاد رسول الله صلى الله عليه وسلم. جئنا من بغداد إلى نبروه في الدقهلية، وهنا المقام الشرفي للحاجة زكية، أما المقام الأساسي فهو في ساحة جدتي ساحة آل البيت، في حميثرة ـ مرسى علم بالبحر الأحمر ـ إلى جوار مقام سيدنا الشاذلي، حيث طلبت أن تدفن جواره. وجدتي هي زكية بنت عبد المطلب، وينتهي نسبها إلى سيدنا الحسين”.

وُلدت الحاجة زكية سنة 1900 وتوفيت سنة 1983، وتقع ساحتها خلف مسجد الشيخ مرزوق بحي سيدنا الحسين.

بدأت ساحة الحاجة زكية بمنزل متواضع في أربعينيات القرن الماضي، وانتهت بثلاث عمائر. كانت تقيم الحاجة في الدور الأرضي لإحداها، والباقي خصصته لإقامة المغتربين من الطلبة والعمال والفقراء، خاصة طلبة الأزهر، والإقامة تشمل الطعام.

وُلدت الحاجة زكية في نبروه بالدقهلية سنة 1900، وتوفيت سنة 1983، وبين الميلاد والوفاة حكايات وسفر وترحال وذكر وإطعام، وفقراء يروحون وآخرين يأتون، وزفاف أولياء الله وموالدهم، يقول الحاج أحمد.

يقول حفيد الحاجة زكية: “لأنني لم أعاصر جدتي، فقد توفيت وأنا ابن 3 سنوات. علمت من والدتي الحاجة نفيسة أن جدتي لم تنجب إلا بعد زواجها بـ18 عامًا، ورأت السيدة نفيسة في المنام، فأخبرتها بأنها سترزق ببنت وتسميها نفيسة، وقد كان. وبعد ولادة والدتي بـ3 سنوات انفصلت هي وجدي، وجاءت هنا إلى القاهرة، واشترت بميراثها منزلًا في السيدة زينب تقدم فيه الطعام للفقراء”.

كانت الحاجة تدعو للفقراء: “اللهم اجعل طعامي شفاء لهم، وصلة لهم، وقضاء لحوائجهم”.

حفظت الحاجة زكية القرآن وهي في الخامسة عشرة، وزارت بيت الله الحرام، وتزوجت ابن خالتها، الشيخ محمد المهدي. وللشيخ المهدي مقام في المنزلة.

وللحاجة زكية تلاميذ منهم الحاجة زينات إبراهيم الدرعي والحاج إبراهيم العشماوي، المعروف بالعمدة الزكية. كلهم يطعمون الطعام أيضًا.

“خدمة آل البيت في حميثرة أكبر من هنا بكثير، وروادها أكثر، وما يقدم فيها أضعاف ما يقدم هنا، وأتابع ما يجري فيها من هنا، وأحيانًا أذهب لهناك وأتابع ما يجري هنا من حميثرة”، يقول الحاج أحمد.

خدمة الحاجة حلاوتهم ومحمد عبد الله

أمام قبة مسجد السيدة زينب من ناحية شارع السد، تدخل شارع السيدة زينب، ثم يمينًا حيث حارة حوش الطاحون، فتجد أمامك 5 ترابيزات ودكك خشبية حولها. عرض الترابيزة متر، وطولها يزيد على متر ونصف المتر قليلاً، في قلب الحارة التي سميت بهذا الاسم لأن طاحونة للغلال كانت بها في أيام المماليك والعثمانيين حتى قرب نهاية العهد الملكي، حيث كانت الطاحونة تعمل على طحن الغلال للفقراء في رحاب السيدة زينب.

المواطن محمد عبد الله أثناء المشاركة في تجهيز طعام الخدمة - فكر تاني
المواطن محمد عبد الله أثناء المشاركة في تجهيز طعام الخدمة – فكر تاني

التقت فكّر تاني الحاجة حلاوتهم، التي أوضحت أنها في الأصل مولودة هنا في السيدة زينب، لكن انتقلت الأسرة إلى شبرا الخيمة بعد حادث لها في الصغر، لكنها ظلت تأتي إلى السيدة زينب حتى بعد أن تزوجت، وبدأت في تقديم خدمات الإطعام في الموالد. ومن قبل 3 سنوات، التقت بالشيخ محمد عبدالله نصر، واتفقا على تقديم خدمة الإطعام للفقراء طوال الوقت، لا في الموالد فقط، فجاءا إلى هنا في حارة حوش الطاحون.

ويقول محمد شهدي، القائم على أعمال المطبخ في الخدمة: “هنا نار السلاح، البوتاجاز، لا تنطفئ أبدًا، حتى لو سافرت الحاجة والشيخ محمد إلى أحد الموالد البعيدة أو القريبة، فقد اعتاد الناس على وجود الفول في كل صباح. أدمس الفول من بالليل وبعدها أجهز الخضار، أقوم بتجهيز صلصة الطماطم من بالليل، حتى تقطيع الخضار للوجبة الثانية يتم بالليل، ولا يبقى إلا تسويته ونحن نقدم الإفطار. وفي أحيان أخرى، أقوم بالطبخ وتقديم الطعام وحدي، حتى تنظيف الفوالة والقزانات والأطباق والملاعق. وأحيانًا يكون معي واحد أو اثنان غير دائمين، لكن يأتي بعدهم غيرهم. كلنا نخدم ونقدم الطعام للفقراء بلا مقابل، فهو لله”.

محمد شهدي، حاصل على بكالوريوس تجارة من جامعة المنوفية، عمل في جريدة الغد مع أيمن نور لفترة كان يكتب باسم مستعار، كما يقول، وعمل بعدها مراسلًا لقناة العروبة. وفي صباح يوم، خرج من أحد بارات وسط البلد، متجهًا لمولد الحسين، في زيارة كانت تتأجل منذ سنوات، ومن يومها لم يعد. عمل في خدمات إطعام الفقراء في الحسين بداية من غسل المواعين وصولًا إلى الطبخ. شهدي في نهاية العقد الرابع من عمره، لم يتزوج ولم يعد للعمل بالصحافة، كما يقول لـ فكّر تاني.

وعن مصروفات الخدمة من الطعام يقول شهدي: “نصرف يوميًا 600 رغيف و5 كيلو فول، وأحيانًا يكون بجوارهم لمون أو خيار مخلل.

وفي وجبة الغداء، نصرف 15 كيلو طماطم و25 كيلو كوسة، ومثلهم أرز أو مكرونة، وما إن تنتهي وجبة الإفطار، ندخل في وجبة الغداء، بحيث أي حد يطلب يلاقي أكل، ولما يكون الخضار بطاطس، بنعمل شوال 50 كيلو بطاطس.

وأحيانًا يكون يوم الخميس من كل أسبوع موعدًا لأن نأكل مع الفقراء لحومًا.

يوم الجمعة نصرف فول بعد الصلاة، ونكون قد أعددنا كميات قليلة من الطعام، فأغلب الفقراء يأكلون من نفحات اللحوم بجوار مسجد السيدة.

شقة صغيرة في الدور الأرضي، عبارة عن حجرتين وصالة صغيرة، هي في الأساس طرقة بين الحجرتين والحمام والمطبخ. تخرج منها أطباق الطعام والعيش لما يزيد على 300 فرد يوميًا.

وعن سبب انتقاله من خدمات الحسين لخدمات إطعام الفقراء في السيدة زينب، يقول: “كنت أعرف الشيخ محمد عبدالله من زمان، كنا نجلس سويا هو والفنان حسانين رسام الكاريكاتير ومحمود عبده، وحسانين ومحمد عبدالله كانا يزورانني في الحسين، وحين فكر محمد عبدالله في إقامة خدمة دائمة للفقراء، أخبرني برغبته، وقلت له أنا معك”.

تبدأ الخدمة في تقديم الطعام من الساعة 10 صباحًا وتستمر حتى الثامنة أو التاسعة من كل يوم.

بعدما يجمع محمد شهدي ترابيزات الطعام ويضعها فوق بعضها في مدخل حارة حوش الطاحون، يبدأ في تجهيز طعام الغد، وفي الوقت نفسه يغسل ملابسه وملابس بعض الفقراء والعاملين معه في الخدمة، في غسالة نصف أوتوماتيك.

بينما يستوي الفول على نار هادئة، ينام محمد شهدي في حجرة بجوار المطبخ هو وبعض رواد الخدمة والعاملين معه.

خدمة حبايب الحسين.. وجبات مضمونة

إلى جوار دار الفقيه، تصعد على سلم خشبي بني اللون، بثلاثة أدوار، وتدخل الرابع فتجد الموائد ممدودة. موائد تحيط بها دكك خشبية، تجلس بين وجوه الفقراء. هل أكلت فول نابت ومكرونة قبل ذلك؟

في البداية، قال “م..ح”، رافضًا ذكر اسمه: “معي هنا في المطبخ 4 أفراد، كل ما يهمنا هو تقديم وجبة مشبعة نظيفة للفقراء. فليس من سبب واحد يدعونا لتقديم وجبة فاخرة بلا نظافة، لأن الذي يأكلها قد يخرج من هنا إلى المستشفى. لذلك، عندما يأتي هنا أحد من الصحة أو الشرطة، يأكل وهو مطمئن. فنحن نمنع منعا باتا صرف أي أكل في أكياس أو علب بلاستيكية. من أكل هنا أكل، ومن أراد أخذها في طبق أو حلة، أعطيناه”.

جزء من التجهيزات في ساحات الخدمة - فكر تاني
جزء من التجهيزات في ساحات الخدمة – فكر تاني

“هنا النار لا تنطفئ أبدًا”، يقول مدير خدمة حبايب سيدنا الحسين، لكنه يستطرد قائلًا: “إلا حين نذهب إلى أي من الموالد، أغلق المكان، لأنني لا أعرف طباخين أو عمالًا أئتمنهم على تقديم طعام جيد للفقراء”.

ويضيف: “نحن هنا مسخرون لله ولخدمة حبايب آل البيت، ولا نقبل تبرعات. فالحمد لله، أنا رجل صاحب شركة، أنتهي من عملي وآتي إلى هنا كما تراني بتلك الملابس. لم أفرق بيني فعلاً وبين العمال وبين رواد الخدمة.”

“نبدأ في خدمة الفقراء من الساعة 9 صباحًا إلى الساعة 12 ليلاً، نقدم وجبة إفطار من العدس أو الفول أو العسل الأسود، ومن الساعة الواحدة نقدم وجبة الغداء، ومن قبلهما وبينهما نطبخ”، يقول مدير خدمة حبايب سيدنا الحسين.

خدمة محمد طه التلاوي

كأي فلاح تراه في شوارع السيدة، جلباب أبيض وطاقية، لا علاقة بين الألوان ببعضها البعض، لكنه مهندم، يسلم مبتسمًا دون معرفة.

سألت عنه، فقالوا: “ده محمد طه كان يعمل خدمة هنا في حارة حوش الطاحون لمدة 15 سنة، ثم نقل خدمته إلى جامع الحبيبي، بعد مسجد السيدة في شارع السد، تجده في شارع الملاح، في شقة بالدور الأرضي”.

الباب مفتوح دائمًا على صالة مستطيلة بها طبليتان مستطيلتان ممدودتان دائمًا كذلك، لمن يطلب الطعام. تدخل في أي وقت، ويمكنك أن تنام. هكذا قال لي محمد طه حين ذهبت إليه، بعد أن دعاني للطعام: “ملوخية ورز وقرن شطة ومخلل”.

اللحوم جزء من الوجبات المقدمة في ساحات الخدمة - فكر تاني
اللحوم جزء من الوجبات المقدمة في ساحات الخدمة – فكر تاني

الشقة عبارة عن حجرتين تفتحان على الصالة، بجوارهما ممر يأخذك إلى المطبخ والحمام. “النار شغالة هنا طول الوقت، قبل ما يخلص طبيخ نكون جهزنا اللي بعده، حسب الموجود”، يقول محمد طه التلاوي.

كان والدي يقيم الخدمات في الموالد، وبعد رحيله فكرت في أن تكون خدمة تقديم الطعام طوال العام.

وحين سألته عما يفعله كل منهم في الخدمة “خمسة أفراد وأحيانًا أربعة”، قال: “كلنا هنا نعمل أي حاجة في وقت، كلنا واحد”.

لم يهتم محمد طه التلاوي بتقديم تفسير لمعنى الخدمة أو التكية والنفحة، فكل ما يراه هو أن هناك من يحتاج إلى طعام ومأوى، وهذا ما نفعله على قدر “مقدرتنا”، كما يوضح.

خدمة الشيخ عبد اللطيف الشرقاوي

في نهاية مسجد السيدة زينب من شارع السد، وقبل مسجد الحبيبي، تجد مقهى بشرة خير على يسارك. تدخل حارة الوحش، ثم تكسر يمينًا في الشمال، لتجد بابًا حديديًا في الدور الأرضي.

البيت ظاهر وواضح بسبب لون بابه الأبيض. نادينا على الشيخ عبد اللطيف، فرد شخص ملامحه صعيدية، يرتدي جلبابًا أبيض وطاقية خضراء.

رحب بنا ودعانا للدخول. سلمنا على الشيخ عبد اللطيف، ودعانا لتناول الطعام، فاقسمنا أننا قد تناولنا طعامنا للتو في خدمة الحاجة حلاوتهم والشيخ محمد عبدالله نصر.

مسجد السيدة زينب رضى الله عنها - فكر تاني
مسجد السيدة زينب رضى الله عنها – فكر تاني

أبلغه محمد شهدي: “إنني صحفي، وأبحث في موضوع خدمات الإطعام.” رحب بنا الشيخ عبد اللطيف، وسألناه عن معنى الخدمة ومن أين جاءت فكرة إطعام الفقراء، والفرق بين الخدمة والتكية والنفحة. فقال: “إن فكرة إطعام الطعام بدأت في الإسلام مع هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين إلى المدينة المنورة، التي كان اسمها وقتها يثرب، ثم سميت المدينة المنورة. وكان المهاجرون مع النبي بلا مال ولا عمل، فدعا النبي للإخاء بين المسلمين من مكة والمدينة، فاستضاف كل أنصاري مهاجرًا، إطعامًا ومأوى”.

وتأكدت فكرة إطعام الطعام للفقراء والمساكين والأسرى، وفق الشيخ عبد اللطيف، مع سيدنا علي بن أبي طالب والسيدة فاطمة، حين نويا الصيام. وعند أذان المغرب، وحين حان موعد الإفطار، جاءهما عابر سبيل وطلب الطعام، فسأله الإمام عن المدة التي قضاها بلا أكل، فقال: “يومين”. فأعطياه إفطارهم. هنا نزل قوله تعالى: “ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا”.

والهاء الضمير في قوله تعالى “حبه” تعود على الطعام، فهو يحب الطعام، ومع ذلك أعطاه للفقير والمسكين والأسير، فضلهم على نفسه رغم صيامه. ومن يقدم الطعام للفقراء أو يعده لهم هو مندوب أهل الصُفّة للفقراء، كما يقول الشيخ عبد اللطيف.

ويضيف ابن مدينة بلبيس، مفرقًا بين الخدمة والتكية: “خدمة الفقراء وإطعامهم بدأت مع المهاجرين، أما التكية فكانت الدولة تقوم بها، لكنها انتهت الآن أو تراجع دورها.” وتختلف الحاجة حلاوتهم مع الشيخ عبد اللطيف، حيث تؤكد أن “التكية هي الخدمة بعينها.”

حكاية شعبية عن نشأة التكية

يقول الشيخ عبد اللطيف عن منشأ التكية نقلًا عن الحكايات المتوارثة شعبيًا أن “الأمير شيخون المملوكي بنى مسجدًا، وزينه بالألوان والمصابيح من الداخل والخارج، جاء عابر سبيل ودخل ليصلي وبعد الصلاة، سأل عن الطعام فقال له أحدهم، لا يوجد هنا طعام.

فخرج من المسجد وكتب على جدار المسجد إلى جوار باب الدخول:

“جامع بلا عيش .. اتبني ليش؟”

وعندما جاء الشيخ بعد ذلك للصلاة، رأى ما أفسد مظهر المسجد، لكنه مع ذلك اغتاظ، فكتب ردًا على السائل:

“الجامع للصلاة.. يا قليل الحياة”.

بعد يومين، عاد عابر السبيل ورأى رد الشيخ، فكتب:

“الصلاة في الخلاء.. يا قليل الحياة”.

موقد طعام بشكل بدائي يساهم في تجهيزات الإطعام - فكر تاني
موقد طعام بشكل بدائي يساهم في تجهيزات الإطعام – فكر تاني

فما كان من شيخون إلا أن جمع العلماء وسألهم عن قول الغريب، فقالوا إنه محق في قوله، إذ الصلاة تتحقق في الخلاء، مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا”. فبنى شيخون “تكية للطعام والمأوى والتعليم”، وكان يقصد الشيخ عبد اللطيف، وقد بنى خانقاه، لأن لفظ “تكية” لم يطلق في عهد المماليك على أماكن الطعام والمأوى والتعليم إلا بعد استقرار حكم العثمانيين في مصر.

أما النفحة، فيعرفها الشيخ عبد اللطيف بأنها طعام يقدم بشكل مؤقت، وتنتهي بفراغ صاحبها من توزيعه، أما الخدمة فهي طعام يقدم طوال الوقت لمن يحتاجه، ولا ترتبط بوقت معين”.

يتبع…

التعليقات

موضوعات ذات صلة